السَّفرُ عبر الزَّمن من أعمق وأعظم الأحلام البشرية على الإطلاق، أعتقدُ أننا قرأنا أو شاهدنا أو سمعنا، كتابًا أو فيلمًا أو مُحاضرة عن فكرة الانتقال عبر الزَّمن، ورُبما شاهدنا لقطات على اليوتيوب، لأشخاص يُقسمون بأنَّهم مروا بتلكَ التَّجرُبة المُروعة!

..

عند الخوض في موضوع السَّفر عبر الزَّمن، فالحديثُ قد يأخذُ أكثر من زاوية، قد يكونُ علميًّا بحتًا، وقد يكون أدبيًّا لا يخلو من تلك التناقُضات المنطقية التي تزخرُ بها الأفلامُ والحبكات القَصصيَّة، حين تكونُ مُدرجة تحتإطار الخيال العلمي.

..

السُّؤال الأول: هل يُمكنُ حقًّا، الانتقالُ عبر الأزمنة ومُعاملة خط الزَّمن كشريط فيديو، يُمكنُ القفزُ فيه من البداية، إلى المُنتصف إلى النهاية، وبالعكس؟

يُمكنك أن تقرأ ما يلي على الويكيبيديا:

«إن السفر عبر الزمن هو مفهوم معترف به في فلسفة المكان والزمان، والسفر عبر الزمن يعتبر من الخيال، ولكن السفر إلى نقطة افتراضية في الوقت لديه دعم محدود جدًّا في علم الفيزياء النظرية، وبالتزامن مع ميكانيكا الكم عادة في السفر عبر الزمن أو جسر أينشتاين روزين. وفي بعض الأحيان يوحد معنى أوسع نطاقًا، على سبيل المثال، السفر في المستقبل (وليس الماضي) عن طريق تمدد الزمن، وهو ظاهرة ثبتت  في علم الفيزياء في نظرية (النسبية)».

يأخُذنا هذا المقطع، بشكل عام، إلى كمية من القواعد النظرية التي تجعلُ فكرة الزمن عبر الزمن أمرًا شائكًا ومُستحيلًا، في كثير من الأحيان! مثلًا يرى العالم المعروف ستيڤن هوكينغ أن السفر إلى الماضي على المستوى الميكروسكوبي واردٌ رُبما، ولكن على الجانب الآخر، فإنَّ احتمالية وُجود آلة زمن، أو ثغرة زمنية في الزمكان، تسمح بالانتقال عبر الزمن، هو (صفر) لأنهُ يعتقدُ بوُجود حدس فيزيائي طبيعي يقومُ بحماية التتابع الزمني!

..

في الواقع، السَّفرُ عبر الزَّمن قد تحقَّق وحدث فعلًا! ولكن، إلى المُستقبل فقط، وبفارق زمني يكادُ لا يُرى وعلى أجسام صغيرة وبدقة ذريَّة، اعتمادًا على نظريَّة النسبية لأينشتاين والتي نعرفُها جميعًا منذُ الأزل، ولكن بشكل سطحي بعيد عن المُعادلات الفيزيائية التي تعصر الدماغ.

..

لذلك، لندع الجانب العلمي وراءنا لأنه سيُسبب الصداع لنا ولكم، ودعونا نغوص في الجانب الفلسفي المُمتع الذي يبدأ بــماذا لو؟ ماذا لو كان السفر مُمكنًا مُستقبلًا؟ ماذا لو انتقلت إلى الماضي مثلًا؟ أو إلى المُستقبل؟ أعتقد أن جميعُكم قد اطَّلع على جانب من تلك التناقُضات المنطقية التي تتعلقُ بهذا الموضوع، ماذا لو انتقلت إلى الماضي بطريقة ما، وقتلت جدَّك مثلًا؟ كيفَ ستولدُ مُستقبلًا ومن هو الذي قتل جدك إن لم تولد أنت، رُغم أنك قاتله؟ ماذا لو رجعت إلى الماضي السحيق، وغيرت شيئًا بسيطًا جدًا ثُم رجعت إلى المُستقبل من حيثُ جئت، هل سيكونُ العالمُ هُو ذاتُ المكان الذي غادرته؟ أم سيتغيَّرُ من الألف إلى الياء، تبعًا لذلك التغيير الذي قُمت به في الماضي؟

..

حينَ نتحدَّثُ عن البُعد الزمني، فلا بُد من ذكر سيرة «تأثير الفراشة» the butterfly effect، أو تأثير الدومينوز حولَ التَّسلسل العجيب للأحداث، بين المُسببات الدقيقة والنتائج العملاقة، على اعتبار حقيقة أن الكون عبارة عن تروس مُتداخلة، وطاقات غير مُنفصلة، كُلُّ حركة فيه ولو كانت «هزَّة جناح فراشة» ستُحدثُ أثرًا بالضَّرورة.

تأثيرُ الفراشة، هي نظرية تقولُ إن «لكُل فعل ردة فعل»، ونكتفي بهذا المقطع، أي أن الأفعال الصغيرة كرمي كُرة ثلج قادرةٌ على التحول إلى زلازل لاحقًا، حين تكبُر دائرة الفعل بشكل تسلسلي غير مُتوقَّع أو محسوس بالنسبة للمُشاهد/ المُلاحظ اللحظي.

الآن، ما دخل نظرية تأثير الفراشة بالسفر عبر الزمن؟ الارتباطُ وثيق، ارجع أسبوعًا بالزمن إلى الوراء وغير شيئًا من ماضيك، وستجدُ عند عودتك أن هُناك شيئًا تغير بالنتيجة، ارجع شهرين وغير شيئًا، وستجدُ عند عودتك أن كمية المُتغيرات قد ازدادت بما لا يتناسبُ – بالنسبة لك– مع ذلك التغيير الطفيف الذي قُمت به! الآن، ارجع لعشرين ألف سنة وغير شيئًا صغيرًا، صغيرًا جدًّا، وعند عودتك غالبًا ستجدُ أن التغيير الذي حدث، تغيير مُريع، قد غيَّر مُدنًا بأكملها!

..

نرجع لمعضلة الزمن السابقة، أو الــ Paradox، ماذا لو رجعت إلى الماضي قبل أن تولد، وقتلت جدك قبل أن يُنجب أباك؟ ولو فعلت ذلك، كيف أمكن وُجودك في المستقبل الذي جئت منهُ؟! هُنا، تأتي نظريَّة الأكوان المُتوازية لتحُل هذا الإشكال المُرهق! فلو رجعت إلى الماضي، وقتلت جدك، فأنتَ استحدثتَ كونًا موازيًا – خطًّا زمنيًّا– لن تولد فيه أنت، وبذات الوقت، هُو ليس ذات العالم الذي جئت منه! ومن هُنا، نفهمُ أن الأكوان المتوازية، هي احتمالاتٌ لا نهائية وبلا نهاية، وجميعُها كما – قد يؤمنُ البعض– موجودة بتوازٍ مع عالمنا! فهُناك من هذا المُنطلق، عالمٌ انتصرت فيه ألمانيا النازية وسيطرت على العالم، وآخرُ لم يولد فيه هتلر أصلًا، وآخرُ قد فني بعد حرب نووية شعواء… وهكذا، إلى ما لا نهاية!

..

إحدى الأفكار المُمتعة المُتعلِّقة بظاهرة الديجاڤو هي ماذا لو كانت تلك اللحظات التي تشعرُ بأنها قد حدثت قبل اليوم، هي لحظاتٌ حقيقية، ولكنها لم تحدُث قبل اليوم، ولكن في نفس اللحظة، في كون موازٍ تطابق مع تلك اللحظة التي تمرُّ أنتَ بها؟

..

أخيرًا، تظلُّ هذه الأفكار والمعضلات، هي مجالٌ مفتوح لتجربة الخيال الإنساني، وخوض الدهشة والمُتعة التي يصنعُها العلم الإنساني، بعد أن يعصر البشرُ أدمغتهم، في روعة وجمال الاحتمالات اللانهائية.

هل أنتَ النُّسخة الوحيدة التي تقرأ هذة الكلمات الآن؟ أم أن هُناك نُسخًا منك لا تنتهي، تقرأ معك وتبتسمُ بحكمة، بسبب كُل هذا «العك» الموغل في الخيال؟

..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد