تعد عملية الترجمة غاية في الصعوبة، ولا يجني المترجم من ورائها الشكر في معظم الأحيان، فلا أحد ينكر ما للترجمة من أهمية قصوى في نقل التراث الفكري بين الأمم، وما لها من أثر في نمو المعرفة الإنسانية عبر التاريخ. وإذا كنا نريد من المترجم أن تكون ترجمته أقرب إلى الكمال فلا بد من توفير الأدوات اللازمة في هذا الميدان للارتقاء بعلم المترجم وثقافته مما ينعكس على مستواه.

الحقيقة أنه ليس هناك وعي بأهمية المترجم ودوره الفاعل وخاصة في هذا العصر، ولا توجد كيانات أو جمعيات نقابية للمترجمين في مصر، كما لا يوجد دعم حكومي لهم. وعن معاناة المترجمين في سوق الترجمة يقول المترجم محمد ضيف: تختلف مهمة الترجمة بشكل كبير عن مثيلاتها، حيث تعمل الترجمة على إجهاد الذهن بشكل كبير، ومما تجدر الإشارة إليه أن الدخل السنوي لصاحب مكتب الترجمة يفوق الراتب السنوي للمترجم العادي والمراجع اللغوي بنسبة تفوق 40 ضعفًا في حين أن كل ما يبذله صاحب مكتب الترجمة من مجهود هو نقرة فوق الزر send (إرسال) في البريد الإلكتروني.

فهل بعد ذلك من ظلم! مضيفَا أن معظم المترجمين والمراجعين ليسوا من سكان القاهرة حيث تقع أغلب شركات الترجمة فيها، مما يتسبب في جهد كبير جدًّا من الناحية المادية للمغتربين هؤلاء الذين لا يتجاوز صافي راتبهم بعد الوفاء بالتزاماتهم المالية من إيجار وفواتير كهرباء وغاز ووجبات يومية يتناولونها على حسابهم الشخصي، من 700 إلى 900 جنيه في أحسن الأحوال.

من جانبه ألمح المترجم عبدالله عبد الوهاب قائلًا: إن مكاتب الترجمة وشركاتها تقوم على سواعد مترجمين لا يتقاضون مرتبات تقترب ولو من بعيد من مرتبات أي مهني آخر. بالإضافة إلى أن أسعار الترجمة مرتفعة جدًا فيما يخص صاحب العمل. وشدد على وجود العديد من المترجمين الذين ليس لديهم عمل أو يواجهون مشكلة عند العمل في الفترات الأولى من حياتهم نظرًا لعدم توافر خبرة لديهم، الأمر الذي يجعل كثيرًا من المترجمين يرضخون لابتزاز أصحاب المكاتب والشركات، وخاصة تلك الشركات غير المرخصة والتي لا تمنح المترجمين شهادة خبرة أو حتى تأمينًا صحيًّا.

وأضاف قائلًا: هناك العديد من مكاتب “بير السلم” التي تقوم بالترجمة وقد يكون أصحابها خريجي حقوق أو تجارة وليس لهم علاقة بالترجمة، وتستغل حديثي التخرج من المترجمين في العمل بأجور يأبى أن يقبلها أي عامل آخر، ولا يقومون بدفع الضرائب وما بين السرايات منا ببعيد. وأضاف إن وجود كيان قانوني أو نقابة مهنية يحمي المهنة أولًا من غير المتخصصين ويحفظ حقوق العامل وصاحب العمل وتقع مسؤولية العمل المترجَم إلى المترجِم وحده وهذا هو الطبيعي حيث أن هناك عديد من أصحاب الشركات غير متخصصين في مجال الترجمة ومن ثم يجب أن يتحمل المترجم المسؤولية كاملة عن العمل المترجم، فالغُنم بالغُرم.

وأشار المترجم محمود العنبري: بعد التخرج عام 2011 عملت مترجمًا حرًّا وكان سعر الورقة 5 جنيهات؛ وللأسف الشديد أصبحت أغلب مكاتب الترجمة في مصر لا تقدر جهد المترجم ويعد هذا نوعًا من الابتزاز في ظل ما تعيشه مصر من معاناة، ومع عدم تقدير مهنة الترجمة وأسسها أصبح كل “من هب ودب” ومن تعلم “فك الخط” في الإنجليزية يعمل مترجمًا، الأمر الذي يُسعد أصحاب مكاتب الترجمة وشركاتها لأن هذا يدر عليهم المال الوفير، لأن كل ما يهدفون إليه هو الربح فحسب.

ومن جانبه أكد المترجم محمد الصادق، أحد المترجمين في إحدى الشركات المشهورة بالجيزة، أنه خلال السنوات الأخيرة لم يُعرف عن المترجمين أي شيء، ولم يكن لهم صوت ولا حق بالمطالبة بأي شيء، وازدادت حركات استغلال المترجمين، بل وعدم إعطاء مقابل لهم نظير ترجماتهم، ولم يجد المترجم وجهة يقصدها للمطالبة بحقوقه في ظل جشع أصحاب مكاتب الترجمة وشركاتها.

وللأسف لم تتنبه الدولة بعد إلى المسؤولية الثقافية والوطنية والاقتصادية التي تقوم بها الترجمة؛ فالترجمة تعد من أهم مصادر الحصول على النقد الأجنبي في مصر ناهيك عن الدور الذي تلعبه في التبادل الثقافي إلا أن ترك هذا المجال إلى الجهود الفردية لا يحقق النتيجة المرجوة منه، فلا يجدي ترك عملية نقل تراثنا وثقافتنا وهويتنا وديننا في أيدي أفراد لا يخضعون لأي نوع من الرقابة أو المتابعة.

إن جميع المهن لها كيانات تحمي حقوق أصحابها وتعمل على إثابة المحسن منهم وتحاسب المخطئ والمتجاوز وللأسف الترجمة ليست من تلك المهن ومن ثم سيطر على مجال الترجمة كثير من غير المتخصصين وهمهم الأول هو العائد المادي بغض النظر عن طبيعة عمل المترجم أو الجهة المترجم إليها أو مستوى الترجمة نفسها.

أما بخصوص الجانب الإداري في مصر فالمشكلة تكمن في قوانين العمل المتخلفة التي عفا عليها الزمن. إن العمل في مصر نوعان هما العمل في القطاع العام وهو أشبه بالزواج الكاثوليكي وفيه أغلب العمال يتقاضون رواتب دون مقابل والعكس يحدث في القطاع الخاص فهو أشبه بالزواج العرفي لا يضمن أي حقوق للعامل. وحل المشكلة يبدأ من تعديل قانون العمل بما يضمن حقوق الطرفين وذلك من خلال تخفيض نسب الضرائب والتأمينات حيث تبلغ نسبة التأمينات 40% مما يضطر كلا الطرفين إلى كتابة مبالغ زهيدة لتقليل ما يدفعونه شهريًّا.

على سبيل المثال كيف يسمح قانون التأمينات أن يكون راتب أحد المترجمين المؤمن عليهم (350 جنيه) أقل من ثلث الحد الأدنى للأجور. لابد من وجود تغييرات هيكلية جذرية ومدروسة بعناية في منظومة الأجور ككل وأجور المترجمين بشكل خاص حيث إن المترجم يتحمل مسؤولية أخلاقية قبل المسؤولية المهنية عن العمل المترجم.

لقد تأخرنا كثيرًا في هذا المجال وآن الأوان أن يكون هناك مشروع للترجمة تدمج مخرجات هذا المشروع في كل المجالات والحقول المعرفية والتنموية. ولهذا يجمع المترجمون على أنه لا بد لهم من صوت مسموع في الدولة وأن تظهر مشكلتهم وقضيتهم لوسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وأن يتم إنشاء نقابة مهنية للمترجمين ونقيبًا للمترجمين وإدراج مسمى وظيفي باسم “مترجم”.

وبالرغم من إشهار نقابة المترجمين واللغويين للعاملين في مجال الترجمة بتاريخ 15/11/2012، إلا أنها نقابة عمالية وليست مهنية ولم ترَ النور بعد. فهل سيكون هناك انفراجة في معاناة المترجمين ويصل صوتهم وطلباتهم إلى مسؤول يتقي الله فيهم وينشلهم من مستنقع الابتزاز واستنزاف المجهود من قبل أصحاب المكاتب والشركات؟ أم أن الأمر سيظل كما هو دون جديد ودون وازع من إيمان أو ضمير؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد