تونس دولة عربية متوسطية شمال أفريقية عدد سكانها يبلغ نحو 11708370 ساكن، وهي من الدول العربية ذات النمو السكاني الضعيف، حيث بلغت نسبة النمو الطبيعي نحو 1.29 بالمائة ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية سنة 2019 نحو 113844 مليون دينار، وقد شهد النمو الاقتصادي خلال الثلاثي الثالث لسنة 2020 عجزا بلغ سالب 6 بالمائة، ووصل التضخم لحدود 4.9 بالمائة، والعجز التجاري إلى 12557.8 مليون دينار، ونسبة البطالة بلغت 16.2 بالمائة، وقدر حجم الدين الخارجي للدولة التونسية بـ79175 مليون دينار منها 68659 ديون خارجية واجبة السداد ويمثل الدين نسبة 85 بالمائة من الناتج المحلي. تلك هي الإحصائيات الرسمية حول الوضع الاقتصادي للبلاد التونسية بعد 10 سنوات من الثورة التونسية، ولعل السؤال الأهم اليوم لماذا وصلت فاتحة الربيع العربي إلى هذا الوضع الاقتصادي الكارثي الذي أصبح طبقًا لأغلب الخبراء يهدد الدولة التونسية بالإفلاس؟

لقد شهدت تونس ذات شتاء بين 17 ديسمبر 2010 و14 يناير (جانفي) 2011 أعظم ثورة شهدها القرن الحادي والعشرين غيرت وجه تونس والعالم العربي، وأثبتت أنه يمكن للشعوب أن تكسر حاجز الخوف دفاعًا عن كرامتها وحريتها. فحولت تلك الثورة الشعبية السلمية العارمة الشتاء إلى ربيع عربي أعاد الأمل في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. ولكن هذا الربيع الذي بدأ هناك في تونس وامتد لأغلب الجمهوريات العربية ومكّن الشعوب من التحرر من الطغاة القابعين فوق رقاب العباد لعشرات السنوات تحول لشتاء قاس.

لقد أنفقت مليارات الدولارات من هنا وهناك لتحويل الربيع إلى شتاء، فكان الانقلاب الدموي في مصر على الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا، وعادت مصر لأن تصبح سجنًا كبيرًا لشعبها وأعيد تنصيب ديكتاتور جديد بثوب ديمقراطي مزيف تعودت عليه الشعوب العربية خلال الفترة التي سبقت الربيع العربي. وأججت في اليمن وليبيا وسوريا نار الفتنة المدمرة وتحولت الاختلافات إلى خلافات أحرقت الحرث والزرع وفقدت الأمة خيرة شبابها في حروب بالوكالة دمرت الأخضر واليابس، وأرجعت مدن عامرة إلى مرحلة ما قبل التمدن. ولكن تونس بقيت عصية على كل محاولة لدفع أهلها نحو الاحتراب الأهلي، ولعل التركيبة الثقافية والعرقية والدينية واللغوية لشعبها كانت الحامية لذلك فلا يوجد بها تعدد مذهبي كما اليمن وسوريا، ولا قبلية قاتلة كما ليبيا، ولا يمتلك جيشها حزبا كما سوريا، وتمتلك ثقافة علمانية الدولة منذ أنشأ الزعيم الحبيب بورقيبة الدولة الحديثة بعد الاستقلال، ولذلك كان الانتقال من الديكتاتورية للديمقراطية انتقالا مؤسساتيّا ودستوريّا بحكم التقاليد الدستورية التي انطلقت منذ 1861 مع أول دستور لتونس.

وأدت الثورة لتشكيل مجلس تأسيسي شرّع للدستور الجديد الذي اعتمد سنة 2014 ومعه بدأت الجمهورية الثانية كجمهورية ديمقراطية السيادة فيها للشعب فعلا لا قولا وكتابة. إن كل هذه المؤشرات تشير إلى أن التجربة التونسية ستكون ناجحة ومحققة للأمال التي حلم بها الشعب التونسي، وخاصة الشباب التونسي ولكن الواقع الآن وبعد 10 سنوات للثورة مخيب للآمال وأصبح الربيع شتاء قاس وأصبحت الدولة مهددة بالإفلاس.

إن الثورة التونسية ثورة بلا قيادة وبلا نخب منظرة كما كانت الثورات التاريخية المعروفة كالثورة الأمريكية أو الفرنسية أو الروسية أو الصينية أو ثورة 1952 في مصر أو ثورة التحرير الوطني الجزائري أو ثورات التحرر من الاستبداد التي شهدتها أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا. إنها ثورة شارك فيها الجميع وكان الإضراب العام يوم 14 يناير (جانفي) 2011 أمام وزارة الداخلية جامعًا لكل الأطياف الفكرية والسياسية والثقافية وللنساء والرجال والشباب والأطفال. كان اجتماعًا جامعًا للشعب التونسي أثبت من خلاله أنه يد واحدة من أجل تونس وتواصل هذا الأمر بعد رحيل بن علي في لجان الأحياء التي تشكلت حينها بعد الانسحاب الكامل للأمن وفي دعم كبير للجيش الوطني التونسي الذي تحمل مسؤولية حماية الدولة والشعب مدعومًا بإدارة فاعلة حافظت على ديمومة كل المرافق الأساسية للمواطن التونسي من ماء وكهرباء ووقود واتصالات ونقل، حيث لم تشهد الخدمات أية انقطاع طيلة فترة أحداث الثورة.

وتواصل هذا الانسجام بين كافة مكونات الشعب في اعتصام القصبة 2 الذي نتج عنه تشكيل حكومة جديدة قادها المرحوم الباجي قايد السبسي ساهمت في تحقيق ما طلبه الثوار من انتخابات نزيهة وشفافة تحت إشراف هيئة مستقلة وحماية الجيش الوطني التونسي من أجل تشكيل مجلس تأسيسي يعيد بناء الدولة على أسس ديمقراطية تقطع مع الاستبداد وهو ما تحقق لاحقا. من يتأمل في هذه الأحداث يستغرب ما حصل لاحقًا من تحول درامي دفع الثورة التونسية دفعا نحو الشتاء القاس بعد أن كانت ربيعا مزهر.

كلمة السر فيما حدث في تونس لاحقًا هي الأيديولوجيا: إنه الصراع الأيديولوجي العبثي الذي بدأ منذ فوز الإسلاميين بشكل فاجأ الجميع في انتخابات 2011 وتواصل إلى اليوم بنفس الوسائل والأدوات والآليات وبطريقة عبثية عدمية تشبه مسار فأر في حلقة دوارة لا نهاية لها ولا أمل في الخلاص منها. هذا الصراع العبثي كلف البلاد اغتيالين سياسيين لرجال من خيرة رجالها وعشرات الشهداء من الأمن والجيش ومئات الشباب الذي قتل عبثًا في حروب عبثية في أطراف العالم شرقا وغربا حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل سوى اليأس الذي دفعهم إليه ساسة هواة متعصبين أيديولوجيّا أحرقوا البلاد من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها متحالفين مع كل الفاسدين والمافيات والنافذين في مواجهة عبثية عدمية مع بعضهم البعض لم تورث البلاد إلا الدمار والخراب. لقد زرعوا اليأس والخراب حيثما حلوا. فتعطلت كل وسائل الإنتاج التي دونها لا يمكن أن تكون هناك ثروة قط ودون ثروة لا يوجد ازدهار ورفاه. لقد حول هؤلاء تونس إلى دولة تعيش على الاقتراض الخارجي ليس من أجل التنمية بل من أجل سداد الأجور والنفقات اليومية للدولة التونسية.

لقد انتظر الشعب التونسي أن تكون انتخابات 2019 فرصة للإنقاذ من خلال انتخاب رئيس مستقل ومحايد على أمل أن يخلق التوازن المفقود ويكون لشخصيته الاعتبارية دور في دفع الجميع للاجتماع أخيرا حول طاولة الوطن من أجل الاتفاق على المشترك وهو القضاء على الفساد وإنقاذ الدولة من الإفلاس بوضع منوال تنموي جديد يعيد هيكلة الاقتصاد الوطني التونسي ويمكن المؤسسات المنتجة للثروة بالعودة لسالف نشاطها خدمة للمصلحة العامة. ويتوجه نحو الإصلاحات الكبرى في التعليم والصحة والبنية التحتية. ولكن يا خيبة المسعى فلقد انخرط الرئيس في صراعات دونكيشوتية مع رئيس البرلمان ورئيس الحكومة حول الصلاحيات ساعيّا بكل جهد لإحياء النظام الرئاسي الذي لا يمكن أن يكون هو الحل لتونس بل سيزيد الأمر تعقيدًا بإرجاعها إلى مربع الاستبداد خاصة مع وجود بطانة غير مطمئنة محيطة بالرئيس. فأصبح الرئيس طرفًا في المناكفات الأيديولوجية التي تعطل محرك الدولة التونسية وتمنعه من السير في طريق الأمل والازدهار والرفاه.

ما لم تدرك النخب التونسية المهيمنة على الحياة السياسية عبثية وعدمية ما تقوم به، فإن وضع الدولة التونسية يهدد بسقوط السقف على الجميع. إنها نخب بحاجة لأن تعود لمقاعد الأكاديميا للتعلم ماذا يعني أن تكون سياسيًّا اليوم؟ وكيف تدار شؤون الدولة والمجتمع؟ ذلك أن ما نشاهده من ممارسات هنا وهناك لا علاقة له البتة بالسياسة. إذا يمكن أن نطلق على هؤلاء أي اسم نشاء إلا كونهم سياسيين. فالسياسة مسؤولية وبناء وليست عبثًا وخرابًا ودمارًا للمجتمع كما هو الأمر المشاهد في تونس. فليتق هؤلاء ما يعبدون في الشعب التونسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد