تدور عدسات كاميرات السينما في الشارع، أثناء تصوير أحد الأفلام، فتلتقط في طريقها المارين في الزحام، والعابرين في الحياة، وعلى هامشها أبطال حقيقيون، وأشرار حقيقيون، وأناس جالسون في المحطة، ينتظرون حافلة تقلهم، كل إلى حيث وجهته التي يطلبها.

شخص من الواقفين داخل الأتوبيس أو الحافلة، لا بد أنه عائد إلى بيته، بعد يوم عمل طويل، وآخر ذاهب لارتكاب جريمة قتل، وبائع كتب متجول، وشحاذة منتقبة!

تدور الكاميرا فتلتقط شابًا متوترًا متبرمًا، لا بد أنه في انتظار صديقته التي دائمًا ما تأتي متأخرة ومرتبكة. تدور الكاميرا فتلتقط زوجين صامتين بملابس صيفية، جالسين في البلكونة، يدخنان ويحتسيان الشاي، ويراقبان الغروب، لا بد أنهما وحيدان، فلهم ابنة تزوجت وابن ينتظران عودته من السفر.

تقترب الكاميرا حيث أناس متأنقين، يبدو عليهم أنهم سعداء، وهم يستمعون لأم كلثوم، يتمايلون طربًا وهي تقول:

وعمري ما أشكي من حبك.. مهما غرامك لوعني.
لكن أغير م اللي يحبك.. ويصون هواك أكتر مني.

فيصفقون مطولاً في انتشاء.

يتسع الكادر فيحتوي مشاجرة بين سائقين ومجندين – مستقبلين إجازتهم القصيرة- يعلوهم الوجوم، ومقهى به شلة من الأصدقاء العاطلين، أحدهم لا بد أن يكون ثقيل الوزن، وخفيف الظل، وآخر أسمر يكتب الشعر، يلعبون “الدومينو” وسط سحابة كثيفة من دخان الشيشة الأبيض تحيط بهم، وعند انقشاعها ينتبهون لمرور جنازة، لا بد أن الفقيد شاب.

موسيقى غربية، ورائحة طعام يُعد، ومباراة كرة قدم حماسية، وعسكري المرور، وأطفال عائدون من مدارسهم بحقائب وواجبات منزلية ثقيلة، وأمنيات لا تتحقق بتغيب مدرسيهم في الغد.

لحظات تخلدها الكاميرا لأبطال مجهولين لا يعرفون أدوارهم في السينما، ولا أهميتها، فهم عابرون بالصدفة، ينتظرون نهاية سعيدة لحياتهم.

شوارع وميادين سينمحي من الوجود أثرها، وبشر سيندثرون بعد قيام ثورة، لن يشهد على حدوثها ووجودهم سوى الكاميرات.

لا أعرف سبب اهتمامي بملاحظة العابرين أمام الكاميرا، والفضول في معرفة مصيرهم، لا بد أن وراء كل واحد قصة ما، تستحق أن تكون فيلمًا سينمائيًّا عظيمًا.

فكرة أن يكون هناك أناس عبروا أمام الكاميرا قبل أن يرحلوا وتمضي حياتهم؛ هي فكرة مثيرة للشغف والخيال، أن يكون بإمكانك أن ترى لمحات من بعض ما تقرأه في كتب التاريخ والأدب مجسدًا، هذا السحر الذي يمكنك من العودة بالزمن إلى الوراء، فتحيا حيوات مبهرة في زمانها وأمكنتها، لم تكن لتحيا لولا الكاميرا.

تخيل معي فيلمًا سينمائيًّا كيف سيكون بلا عابرين غير مكترثين، وشوارعه خالية من الحياة، لا ضجيج، لا زحام، لا تلوث بصري وعشوائية، لا ملابس رثة – لا يدركها مصممو الأزياء وإن اجتهدوا- وجماهير لا تحركها دائمًا صورة الرئيس الموضوعة أعلى مكاتب الضباط في أقسام البوليس، والمصالح الحكومية، ولا المخرج بالضرورة. تتغير الصور عندما يثور العابرون، ويتعاقب المخرجون، وتبقى الكاميرا هي الشاهد على تاريخ لن يدرس ضمن مناهج وزارة التربية والتعليم.

كلما اتسع الكادر ضاق الفارق بين ما هو واقعي وبين ما هو سينمائي، حتى أني أفكر وأتساءل، هل لو كان العابرون أمام الكاميرا يعلمون بدورهم الحقيقي في الفيلم؟

 

هل كان في وسعهم أن يغيروا في أحداثه وحركته؟ هل كان بمقدورهم التدخل لتحديد النهاية وترتيب الخط الزمني؟ هل سيظهرون بشخصياتهم الحقيقية؟ أم يكملون أدوار المارين العابرين في الزحام؟ هل سيتدخلون لمساندة البطل الذي ينشد الحق والخير والجمال؟ هل سيحمونه من الأشرار؟ أم سيتآمرون معهم عليه؟ أم ستظل النهايات دائمًا يتحكم فيها المخرج “لأنه عاوز كده”؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد