قال الجاحظ في كتابه «الحيوان» تحت عنوان شرائط الترجمان: «ولا بد للكاتب أن يكون بيانُهُ في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة. وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواءً وغاية. ومتى وجدناه أيضًا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها. وكيف يكونُ تمكُّنُ اللسان منهما مجتمعتين فيه كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوةٌ واحدة استفرغت تلك القوم عليهما. وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. وكلَّما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشدَّ على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه. ولن تجد البتة مترجمًا يفي بواحد من هؤلاء العلماء».

وإن الجاحظ في قوله لمحقٌ، وأنى له ألا يكون؟ فإنه يجب على المترجم أن يكون أعلم الناس باللغة التي ينقل منها والتي ينقل إليها، وعدم براعته فيهما أو في إحداهما تؤدي إلى ظهور خلل في الترجمة، بالأخص لو كان ضعفه في اللغة التي ينقل إليها؛ إذ إنه بتلك الطريقة سيكون فاهمًا غير قادرٍ على التعبير، فينشأ نص ركيك الترجمة.

ولا يعني ببراعته في اللغتين القدرة العادية التي تتوفر لمتحدثي اللغة الأصليين، بل إن عليه أن يتفوق عليهم ويكون أعلم منهم بتلك اللغة؛ فيجب عليه أن يكون دارسًا للقواعد النحوية والإملائية والإنشائية، ملمًا بالأدب والشعر، وعالمًا بأحدث التطورات في كل لغة وبمهارات كل لغة، والمهارات تختلف من لغة لأخرى، ويجب عليه أيضًا أن يكون مرهف الحس فيما يتعلق ببلاغيات اللغة؛ لأنها هي التي تميز مترجمًا عن آخر؛ وهذه الدراسة الشاملة لجميع جوانب اللغة هي التي تحدث الفرق بين من يمارس الترجمة كهواية بلا دراسة متخصصة، وبين من يترجم وهو دارس للغة.

ولكن ليس كل دارسي اللغة ملمين بشتى جوانبها، إذ إن هناك بعض المترجمين يهملون أو يتناسون لغتهم الأم، ويركزون بشكل كبير على اللغة الثانية، فتجده عالمًا متمكنًا من لغته الثانية بينما هو في لغته الأولى هشٌ جدًّا، وهذه هي أكبر مشكلة تواجه الترجمة في الوطن العربي، وذلك لأن اللغة العربية إذا ما قورنت بباقي اللغات فإنها من أصعبهن، إذا لم تكن أصعبهن، إذ إن لها الكثير من الفروع، بل إن العلماء المتخصصين باللغة العربية بالكاد يلمون بها، وقليل هم من يصبحون علماء ثقالًا بها؛ فما بالكم بالمترجم الذي قال الجاحظ فيه إنه يكون له ملكة لغوية واحدة تقسم على اللغتين فتنازع كل منهما الأخرى ويدخل الضيم على كلتيهما؛ ومن وجهة نظري المتواضعة فإنني أرى كثيرًا من المترجمين يهتمون باللغة الثانية متناسين اللغة العربية، فتجدهم أقوياء جدًّا في لغتهم الثانية بل ربما يتفوقون على متحدثيها الأصليين، بينما هم في العربية كأي شخص عادي، بل أقل، وهذه مشكلة، إذ إنه إذا أراد أي شخص أن يتعلم لغة ثانية فيجب عليه أن يتعلم لغته الأم، ويكون له ثقل بها، إذ إن الشجرة بلا جذور لا تنمو ولا تثمر، والبناء بلا أساس يرتكز عليه فهو يبني على الهواء فيسقط وكأنه لم يكن شيئًا مذكورًا؛ واللغة العربية لغة بحرها واسع لا حد له.

وعند الترجمة فإن المترجمين الشغوفين بالترجمة لا يتعاملون معها على أنها عمل أو على أنها شيء مادي، إن للمترجم تصورًا آخر عن اللغة، إنه لا يرى أن الحروف مجرد حبر على ورق، بل الأمر أكثر جوهرية من هذا، إنه يستشعر الحروف والكلمات حتى تصبح وكأنها أرواح معه، وعندما يترجم جملة ويكون هناك العديد من المرادفات التي توفي بالمعنى، فإنه لا يختارها اعتباطًا بل إنه يرى أن كل كلمة هي روح، وهذه الروح مكانها هنا، وهذا لا يمكن أن تصبح هنا أبدًا، الترجمة ليست عملية جامدة، إنها كالكتابة وقرض الشعر تمامًا، وكما أن الشعر هبة يولد بها الشاعر، فيمكننا أن نطلق الشيء نفسه على الترجمة، إنها هبة يختص بها البعض فقط، وهي كالكتابة تمامًا يجب أن يثري المترجم نصه المترجم بأوفى العبارات وأنسبها؛ يقال إن الكاتب عندما يكتب فإن ما يرنو إليه هو الإعجاب والإطراء، أما المترجم فحسبه فقط ألا يقع في الخطأ، وإذا لم يقع فهو يشعر وكأنه أراح كاهله من ثقل كان يتعبه.

ولكن رغم كل ذلك ستظل الترجمة فنًّا مميزًا وعلمًا أكثر إثارة، وستظل هي الجسر الرئيسي للتواصل بين الأمم والحضارات المختلفة، منذ آلاف السنين والحضارات تتوارث علمها وتراثها والسبيل الوحيد، لذلك كانت الترجمة؛ فترجم الإغريق واليونانيون بعضهما عن بعض، وترجم العرب في العصر العباسي الأول عصر ازدهار الترجمة أعمال الإغريق واليونانيين، ثم حدثت النهضة الأوروبية فترجموا عن العرب وغيرهم، وهكذا كان الأمر حلقة متصلة بين الحضارات والأزمنة كل واحدة تبنى على علوم الأخرى واكتشافاتها، باختصار لولا الترجمة ما كان العالم ليبدو على ما هو عليه اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد