يتساءل البعض عن السر في التحول في الموقف التركي الأخير، أعني التحول في العلاقة مع روسيا وإسرائيل، ذلك التحول السريع والمفاجئ للبعض.

لعل المطّلع والمتابع للوضع التركي لم يتفاجأ بهذا التحول بل كان متوقعًا، فبعد الصدمات المتوالية على تركيا، والمتمثلة في فشل مشروع السلام مع أكراد تركيا، وتزايد هجمات حزب العمال الكردستاني على الجيش وقوات الأمن التركيين في كردستان تركيا، وظهور جار جديد في الجنوب ألا وهو أكراد سوريا الذين صعد نجمهم حتى أصبحوا أحد اللاعبين الرئيسيين في الصراع السوري، وباتوا يسيطرون على مساحة واسعة من الشمال، والشمال الشرقي لسوريا، وتزايد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في الداخل التركي، والعزلة الدولية التي وضعت نفسها فيها بسبب أخطاء الحكومات السابقة، وشعورها بخذلان حلف الناتو لها في مواجهة روسيا، كان متوقعًا أن تقوم تركيا بتغيير في سياستها تجاه أزمات المنطقة، حجر الأساس في التغيير في موقف تركيا كان تكليف بن علي يلدريم في تشكيل حكومة جديدة، بن علي الذي اتهم سلفه داود أوغلو بالتسبب في عزل تركيا سارع إلى تقديم تنازلات لكل من روسيا وإسرائيل في سبيل إعادة العلاقات على ما كانت عليه في السابق.

حيث أعلنت أنقرة وتل أبيب عن التوقيع على تطبيع العلاقات بينهما، وتبادل السفراء بعد قطيعة استمرت 6 سنوات، وبالتحديد منذ حادث مقتل 8 ناشطين أتراك على ظهر السفينة مرمرة في عام 2010.

وقدم رجب طيب أردوغان اعتذارًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتن عن إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية أواخر العام المنصرم، في محاولة لإعادة العلاقة بينهما على ما كانت عليه في السابق.

وبعد أن ضاقت تركيا ذرعًا بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا، الداعمة لألد أعداء أنقرة وهم الأكراد، لم تجد بدًّا من التطبيع مع إسرائيل وإعادة العلاقة مع روسيا، في محاولة لاستخدام إسرائيل كورقة ضغط على واشنطن لكبح جماح الأكراد في تأسيس كيان كامل في شمال وشمال شرق سوريا، على غرار كردستان العراق، الأمر الذي سيعجل بإقليم مماثل في الجنوب الشرقي للتركيا.

حيث إن قادة الأحزاب الكردية في سوريا تربطهم علاقات وثيقة مع الغرب، وخصوصًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المتوقع أن تطلب إسرائيل من واشنطن الضغط على حلفائها الأكراد من أجل التخلي عن طموحاتهم، أو على الأقل تأجيلها في الوقت الراهن، وتخشى واشنطن أن تؤثر ضغوطها في قتال الأكراد لتنظيم الدولة الإسلامية؛ حيث يمثل الأكراد الشريك الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية  في سوريا.

يبدو أن هذه الحقيقة أدركها الأكراد في سوريا؛ حيث أعلنت الإدارة الذاتية يوم السبت الماضي (2 يوليو)، وبعد أربعة أيام من التوقيع على اتفاقية التطبيع بين تركيا وإسرائيل عن إنشاء إقليم كردستان سوريا، وأعلنوا اختيار مدينة القامشلي عاصمة للإقليم، وأعلنوا أيضًا سن دستور لإقليم كردستان سوريا.

بلا شك أن الأكراد استشعروا خطر التحول في الموقف التركي الأخير؛ ليستبقوا التفاهمات التركية الإسرائيلية والتركية الروسية في إعلان إقليمهم الفيدرالي، الأمر الذي وضع تركيا في موقف حرج.

إذًا، وبعد فشل القرار التركي الأخير القاضي بالاعتماد على تل أبيب كورقة ضغط على الولايات المتحدة، والتي من المفترض أن تضغط على أكراد سوريا، لم يبق أمام تركيا سوى أن تلعب على المكشوف، وتدعم قتال الأكراد عسكريًّا، ولكن من الذي سيقاتل الأكراد؟ هل هي المعارضة المسلحة والمدعومة من تركيا، والتي ترفض قتال أحد غير الأسد، أم الأسد نفسه؟ الذي تربطه حالة عداء مع تركيا، وحتى لو تم تجاوز الخلافات مع نظام الأسد بوساطة روسية مثلًا، فهو لا يرى الأكراد خطرًا بقدر خطر المعارضة المسلحة، وتنظيم الدولة الإسلامية.

إذًا، على تركيا أن ترضخ للأمر الواقع، وتكسب صداقة أكراد سوريا كما هو حاصل مع أكراد العراق، أو تستمر في تخبطها، والذي ستدفع ثمنه غاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد