لا يختلف كثيرون على أن المشهد الأفغاني يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات؛ فجميع المنخرطين في الشأن الأفغاني ومن بينهم طالبان والقوى الأفغانية الأخرى إلى جانب القوى الإقليمية ناهيك عن الولايات المتحدة والقوى الدولية تواجه واقعًا يصعب التنبؤ بمسقبله، ولذلك فإن هذه السلسلة من المقالات تحاول شرح العوامل الرئيسة المؤثرة في مستقبل أفغانستان من خلال التركيز على المحطات التي شكلت نقاط مؤثرة، وشكلت الواقع التي تعيشه أفغانستان ويتوقع أن تعيشه في المستقبل.

اللحظة الأولى: توقيع الاتفاق

ينظر كثيرون على أن لحظة دخول طالبان إلى كابل وهروب أشرف غني منها، هي اللحظة الفارقة ولكن المتأمل بالمشهد الأفغاني حتى دون أن يغوص في تفاصيله يعلم أن هذه اللحظة كانت تحصيلَ حاصلٍ يتوقعه الجميع بشكل أو بآخر وذلك بعد اللحظة الأهم في تاريخ صراع طالبان ضد القوات الأمريكية في أفغانستان وهي لحظة توقيع الاتفاق بين ممثلي الحركة في مكتب قطر والولايات المتحدة في 29 فبراير (شباط) عام 2020.

شكلت لحظة توقيع الاتفاق انتهاءً لمرحلة حرب الولايات المتحدة ضد طالبان وبداية لمرحلة التعامل معها على أنها الطرف السياسي والعسكري الأقوى في الساحة الأفغانية، وهي التي ستملك مستقبل أفغانستان، في تلك اللحظة تحولت طالبان من حركة إرهابية ملاحقة من القوات الأمريكية في أفغانستان إلى جهة قوة سياسية وجدت الولايات المتحدة بأنه لا بد من التواصل معها، بل وإرضائها بتوقيع اتفاق يتعهد بالانسحاب من أفغانستان ويؤطر لعلاقة مستقبلية بين الجانبين.

فجأة تحولت الحركة في التصنيف الأمريكي من أحد أخطر المجموعات الإرهابية المدرج قادتها وعناصرها على قوائم المطلوبين إلى شريك لواشنطن في عملية إنهاء المهمة الأمريكية في أفغانستان، والتي أصبحت معقدة جدًا بعد استطالتها لتصبح الحرب الأمريكية في أفغانستان أطول الحروب الأمريكية.

فجأة تحولت الحركة من المعوق الرئيسي لاستمرار حياة الناس بالشكل الطبيعي في الخطاب الحكومي الأفغاني إلى شريك مستقبلي في الحكم، وهو ما فتح الباب لبداية تواصل بين مسؤولي طالبان والمسؤولين البيروقراطيين في مختلف الوزارات الحكومية والدوائر الرسمية للتفاهم على مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي.

فجأة لم تعد طالبان احتمالًا وأصبحت مصيرًا محتومًا ينتظره الأفغان سواءً اتفقوا معه او اختلفوا معه، رحبوا به أم خافوا منه، هذا ما جعل لحظة التوقيع على الاتفاقية لحظة تاريخية غيرت كل شيء في أفغانستان ، فلا طالبان ولا الولايات المتحدة يثقان ببعضهما بما يكفي للتركيز على محتوى الاتفاقية وتوقع الالتزام الدقيق بما جاء فيها، ولكن رمزية ما مثله جلوس مسؤول من طالبان إلى جانب مسؤول أمريكي على الطاولة نفسها لتوقيع اتفاق غيَّر صورة طالبان في أذهان الأفغان قبل غيرهم.

فما حدث بعد هذه اللحظة أصبح تسلسلًا منطقيًّا لم يفاجئ من يتابعون أفغانستان وقضيتها، وذلك لأن النقطة الأهم التي سعت إليها طالبان طوال عشرين عامًا هي التحول من مجموعات مسلحة تنفذ عمليات ضد قوات حكومية إلى قوة سياسية جاهزة لقيادة الحكم الذي تعتبر بأنه انتزع منها بفعل التدخل الدولي عام 2001.

بعد هذه اللحظة لم يعد بإمكان أشرف غني، أو أي من قادة الحكومة في كابل أن ينظر في عيني أي من الموظفين العاملين تحت إمرته ويطلب منهم الولاء له ولسياساته، وهو ما صنع أزمة ثقة عميقة بين مختلف المسؤولين الأفغان؛ فكلٌّ منهم كان يخشى من أن يكون الآخر قد اتفق مع طالبان سرًّا ويحجز لنفسه مقعدًا في المستقبل من خلال تسريب معلومات عما يحدث خلال اجتماعات وعمل المؤسسات الحكومية لعناصر طالبان.

كيف ساعد كورونا طالبان؟

ومنذ فبراير (شباط) 2020 حتى فبراير 2021 وهي الفترة التي انشغلت بها واشنطن بوباء كورونا ومن بعده بالانتخابات الرئاسية كانت طالبان قد استفادت إلى أبعد حد من توقيع الاتفاق مع الولايات المتحدة من خلال كسب ولاء مسؤولين أفغان داخل الحكومة ومؤسساتها بالترغيب أو الترهيب أو كلاهما.

ما حصل منذ إعلان فوز الرئيس الأمريكي جو بايدن بالانتخابات حتى يوم دخول طالبان إلى كابل كان مجرد إقناع لإدارة بايدن بأنه لا مجال للتراجع عن الاتفاق وأن أي محاولة لبايدن لإلغاء الاتفاق أو مراجعة بنوده ستعني اعلان الحرب على طالبان وتحويل أفغانستان إلى ساحة حرب من جديد.

وبغض النظر إن كانت لحظة التوقيع على الاتفاق هي سوء تقدير من المؤسسات الأمريكية التي درست جدوى الاتفاق ووجدت فيه مصلحة أمريكية، أو إذا كان الاتفاق مجرد اجتهاد آخر من اجتهادات إدارة ترامب التي حاولت انهاء الصراعات التي تورطت بها الولايات المتحدة بعقد صفقات مع مختلف الأطراف وهو ما فشل في عدد من الساحات، ولكن جائحة كورونا التي انشغل بها العالم منذ مارس (آذار) 2020 أعطت طالبان وقتًا كافيًا لاتخاذ ما يكفي من الإجراءات على الأرض من أجل ضمان عدم تراجع واشنطن عنها بعد رحيل ترامب مهما كانت نتيجة مراجعات قرار ترامب بالتوقيع.

يدور جدل اليوم في الولايات المتحدة عن مسؤولية مختلف الأطراف عن توقيع الاتفاقية مع طالبان لإدراك الكثيرين ما كان للحظة التوقيع هذه من أثر على العام الذي يليه وعلى المشهد الذي أخرجته طالبان خلال دخولها إلى كابل.

خوف غني من محيطه

وقد ساعد طالبان مدى ضعف ثقة أشرف غني بمحيطه من المسؤولين ورجال الأمن وهو ما جعله يغادر البلاد هاربًا دون أن يحاول الانتظار داخل قصره لنهاية اليوم الذي تقدمت به قوات طالبان إلى كابل ، فشعور غني بأن الأمريكيين لا يكترثون لمصيره أو لصورته من جهة وأن حتى حراس قصره قد يكونون بانتظار فرصة او توجيهات من طالبان لبدء إطلاق النار عليه جعلته يخرج من القصر متوجها الى أقرب عاصمة قبل أن يحط رحاله في أبو ظبي.

أدرك غني بأن نهايته كانت قادمة لا محالة منذ لحظة توقيع الاتفاق في الدوحة لكنه كان يحاول أن ينتزع خروجًا مشرفًا من طالبان في مفاوضات استمرت لشهور لكن مدى انعدام ثقته بمحيطه جعلته يختار أسوأ شكل للخروج بعد أن بدأت طالبان تشيطنه في مطالبتها له بالإستقالة غير المشروطة وتحميله مسؤولية ما سيحدث إذا استمر في المماطلة.

وإذا نظرنا للدول المجاورة كايران وطاجكستان وأقطاب السياسة الدولية بما في ذلك الصين وروسيا والدول الأوروبية فنلاحظ تسارع خطى التواصل مع طالبان بعد توقيع الاتفاقية، فلم يعد يمكن لواشنطن لوم أحد على دعم طالبان أو التعاون معها ولم يعد أحد يثق في خطوات الولايات المتحدة القادمة في أفغانستان بما في ذلك حلفاؤها الذين حاولوا تمديد عمر حكومة أشرف غني لأطول وقت ممكن لكنهم كانوا يعلمون أن ذلك رهان خاسر.

فلذلك لا يمكن للقارئ أو المتابع أن يفهم تفاصيل ما حصل في أفغانستان قبل وبعد سيطرة طالبان على كابل دون فهم الأثر المحلي والإقليمي والدولي للحظة توقيع الاتفاق بين طالبان وإدارة ترامب.

تسع لحظات أخرى سنتناولها في المقالات القادمة من هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد