إذا أردت أن تسافر إلى الآخرة وفي أقل وقت ممكن، دون أن تتكبد مشاق السفر؛ فما عليك سوى أن تضع قدميك في مصر فقط، وهي كفيلة بأن تنقلك إلى الدار الآخرة في دقائق معدودة دون تعب منك أو عناء!

حقيقةً، فالأمر لم يعد مجرد مزحة أو مادة للسخرية والاستهزاء، إنها الحقيقة المرة التي تشهدها مصر في الآونة الأخيرة وما زالت تشهدها يومًا،  فأينما يممت في مصر تجد خرابًا ودمارًا شمل البلاد والعباد، الأخضر واليابس، البر والبحر، من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها،  بداية مما يحدث في سيناء يوميًا من قتل وقصف وترويع للآمنين من سكانها ومواطنيها، ومرورًا بحادث قطار العياط الذي راح ضحيته المئات من المصريين وأزهقت أرواحهم المكدودة على قضبان السكك المتهالكة، وأخيرًا حادثة غرق مركب الرشيد التي راح ضحيتها حتى الآن ما يقارب 200 قتيل من خيرة شباب مصر الذي خاف الموت جوعًا، فذهب للموت غرقًا في مياه المتوسط، في محاولة أخيرة وشبه يائسة للبحث عن حياة أفضل خارج هذا الوطن الذي لم تعد فيه أدنى فرصة لحياة كريمة، غرق المركب وغرقت معه أحلام وطموحات شباب في عمر الزهور كان يأمل، في يوم ما، بحياة هانئة مستقرة خارج الوطن الذي ضن عليه حتى بلقمة العيش. ذهبوا وذهبت معهم أرواحهم المعذبة لتصعد إلى السماء تشكي لله جور الحكام وضيق الأوطان. غادروا البلد بناء على طلب النخبة ورجعوا جثثًا هامدة جامدة مهترئة بعد أن أكلتها أسماك البحر، فسلبت منهم كرامتهم حتى بعد مماتهم فلم يسلموا أحياءً وأمواتًا.

نفوسٌ تُزهق ودماءٌ تُراق، ولا عزاء للمغفلين والمتيمين والقابعين خلف آرائهم العقيمة وعقولهم التي لا سلطان عليها سوى سلطان الإعلام الداعر والمخزي الذي هو سبب نكستنا وخراب عقولنا، فبلا شك أن إعلامنا أصبح مثل العاهرة التي تتعرى أكثر لمن يغدق عليها الأموال ويكيل لها المديح؛ فالمسألة ليست صعبة بل هي مجرد حقن الأدمغة  والعقول بالأخبار والأفكار الزائفة،  ولا غرو فهذه العقول هي نفسها  التي نصَّبت الأراجوز حاكمًا على مصر والذين جعلونا أضحوكة أمام العالم.

فهؤلاء لم تعد عقولهم صالحة للاستخدام الآدمي بعد أن أصبحت مكبًا للنفايات ومرتعًا لأبواق الإعلاميين الرخيصة من المنتفعين معدومي الضمير والإنسانية، الذين يقتاتون على أقوات الغلابة والمحرومين، الذين يتحدثون عن تنمية زائفة ويتشدقون بإنجازات لا أساس لها على أرض الواقع وينادون بشعارات جوفاء خرقاء لا تسمن ولا تغني من جوع،  والخاسر الوحيد في هذه المعركة هم المصريون فقط، هؤلاء الذين لا ظهر ولا سند لهم إلا الله، وقل على الدنيا السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السفر
عرض التعليقات
تحميل المزيد