كان القرن السابع عشر طليعة الاستعمار الأوروبي للقارة الإفريقيه، والذي لم تسلم منه دولة جنوب إفريقيا كباقي دول القارة السمراء، إلا أنّ الاستعمار خلّف وراءه حكم الأقلية البيضاء ونظام الفصل العنصري الذي قيّد حياة السود.

كانت جنوب إفريقيا إبّان الحقبة العنصرية «الأبارتهيد»، تحت حكم أقلية من البيض، سادَتها إجراءات عنصرية فجّة آلت لمنع السود والملونين من السير بمدينة جوهانسبرج فيما بعد السابعه مساءً، ومنعهم من استخدام بعض الجسور والطرق، وحظر حركة السود بدون تصريح مُوّقع بالمرور، واستمرَّ نظام الفصل العنصري قرابة الـ ٤٠ عامًا، تستخدمه الأقليه البيضاء، إلى أن خرج الساحر «ماديبا» من أوساط السجون بعد التفاوض بين رفاقه والحكومة العنصرية مشترطين خروج «مانديلا» كخطوة مبدئيه نحو المستقبل.

وُلد مانديلا في 18 يوليو (تموز) 1918 ودرس القانون، وعاش بجوهانسبرج، ثم بدأ العمل السياسي عام 1942 بالتحاقه بحزب «المؤتمر الوطني الإفريقي»، وانخرط في السياسة المناهضة للاستعمار.

‎كان مانديلا رمزًا لرفض سياسة التمييز العنصري؛ فقد انتخب رئيسًا لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال، وأشرف على الكونجرس الشعبي لعام 1955، وكان يحُث علي الاحتجاجات غير العنيفه بالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا، ومع احتدام الصراع بدأت المقاومه المسلحة ضد نظام الفصل العنصري، حينها أصبح مانديلا قائدًا لحملات المعارضة والمقاومة، انتهت به إلى الاعتقال فى أغسطس (آب) 1962 لمدة خمس سنوات بتهمة السفر والتدبير للإضراب، وفي عام 1964 تم الحكم علي مانديلا بالحبس مدى الحياة بتهمة العمل المسلّح.

‎هكذا أكمل مانديلا نضاله ضد نظام الفصل من داخل محبسه، ورفض عروض الحكومة العنصرية لإخماد المقاومة باعثًا رسالته للمجلس الإفريقي القومي. قائلًا «اتحدوا، وجهّزوا، وحاربوا، إذ ما بين سندين التحرك الشعبي، ومطرقة المقاومة المسلحة، سنسحق الفصل العنصري».

وبعد ٢٧ عامًا قضاها متنقلًا بين السجون ، أطلق سراح مانديلا؛ ليُصبح أول رئيس أسود، عقب الفوز بأول انتخابات متعددة، وممثلة لكل الأعراق في 1994، خرج مانديلا مناديًا بالتسامح قبل المصالحة، وفّق بين السود الضحايا المُنتهك حقوقهم وحرياتهم قبل البيض الذين أجبرهم على الاعتراف بذنبهم وما ارتكبوه شرطًا للمصالحه.

هكذا أخذت تجربة العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا شكل محاكمات شعبية أطلق عليها «لجان الحقيقه والمصالحة»، كما دعا إليها الرئيس مانديلا، عملت هذه اللجنة بين عامي 1995- 2000، وأسند إليها التحقيق في التجاوزات والجرائم، وإنصاف الضحايا، وصولًا إلى تسوية غير جزائية للملفات العالقة، ترأّسها كبير الأساقفه  «دزموند توتو» الذي حاز على جائزة «نوبل» للسلام، وتولّت ﻟﺠﻨﺔ مختصة عملية اﻻﺧﺘﻴﺎر، وﻗﺎﻣﺖ بانتقاء 25 ﺷﺨﺼًﺎ ﻣن 299 مرشحًا، كما اختار اﻟﺮﺋﻴﺲ ﻣﺎﻧﺪﻳﻼ 17 اسمًا مثلوا كافة الأطياف، وفى النهاية ضمّت اللجنة 7 من النساء، و7 من الأﻓﺎرﻗﺔ السود، و6 ﻣﻦ اﻟﺒﻴﺾ، واﺛﻨﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺨﻠﻄﻴﻦ، واﺛﻨﻴﻦ ﻣﻦ أصل هندى، وقد وصل عدد موظفى هذه اللجنة إلى 350 شخص، بميزانية قدرها 18 مليون دولار أمريكي سنويًا، واستمر عملها على مدار عامين ونصف العام، وأصدرت اللجنه عام 1998 تقريرًا تضمّن شهادات أكثر من 22,000 ضحيّة وشاهد، حيث جرى الإدلاء بألفي شهادة في جلسات استماع علنية.

اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة علي العفو المشروط أو الجزئي كسبيل لتحقيق العدالة، بدلًا عن العدالة العقابية، فعوضًا عن تقديم المنتهكين لحقوق الإنسان إلى المحاكم اعتمدت اللجنة جلبهم للاعتراف بأخطائهم وطلب الصفح ممن ألحقوا بهم الأذى، وهو المبدأ الذي أثار الجدل «العفو من أجل الحقيقة». فقد تلقت اللجنة حوالي 7000 طلب للعفو، أغلبيتها من سجناء كانوا يعملون في الأجهزة الأمنية والقمعية الحكومية، معظمها تم رفضه، إلا من ثبت ضُلوعهم لدوافع سياسية، ومع ذلك فقد شاب عمل اللجنة القصور في التعويضات وجبر الضرر للضحايا وإفلات البعض من العقوبات وفشل في تعديلات قوانين الملاحقة القضائية.

وبالرغم من عدم كونها الأولى من حيث النشأة، فقد ابتدعها سابقًا الرئيس الأوغندي «عيدي أمين» في عام 1974، والذي رفض نشر تقريرات اللجنة، أيضًا سبقها كذلك تجربة تشيلي والأرجنتين، إلا أن لجنة المصالحة الجنوب الإفريقية حظيت بشعبية أكبر، ولا تزال الأولى بين تسعة عشر لجنة مشابهة في أرجاء العالم، رآها الكثيرون كعنصر أساسي للانتقال إلى ديمقراطيه كاملة وحرة في دولة جنوب إفريقيا.

أما مؤخرًا وليس بالبعيد ها هي نظيرتنا الثورة التونسية تحصد إحدي ثمار ثورتها، حيث شهدت  تونس في 17 و 18 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي، وقائع الاستماع إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان خلال الـ 58 عامًا الماضيه في ظل حكم «الحبيب بورقيبة» و«زين العابدين بن علي»، وقد نظّمتها لجنة الحقيقة والكرامة، التي تأسست بقرار من المجلس الوطني التأسيسي عام 2014  تحت حكم الرئيس المنصف المرزوقي، وتهدف إلى تأهيل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، والضغط لمحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر عن الضحايا في فترة ما بين عام 1955 إلى نهاية 2013. وحسب المُعلَن عنه فقد تلقّت الهيئة حوالي 62 ألف ملف يتعلّق بانتهاك حقوق الإنسان، وشغلت الانتهاكات الجنسية جزءً ليس بالقليل، والنساء جزء كبير من الضحايا، أمّا عمل اللجنه فشابه بعض العراقيل، خاصةً بعد إقرار الرئيس التونسي «السبسي» قانون المصالحة المالية الذي يعفو عن بعض المتورطين من نظام «بن علي».

إلّا أنه بلا أدنى شك ستكون خطوة للأمام في طريق العدالة الانتقالية والحفاظ على الإطار الديمقراطي بكشف الانتهاكات والمتورّطين وتعويض الضحايا.

أما الحال في مصر بعد الثورة ومعاركها المتوالية مع الأنظمه المتعاقبة، فقد فشلت في تحقيق العدالة الانتقالية، بالكاد انتهت ببراءة كافة المتورطين في أحداث العنف والقتل والتعذيب، ولجان تقصّي الحقائق التي لم تجنِ ثمارها، بل أصبحت الضحية هي نفسها المجرم في غياب أدنى رموز العدالة، إلى أن استمرّت على وتيرة أشد وأعنف طالت كافة طوائف الشعب مع النظام الحالي، ومع هذا فالبعض ينادي بالمصالحة، ولكن هل لنا أن نعرف، كيف يكون التصالح مع نظام أرسى قواعده باعتقال وقتل الشباب ونبرات التخوين لكل منادٍ بشعارات الحرية والعدالة، وإغراق البلاد في الديون علي مر عصور حكم تلك المؤسّسة، إلى أن آلت بنا الأمور لرفع الدعم، وغلاء الأسعار، واحتكار الاقتصاد العسكري لكافة مناحي الحياه ما لم يدَعْ مجالًا للمدنين ليضعُوا قدمًا دون مشاركتهم أو التضييق عليهم، فاقَ ذلك كلّه التفريط في جزء من أرض الوطن ومُعارضة استردادها بكل قوة، حتى اعتقل من طالب بمصريّتها.

يقول المناضل الجنوب إفريقي «ريفراند تشيكان» «النضال لا يعني الانتقام من الماضي، ولا السماح بالفوضي للحاضر، أنت تناضل من أجل تغيير الحاضر، والمستقبل الجديد لن يكون مرهونًا بالإقصاء، بل باحتواء الجميع». كان مانديلا يقول «إذا كنتم تؤمنون بالديمقراطية؛ فستدركون أن من مصلحة الجميع أن يضع صراعاته على طاولة المفاوضات» ولذا نجحنا.

وهنا نتساءل: هل يمكن أن ينجح نموذج الساحر ماديبا في مصر، أو أين يتوقف النضال ويبدأ التفاوض، أم بالأحرى علينا أن نسأل، هل بالفعل قد بدأ النضال؟ أم بعد ٥ سنوات على ثورة ٢٥ يناير (كانون الثاني)، وما كان من تضحيات في الأرواح بالكاد عرفنا على ماذا، ومع من يجب التفاوض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد