جِراح علاونة
جِراح علاونة

قبل يومين ذهبتُ إلى المكتبة لاقتناء بعض الكتب، وبينما كنت أبحث عن مطلبي دخلت فتاة لتشتري بعض الكتب، من بحثها وتنقّلها بين الرفوف والأقسام تبيّن لي أنها حديثة العهد بهذا العالم الضخم -عالم الكتب-، فعرضت عليها المساعدة إلا أنها أبتْ وقالت لي: «الكتاب الذي يعجبني عنوانه سأشتريه»، هنا تأكد لي أنها غرة حديثة العهد بالكتب والقراءة!

هذه الفتاة التي صادفتني لم تكن سوى عينة وأنموذج لكثيرٍ من القراء، فعنوان الكتاب وأحيانًا الغلاف لا يكون سوى فخٍّ للإيقاع بالقارئ، ودفعه إلى شراء الكتاب بفعل الحماسة والفضول أكثر منه بهدف القراءة! فكم من كتابٍ اشتريتَه، أو استعرته، أو قمت بتحميله عن الإنترنت فقط لسبب واحد ووحيد، هو أن «عنوانه ملفتٌ أو جذّاب» فيُغريكَ العنوان بالكتاب، ولا يرتاح بالك إلا بُعَيْدَ اقتناء الكتاب.

هنا أقول لكَ أهلًا بكَ في الفخ، لقد التهمتَ الطُّعم دون أن تفكر، ودعني أقول لكَ أيضًا أنه لا يحقُّ لكَ الندم على ما فعلت إذ إنك جُذِبت للشكل والمظهر وتركت المكنون والجوهر، فما أنت فاعل فيه؟! أتُراكَ ستقرأه أم ستتركه إلى أن يتراكم عليه الغبار أم ستحرقه أم ستلعن كاتبه واللحظة التي حصلتَ فيها على هذا الكتاب؟!

كون نسبة جيدة من الناس يتبعون هذه الطريقة في اختيار الكتب، فإنّها تجعل المؤلف يعتمد عليها حين يقدّم كتابًا جديدًا للقراء، فيختار عنوانًا غريبًا أو سؤالًا مُبهمًا أو أي شيء من هذا القبيل؛ مما يدفعك للتساؤل ماذا يعني هذا العنوان؟! ما المغزى منه، وماذا يختبئ خلفه؟ قد ترى كتابًا آخر مُعَنون بسؤال؛ فتأخذ الكتاب ظنًّا منك أنّه سيجيب عن التساؤل، فإذا فتحتّه وشرعتَ في القراءة وجدت أن العنوان من المشرق، ومحتوى الكتاب من المغرب، فلا رابط بينهما ولا صلة!

غلاف الكتاب، أو الاقتباس الذي يكون خلف الغلاف، هو الوسيلة الثانية التي يتّبعها الكاتب لشدّ الانتباه لكتابه، وأكثر من يقع بهذا الفخ هم هُواة الفن والرسم! فترى الواحد فيهم يردد: «الغلاف جميل، أو الغلاف يدل على المحتوى» أقول لكم ليس دائمًا، فكثيرًا ما وُضِعَت أغلفة غريبة للكتب بهدف الجذب، والإقبال على الكتاب، فكانت النتيجة زيادة نسبة المبيعات، وبالتالي شهرة الكاتب وذُيوع صيته بين القراء!

أذكر أنّني نشرتُ ذات مرة على حسابي على فيسبوك اقتباسًا من كتاب «كيف تصبح مفكرًا متمردًا في تسع ساعات؟» ما يزيد على 10 أصدقاء يحبون التمرد والخروج عن المألوف طلبوا مني أن أرسل لهم الكتاب، ظنًّا منهم أنّه سوف يعلمهم التمرد! لا أريد القول بأنّهم حمقى أو مغفلون، لكنهم كانوا ساذجين بما يكفي ليُخدَعوا ويقعوا في فخ العنوان، فما بالك بمن يختار جُلّ كتبه على هذا الأساس؟!

أولى بنا وأجدر أن يكون لدينا معلومات سابقة عن الكتاب ولو كانت خفيفة طفيفة، وكذلك لا بدّ من بعض المعرفة المسبقة عن الكاتب وما يقدّمه عادة لجمهوره من القراء ورواد الثقافة والفكر؛ فهذا سياعدنا بشكل أو بآخر على اختيار الكتاب المناسب والملائم لأذواقنا وميولنا وطريقة تفكيرنا ومعتقداتنا؛ فيصبّ في بحر معرفتنا بدلًا من أن يُكدّر علمنا وعالمنا بمحتواه وطرحه.

فالمعرفة المسبقة بالمحتوى الذي يقدمه المؤلف، أو فحوى الكتاب تساعدكَ بنسبة 70% على اختيار الكتاب المناسب، أضف إلى ذلك ما يمكن أن يقدّمه لك أصحاب الرأي والمشورة من اقتراحات نافعة، فالعارف بأحوال الكتب وأنواعها لن يقدم لك إلا ما يتناسب وذوقك أو حاجتك، وبذاك فهو يُغنيك عن عناء البحث عن كتاب جيد، ويوفر عليك الوقت والمال اللذين ستهدرهما في سبيل ذلك. ويُجنّبك الوقوع في فخّ العناوين والأغلفة التي تثير الفضول أكثر مما تثير الرغبة في القراءة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك