لقد كان المصطلح ولا يزال موضع نقاش حاد على مر العصور. وقد كان العرب القدامى سباقون إلى الانتباه إلى هذه القضية خلال اصطدامهم بثقافات الشعوب الأخرى، بالخصوص خلال العصر العباسي الذي ازدهرت فيه حركة الترجمة بشكل كبير، ووجدت الترجمة العلمية أرضا خصبة لازدهارها ونموها، بتشجيع من الخلفاء العباسيين الذين اهتموا بشكل كبير بنقل علوم وثقافات الشعوب الأخرى إلى اللغة العربية. فسخروا الأموال والمترجمين لتحقيق ذلك. وما بيت الحكمة في بغداد إلا دليل على الاهتمام البالغ الذي أولته السلطة الحاكمة آنذاك للترجمة والعلوم.

وكان من بين أهم المترجمين الذين برزوا في العصر العباسي حنين بن إسحاق العِبَادي (ت873م)، الذي عكف على نقل النصوص الطبية والعلمية من اليونانية إلى العربية عن طريق لغته السريانية. حتى أنه لقب في زمانه بشيخ المترجمين. ويعود الفضل الكبير لابن إسحاق والعديد من المترجمين العرب الآخرين في وضع وتأصيل العديد من المصطلحات الطبية والعلمية وساهموا في تطور العلوم الطبية خلال العصر الذهبي العباسي.

بيد أن هذا الازدهار عرف انتكاسة وسقوطا مدويا، وطبيعيا في آن. فبعد تغير موازين القوى، وبروز أوروبا كقوة ستحكم العالم، انطلقت معها العلوم في رحلة من الشرق إلى الغرب، أو بالأحرى سرقت ونسبت لغير أصحابها، ونحن لن نبخس الأوروبيين هنا دورهم في تطور الحضارة الإنسانية وازدهار العلوم والترجمة في عهدهم، لكن وجب في هذا السياق رد الفضل لأصحابه. فالعرب والصين وحتى الفرس والهنود كان لهم الدور الأكبر في ازدهار هذه العلوم، ولم تصل إلى أوروبا إلا عبر برك من بالدم، على عكس الحضارات السابقة التي تناقلتها بالفكر والتجارة والتثاقف.

وقد عاش المصطلح متنقلا بين هذه الحضارات وكان محط إشكال بين المترجمين إلى الآن. فمنذ بداية الترجمة كان أول سؤال يسأله المترجم هو، كيف يترجم المصطلح؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، يبدو جليا أن نسأل سؤالا آخر قد لا يقل تعقيدا عن الأول، وهو هل يوجد فعلا مقابل لمصطلح اللغة المصدر الذي نريد ترجمته في لغتنا المستقبلة؟

وبربطنا لهذين السؤالين بعصرنا الحديث، وبالخصوص عندما نسقطهما على فوضى المصطلحات الحالية التي تعيشها المجالات العلمية والتقنية، فإننا نجد أن أغلب العلوم، إن لم نقل كلها، تصدر حاليا باللغة الإنجليزية، وبالتالي تطرح هذه العلوم مشاكل عديدة خلال نقلها إلى اللغات الأخرى ومنها اللغة العربية. حيث تواجه اللغة العربية هذا الكم الهائل المتدفق من المصطلحات بالعجز والذهول. الأمر الذي يدفع المترجمين إلى اللجوء إلى حلول أسهل لتفادي التعقيد من جهة ولإرضاء الزبون والجهات التي يترجمون لها من جهة أخرى. لكن يبقى السؤال، هل فعلا هذه هي الوسيلة الوحيدة الكافية الشافية والمتاحة لترجمة المصطلح إلى العربية؟ أم هناك وسائل أخرى يمكن اللجوء إليها خلال ترجمة المصطلح حفاظا على مكانة اللغة العربية وصونا لكرامتها؟

إن النقل الحرفي للمصطلحات من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية يفقد اللغة هيبتها وجماليتها، فعلى الرغم من كون العربية قد تبدو أحيانا عاجزة أمام هذا الهجوم المصطلحي اليومي، فهذا لا يعني غياب الحلول في ترجمتها.

ويدفعنا هذا الأمر كذلك إلى مساءلة دور تلك المجالس والمجامع اللغوية العربية والهيئات التي تهتم بتوحيد المصطلحات. ومدى فعاليتها في مواجهة هذا الهجوم شبه اليومي من المصطلحات الغربية.

إن اللغة العربية-ومعها العرب-تعيش انتكاسات متتالية، وكانت قضية ترجمة المصطلح قضية قديمة، فهي ليست حديثة العهد، بل ناقشها الأقدمون ووصفوا لها الدواء والعلاج المناسب. فعوض نقل وترجمة المصطلح حرفيا، يمكن تعريبه مثلا ليتوافق مع خصائص اللغة العربية. بل يمكن الرجوع إلى تراث العلماء المسلمين ومخزونهم المصطلحي في مجالات الطب والفلك والعلوم لعلنا نجد فيه حلا أفضل من النقل الحرفي للمصطلحات. فالرجوع إلى تراث الأسلاف ليس عيبا، بل العيب نقل حروف مصطلح ما كما هي صوتيا ودسها في اللغة العربية علا حساب تراكيبها وقواعدها بدعوى غياب المصطلح وأن العربية ليست لغة العلوم.

فإلى متى هذا العبث؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد