يقول الأديب الألماني غوته في إحدى رسائله للاسكتلندي توماس كارليل: (مهما قلنا عن عدم اكتمال عملية الترجمة فإن هذا النشاط يظل على الأقل إحدى المهمات الأساسية والأكثر جدارة بالاحترام في سوق التبادل الدولي)

تعتبر اللغة الوسيلة الإجتماعية التي لا يمكن لأي عملية أن تتم في المجتمع بدونها, وبذلك، تكون الترجمة نقلا للأفكار المصاغة بلغة مجتمع ما إلى لغة مجتمع آخر ، وهذا لا يعني أن الترجمة فقط نقل للكلمات والجمل من لغة إلى أخرى، بل تتعدى ذلك إلى اعتبار كل الجوانب الثقافية والاجتماعية للمجتمعين اللذين نترجم بين لغتيهم.

فالمترجم يجب أن يكون ملما بثقافتي المجتمعين اللذين يترجم بين لغتيهم؛ لأنه وسيط بين تلك الثقافتين, وبذلك تكون الترجمة حرفة لها مبادؤها وقواعدها الخاصة بها.

 

نشوء الترجمة

تختلف الروايات التاريخية القائلة بنشوء الترجمة, فيقول البعض بأنها أول ما ظهرت عند البابليين الذين حاولوا الوصول للسماء عبر برج لم يكتمل بناؤه وكنتيجة لهذه الخطيئة كما اعتقدوا عاقبهم الرب عبر ظهور مجتمعات تتكلم بلغة تختلف عن لغتهم فظهرت الحاجة لإيجاد وسيلة تواصل بين هذه الأقوام مختلفة اللغات فكان نشوء الترجمة, بينما يقول آخرون: إنها، أي: الترجمة أول ما ظهرت عند الأغريق لدى محاولتهم ترجمة الكتاب المقدس ( الإنجيل) إلى لغتهم عن اللاتينية, بينما يقول فريق ثالث : إن الترجمة ظهرت عند الرومان وكان ذلك قبل الميلاد.

أما في المنطقة العربية فيقال : إن أول من ترجم هم السوريون عن اليونانية في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي, وكانت معظم ترجماتهم آنذاك حرفية.

أما بعد الإسلام وكنتيجة للفتوحات والحروب التي خاضها المسلمون مع مجتمعات وأقوام مختلفة ظهرت حاجة ملحة للترجمة؛ للتواصل مع تلك المجتمعات.

ومن أشهر المترجمين آنذاك زيد بن ثابت الذي لعب دوراً مهماً في ترجمة رسائل النبي إلى الملوك والسلاطين الأجانب وكذلك رسائلهم إلى النبي.

 

واستمرت الترجمة مقتصرة على تفسير القرآن الكريم والقضايا الشرعية حتى العصر العباسي، وتحديداً الخليفة المنصور الذي بنى بغداد، حيث بدأت الترجمة تشهد ازدهاراً متنامياً حتى عصر المأمون الذي أسس مكتبة: بيت الحكمة، واحدة من أعظم دور الترجمة حتى يومنا هذا كما توصف.

وكان إسحاق بن حنين من كبار المترجمين فيها, وكانت تترجم الفلسفة اليونانية والعلوم الهندية والأدب الفارسي. وتواصلت حركة ازدهار الترجمة عند العرب بازدهار حضارتهم حتى بدأت بانحطاط حضارتهم إلى أن وصلت لما هي عليه الآن.

الترجمة اليوم

تشهد الترجمة اليوم في عالمنا العربي الكثير من الفوضى والانحسار وسوء الاختيار, ولتعرف الفرق الشاسع بين ما نترجمه نحن اليوم وما يترجمه الآخرون، يكفي أن نقول وحسب إحصاءات اليونسكو إن ما ترجمه العرب أجمع خلال الثلاثين عام الماضية لا يساوي إلا أقل من نصف ما ترجمته دولة مثل السويد في الفترة ذاتها، والذي لا يزيد عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة. إذا استثنينا المشروع القومي للترجمة المصري والإماراتي مبادرة كلمة.

فلا يوجد على الساحة العربية حركة ترجمة لها وزنها ووجودها, كذلك هذان المشروعان المذكوران آنفاً تعيقهما الكثير من الحواجز في سعيهما نحو تشكيل حركة ترجمة قوية ويشوبهما الكثير من الخلل, ليس أقلها ارتباطهما بالمؤسسة الرسمية وإخضاع الأعمال التي تتم ترجمتها للرقابة والإشراف والتحكم بما يتم ترجمته وفق اعتبارات سياسية وأيديولوجية، هذا عدا اقتطاع أجزاء وفصول كاملة من بعض الكتب بحجة أنها لا تناسب ثقافة المجتمع وتقاليده ومعتقداته الدينية. أما خارج هذين المشروعين فمعظم ما يتم ترجمته يقتصر على الأعمال الأدبية من روايات وأشعار وقصص ودراسات أدبية, أما باقي فروع العلم والمعارف الأخرى فلا ينالها إلا أقل القليل من المجهود العربي الذي يبذل في الترجمة.

أهمية الترجمة

في معظم الأحيان لا يتم الوعي بدور المترجم كعامل حاسم في مسيرة التطور الثقافي والعلمي للمجتمع، بل إن كثيراً ما يتم تجاهل دور المترجم ونسيانه, أغلب هذا الإخفاء لدور المترجم يكون نتيجة الجهل بماضي الترجمة ودورها القوي في تطور الحضارات وازدهارها, إن شعوب لا تولي الترجمة الأهمية الجديرة بها داخل منظومة السياسة الثقافية للمجتمع تظل بمثابة شعوب ميتة وثقافات جامدة خارج دائرة الإنتاج العلمي والمعرفي الدولي المتسارع كما يقول الأستاذ مصطفى الحسناوي.

فالترجمة من أعظم وسائل التبادل العلمي والثقافي على المستوى العالمي, ولولاها ما قامت حضارات ولا بنيت مخابر ولا عولجت أمراض ولا ظهر كل ما نحن الآن فيه من نعيم ورفاهية العلوم ؛ لأنه ببساطة لا يمكن أن نقوم بأي بحث أو دراسة علمية دون الاعتماد على ما توصل له الآخرون من أمم وحضارات أخرى وهذا حتماً يتطلب الترجمة.

وعلى الرغم من كل هذا, دائماً ما يكون المترجم بدوره المحوري في المسيرة الثقافية للمجتمع كجندي مجهول. فالقارئ لا يعرف اسم المترجم للمادة التي بين يديه ولا يلتفت لخبرته في هذا المجال ناسياً دوره في بعث الروح بالنص وصياغته بالأسلوب المناسب للموضوع الذي يناقشه, وكذلك دور المترجمين في نقل أفكار وثقافات المجتمعات الأخرى إلينا.

 

فمن دون الترجمة ما كان تغنى الماديون بأفكار ماركس وانجلز ولا تشدق الملحدون بأقوال شوبنهاور ونيتشه، ولما عرف متذوقو الأدب دستوفسكي وشكسبير وديكنز وكافكا, فكلنا قرأنا لهؤلاء، لكن بالكاد أحدنا يذكر اسم مترجم لعمل من أعمال هؤلاء، ناهيك عن إمكانية تقويم الترجمة والتعليق على جودتها أو تقدير دور المترجم في المجتمع والقيمة الفكرية لمهنته.

بل أكثر من ذلك، فإن الخرافات الشائعة لدى الناس حول الترجمة لا حصر لها, فالكثير من الناس يظنون أن أي شخص يتقن لغتين هو مترجم، وآخرون يعتقدون أن المترجم يستطيع ترجمة أي شيء يقع بين يديه بغض عن النظر عن التخصص, هذا عدا عن التعدي على مهنة الترجمة ومزاولتها من قبل أناس غير مؤهلين لذلك ولا يتقنون أبسط قواعدها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترجمة, تعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد