في روايته (رجل تحت الصفر)، والتي حاز بسببها على جائزة الدولة التشجيعية عام 1970، يقدم لنا الطبيب والفيلسوف المصري مصطفى محمود رحلة خيالية علمية إلى العام 2067 حيث الحياة على سطح الأرض قد تغيّرت معالمها بصورة كبيرة، فالتكنولوجيا مثلًا قد تطورت للحد الذي صار الإنسان يستقل صاروخًا من القاهرة إلى لندن!

ما يهمنا هنا هو الدكتور شاهين الشخصية الرئيسة في هذه الرواية، والذي قام باختراع جهاز يحول الأجسام إلى أمواج كالتي نستقبلها بأجهزة التلفاز، فعل هذا وقام بتحويل نفسه إلى موجة مسافرًا بين الكواكب.

سنترك كوكب الأرض – كما فعل دكتور شاهين – وسنترك أيضًا من نحب، فقد ترك شاهين زوجته روزيتا التي كانت تحبه، تركها تنظر إلى السماء موجهة عتابًا له فكانت تقول «لماذا سكنت السماء يا حبيبي وقلبي أكثر اتساعًا لك؟ لماذا لم تدرك بعلمك العظيم أن مجال المحبة أقوى من أي مغناطيس، وأقوى من مجال أي نجم وأي كوكب»؟

رحلتنا ستكون إلى أكثر الأقمار إثارة للتأمل في نظامنا الشمسي.. هيا بنا!

نشأة الأقمار

هناك عدة نظريات حول نشأة الأقمار في مجموعتنا الشمسية، الراجحة منها تفترض أن الأقمار الضخمة مثل أقمار جاليليو (نسبة إلى جاليليو جاليلي) والتي تدور حول المشتري قد تكونت من سحابة ضخمة من الغبار والغاز كانت تدور حول الكواكب أثناء تكونها، أما الأقمار الصغيرة التي تسبح في مدارات قريبة من كواكبها مثل قمر زحل ميماس Mimas فهي نتاج تفتت أقمار أكبر في السابق، وإذا ما سرنا مبتعدين عن جاذبية تلك الكواكب العملاقة، تحديدًا في المدارات الخارجية منها مثل قمر أورانوس أوبيرون Oberon فالأرجح أنها كويكبات أُجتذبت في وقت مبكر بفعل الجاذبية الضخمة لتلك الكواكب.

أما عن معشوقنا السماوي قمرنا الأرضي الذي يضفي على ليالينا سحرًا مضيئًا، فأغلب الظن أنه في وقت مبكر جدًّا قبل 4.5 مليار سنة اصطدم جسم عملاق بحجم المريخ تقريبًا بالأرض، قاذفًا بمواد عديدة من الأرض إلى مدارها، مع مرور الوقت تراكم هذا الحطام مكونًا القمر.

جدير بالذكر أن معظم الأقمار في المجموعة الشمسية سُمّيت بأسماء شخصيات من ميثولوجيا العديد من الثقافات، فعلى سبيل المثال سُمّي أحد أقمار زحل المكتشف حديثًا عام 2005 باسم إله من الأساطير الإسكندنافية يدعى بيرجلمير Bergelmil، أيضًا من المدهش معرفة أنه تم تسمية العديد من أقمار كوكب أورانوس باسم شخصيات من مسرحيات شكسبير.

السفر إلى نهاية المجموعة الشمسية

كوكب المشتري يطل علينا بألوانه التي تشبه ألوان لوحة زيتية بديعة، ولكن رحلتنا ليست إلى الكواكب، ففي مدار بعيد عن الكوكب العملاق يدور قمر جانيميد Ganymede أكبر أقمار النظام الشمسي على الإطلاق، حتى أنه أكبر من عطارد وبلوتو، أيضًا يعتبر القمر الوحيد المعروف الذي يمتلك مجالًا مغناطيسيًّا.

سنقترب بحذر حتى لا نسقط أسرى جاذبية المشتري، وجدنا قمرًا أشبه بقشرة بيض مشقوقة يدعى أوروبا Europa هذا السطح الأبيض عبارة عن جليد، ما يميز هذا القمر هي تلك الشقوق والأخاديد المنتشرة على سطحه، والتي يتقاذف منها الماء، نعم، فأوروبا يحتوي على محيط ضخم من المياه تحت السطح، وحيثما يوجد الماء فمن الممكن أن توجد حياة، لا سيّما أنه دافئ بسبب لب القمر الساخن.

قمر آخر هو الأخطر يدعى آيو Lo يشبه قطعة جبن رومي صفراء لا يزيد حجمه عن حجم قمرنا إلا بقدر طفيف، بسبب قربه من المشتري، فإن هذا يجعله يتعرض لقوى جذب هائلة تتسبب في جعله أكثر جرم في نظامنا الشمسي نشطًا بركانيًّا، فهناك يوجد مئات البراكين والحمم البركانية والتي هي عبارة عن مادة سيليكية منصهرة.

سنترك المشتري ونسافر إلى كوكب زحل صاحب الحلقات المعروفة، نحن الآن نقترب من أحد أكثر الأقمار ضبابية في المجموعة الشمسية بسبب وجود غلاف جوي سميك لديه، إنه قمر تيتان Titan ثاني أكبر قمر في المجموعة الشمسية بعد جانيميد، سمح غلافه الجوي بتكوين أمطار، ولكن بدلًا عن الماء، تتساقط أمطار هيدروكربونية مثل الإيثان والميثان، من الممكن لو اقتربنا قليلًا، ولكن بحذر أن نشاهد بحيرات تحمل سوائل عضوية.

قمر إنسيلادوس Enceladus هو قمر آخر لزحل مثير للتأمل، لأنه هو الآخر من الممكن أن تتواجد عليه حياة، بطبيعة الحال يوجد تحت قشرته الجليدية محيط من الماء مخلوط بمواد عضوية، المثير هنا أيضًا أننا أمام أحد أشهر مواطن الينابيع الحارة Geyser في النظام الشمسي، والتي تتدفق في مشهد خلّاب.

هل هناك أغرب من قمر يدور حول كوكبه بحركة تراجعية Retrograde Motion أي أنه يدور في اتجاه معاكس لدوران كوكبه؟ هذا بالضبط الحال عند قمر نيبتون تريتون Triton، لدى تريتون نشاطًا بركانيًّا باردًا، حيث يثور من باطنه ينابيع نيتروجينية. هناك أيضًا منطقة ذات نقر يشبه ثمرة الكنتالوب على سطحه منشؤها غير معلوم.

لقد قاربت رحلتنا على الانتهاء، نحن الآن نتجه إلى أحد أكثر الأماكن عزلة ووحدة في نظامنا الشمسي، فقمر شارون Charon يعادل نصف حجم كوكبه بلوتو، والذي يشار إليهما في بعض الأحيان أنهما يشكلان نظامًا كوكبيًّا مع بعضهما البعض، بحيث يؤثر الكوكب على حركة القمر حوله والعكس، في رقصة رشيقة متبادلة، ولكن على مستوى كوني.

ختامًا وبالعودة للدكتور شاهين وقبل أن يختفي تمامًا كان يقول «نعم، فأنا أرى الآن في يقين أن الله موجود، بل هو الحقيقة الوحيدة التي غابت عنّا جميعًا في غرور التقدم المادي، ولا أمل لي في النجاة إلا بمغفرة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد