لم يعد ضربًا من ضروب الخيال أن يسجل أحدهم عليك ما تقرأ وما تكتب وفي ما تفكر وما فعلت وما تنتوي فعله، كحديقة للحيوانات خلف الأقفاص لا ينقطع عنها الزوار وإن انقطعوا لن تعدم عيون الحراس. وعلى عكس الملائكة الكتبة يحاسبك الله على ما تخطئ به في حق نفسك وحق الآخرين،اليوم يحاسبونك بتهمة إزعاج الحكام وتعكير صفو السلطات.  مؤخرًا نشرت «مدى مصر» تقريرًا يتحدث عن عدد من العقوبات التي طُبِّقتْ على عدد من المواطنين ما بين قضاة لأستاذ جامعي لعدد من الطلبة أو مذيعي الراديو والعديد من موظفي الدولة، استنادًا لما ينشرونه على صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي،فقط آراء لم يوجد بها أي دلالة تحريضية مجرد آراء وتساؤلات أودت بهم إلى الخضوع إلى التحقيق أو الفصل إلى الحبس. يحلم الحكام في تلك البلاد بشعوب صماء فاقدة للبصر، يقوم هو بربطهم بالأحبال ويسير بهم على الطريق وهم مسلوبو الإرادة يسقط منهم من يسقط في الطريق فلا ينطق أحدهم،يمضي بهم إلى الهاوية ولا اعتراض. ولما استحال أن تجد مثل هذا الشعب كان عليهم أن يشكلوا شعوبهم وفق معايير عالم أحلامهم؛ بالخوف تخرس الأصوات، بالترهيب والترغيب تشكل الإعلام، والرقابة الصارمة لتستأصل شأفة من لم يغب وعيه.

وفي الوقت الذي يطل علينا فيه شبح قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، وهو أداة تمكن الحكومة من تتبع جميع أنشطتك على الإنترنت ومعاقبتك إن ارتأت هي ذلك،في هذا الوقت علينا أن نسأل ماذا نعرف نحن عن الحكم،ذلك المصطلح المسمى شفافية! احتلت مصر عام 2014 المركز 94 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية بدرجة 32 من 100 حيث الصفر هو للأكثر فسادًا و100 تعني خاليًا من الفساد،فضلًا عن ذلك توجد قوانين لا يمكن وصفها منطقيًّا إلا أنها قوانين التستر على الفساد مثل قانون 12 لسنة 2014 وذلك لمنع أي طرف خارج عن الدولة والمستثمر من الطعن في فساد أي تعاقدات أو قرارات تخصيص أو بيع تقوم بها الدولة،وهو ما يمنع المواطنين من أهم قنوات كشف الفساد، وهي التقاضي من خلال القضاء المصري. أو كقوانين التصالح والاستيلاء على المال العام. ولذا لا نستعجب أن تجد رموز دولة مبارك يحصدون أحكام البراءة في حين أنه من يخرج معبرًا عن رأيه يقبع خلف الأسوار بل إن منهم الكثير لم يحصل على حقه في التقاضي بعد.

نعم يحق للدولة لأغراض أمنية أن تتبع بعض الأنشطة المشبوهة لتصل إلى المجرمين والإرهابيين أعداء الحياة،ولكن لا يمكن اتخاذ ذلك ذريعة لإسكات كل صوت معارض ولانتهاك خصوصيات البشر،وما هو الأولى أن نعرف نحن المواطنين كل ما فعله حكامنا وما لم يفعلوه وكيف أثرت قراراتهم على حياتنا،أم أن يتجسس الحكام على المواطنين،إننا لا نعرف حتى الآن من قتل الثوار،لا نعرف أسباب النكسة،لا نعرف من المسئول عن حوادث القطارات،عن غرق العبارة ،لا نعرف عن تيران وصنافير،لا نعرف عن حرب فلسطين. الكثير لا يزال لنا مجهولًا. في حين أن السلطة تقترب اليوم من أن تعرف عنا كل شيء!

كان عمر إبان خلافته يعين من يراقب عماله وفي موسم الحج كان يلتقي المواطنين ويناظرهم أمام عماله ليعرف هل طبقوا العدل أم لا. بينما يحكى أن عمر خرج يومًا ما ليتفقد الرعية  فسمع من أحد البيوت غناء فقال في نفسه: إن في هذا البيت ريبة. فتسلق السور وصعد فرأى رجلًا وامرأة خاليين يشربان الخمر فقال عمر للرجل: يا عدو الله أحسبت أن يسترك الله وأنت على معصية؟

فقال الرجل: ياعمر أنا عصيت الله في واحدة أما أنت فعصيته في ثلاث: الأولى أنك تجسست والله يقول: «ولا تجسسوا». الثانية: أنك تسلقت البيت والله يقول: «وأتوا البيوت من أبوابها». الثالثة: أنك دخلت بغير استئناس وسلام والله عز وجل يقول: «لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها».
فقال الفاروق عمر رضي الله عنه: أسأت إليك فتعفو؟  فقال الرجل: أعفو وتعفو، ولك مني أن لا أعاود ما رأيت.

 

يقول إدوارد سنودن «إن الغاية الأسمى لاستمرار الطائرات بلا طيار،هي قدرة تسعى نحوها أمريكا بضراوة ألا وهي طائرات شمسية ذاتية الطيران تبقى معلقة في الجو لأسابيع،عندما تتمكن من تحقيق ذلك وتضع أي جهاز لتجميع الإشارات أسفل الطائرة لتراقب بلا توقف كل عنوان رقمي لكل لابتوب،جوال,آي بود،وعندها تستطيع ليس فقط معرفة في أي مدينة يقع جهاز محدد ولكن تعرف في أي شقة يقع جهاز محدد،وأي المواقع يذهب في أي وقت وبأي مسار. وعندما تحدد الأجهزة تعرف تلقائيًّا أصحابها،وعندما تكرر ذلك لأكثر من مدينة فإنك لا تتجسس فقط على نشاط مجموعة من الأفراد ولكنك تراقب مجتمعًا بأكمله».

وفي الوقت الذي تأمرنا السلطات بألا نتحدث وألا نستمع إلا لها،هل يصير فضاؤنا الإلكتروني ذلك الفضاء الذي تعلمنا فيه الطيران بحرية هو القيد الذي نخنق به أنفسنا، ونقضي به على مساحاتنا من الخصوصية وبالتبعية الحرية، وأن نكون كما قال إدوارد كالحيوانات الموسومة فقط الفرق أننا ندفع من أجل ذلك وأننا نضع هذا الوسم في جيوبنا.

فهل الشفافية في بلادنا أن يرانا الحكام عراة،في حين يجلس كل من بيده السلطة بين جدران معتمة مغلقة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد