لكل مسافر عاقل زاد، لا غنى له عنه، به يضمن المسير، معه يتقوى على لأواء السفر، ينهل منه كل حين، ويعود إليه بين وقت وآخر، يطمئن قلبه حين وفرته، ويسعد فؤاده لرؤيته، ويستقر وجدانه لتملكه، يزداد بكثرته قوة، ويعظم بجودته ثقة، يبحث في كل محطة عن المزيد، ويطلب زيادته كلما نقص، يرجو له بقاء حتى الوصول، ويطمع في زيادته حتى عن المطلوب، لا يشبع منه وإن كثر، ولا يرتاح له بال حتى يبلغ غايته. لكنه يقلق إذا أحس منه نقصًا، ويخشى عليه التغير والتلون، ينبض قلبه رعبًا إن افتقده، ويتيه عقله إن غاب عنه لحظة، ولا ينفك يردد في نفسه؛ “وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”.

 

وأنت أيها السائر إلى ربك لست غريبًا عن كل مسافر، لك زاد يعينك على الوصول إلى غايتك، ودونه لا أمل في قضاء بغيتك. احرص على زادك حرصك على ذاتك، لا فرق بينهما قدرًا، اجمعه بحكمة، وأنفقه بذكاء، ولا تغفل عن قدره ومستواه، واحرص على شموله وكفاءته. لروحك زاد فلا تغفل عنه فتهلك، ولعقلك زاد فلا تفرط فيه فتضل، ولبدنك زاد فلا تهمله أو تطمع فيه فتخسر الأول والثاني. زاد روحك؛ وصلها بأصلها، صلها بالسماء تعل بك، ولا تربطها في الأرض فتثقل معها! كن كيسًا فطنًا،  خذ زادًا من هنا إلى هناك، لا تلقين ربك خالي الكتاب من عمل يشفع! ولا تنس نورًا يضيئ لك السبيل من أمامك؛ “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”.

 

القرآن زاد لروحك يغذيها وينميها ويبث الحياة فيها، نظرات إلى المصحف تطمئن النفس وتهدئها، تلاوة للآيات تزكي النفس وتطهرها، حفظ للسور يحفظ القلب من كلمات الضالين وتعبيرات المضلين وشبهات المبطلين، نطقك بكلام الله في يومك يربطك بربك ويقوي شوكة إيمانك، استشهادك بآيات الذكر الحكيم يرجح حجتك ويثقل ميزان فكرتك ويصحح مسار الحوار المثمر خيرًا، حملك لمصحفك بين يديك يطهرها ويخوفك معصية تحدثك بها نفسك الأمارة بالسوء، تعليمك القرآن لغيرك يثقل موازينك ويجبرك على الحياء من الذنوب فينقذك من براثنها وحبال ملهمها إبليس اللعين. فليكن لك زاد إذن من كتاب ربك؛ نظرًا وتلاوة، وحفظـًا وتعليمًا، وتطبيقـًا وتنفيذًا، واستشهادًا واستدلالاً، كن من أهل الله وخاصته، وكيف ذلك إن لم تكن من أهل القرآن؟! “اقرأ وارتق،  فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها”،  وليكن قدوتك في ذلك كله وغيره من كان “قرآنا يمشي على الأرض” صلى الله عليه وسلم، “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ” فلا تفوتن على نفسك هذه المنحة الربانية.

 

زادك من ذكر يرطب لسانك وقلبك وعقلك؛ لا يشغلنك عنه شاغل. كلمات تناجي بها ربك تستشعر بها معيته، وتستصحب بها حلاوة الأنس به، وتستلذ بها في خلوتك، وتذهب بها وحشتك. لكل حال لك ذكر سنه لك المصطفى صلى الله عليه وسلم، تصحو فتحمد ربك، ثم تستعيذ به من عدوك الأبدي، تصلي فتناجي خالقك، وتسعى إلى رزقك فتتوكل عليه، وتخشى عاقبة السوء فتستودع أهلك، تبدأ كل أمر باسمه فتوفق، وتشكره على نعمائه فيزيدك، تدعوه خوفـًا وطمعًا فيلبي نداءك، وتركن إليه فيعيذك ويحميك، لا تزال ذاكرًا له حتى يذكرك ويحبك ويصنعك على عينه، ويرزقك قلبًا مطمئنًا، لتكون من هؤلاء “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.” اختر لنفسك ذكرًا يلزمك وتلزمه، به تنادى بين الخلائق، كأن تكون من أهل الاستغفار والتوبة، تستغفر على كل حال، وتتوب من الصغائر واللمم قبل الكبائر، وتستعيذ بربك مما يخفى من الذنوب ويدق حتى يقيك إياها، لا تزال مستغفرًا تائبًا منيبًا إلى ربك حتى يغفر لك ويتوب عليك، بل يحبك {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

 

صحبتك جنتك؛ فيهم حصنك وحمايتك، بينهم تسمو غايتك، وبهم تعلو همتك، بهم تأنس في غربتك، ومعهم تهرب من وحشتك، هم لك حصن من وساوس شياطين الإنس والجن، لن تعدم بينهم ناصحًا أمينًا، أو رفيقـًا مخلصًا، أو معينًا مؤازرًا، إذا لقيتهم ذكرت الله، وإذا نسيت الله ذكروك! يفرحون لفرحك، ويغتمون لغمك، ويهتمون لشأنك كله، تجدهم في المغرم، وتفتقدهم في المغنم، هم حولك في السراء والضراء، لا تحتاج إليهم إلا كانوا أسرع إليك من أهلك وخاصتك! يحبونك لغير مصلحة، ويعينونك لغير هدف دفين، يزيدونك قوة وثباتًا وعزمًا، ويشدون من أزرك إذا لمسوا فيك فتورًا وضعفـًا، يدلونك إلى معالم الطريق، ويحذرونك ويقونك منعطفاته وزلقاته، هم أغلى وأهم لك من مالك وأهلك، فمالك وأهلك يشدونك شدًا إلى الحياة الدنيا ويربطونك بزمامها وعقالها، بينما هم يصلونك بالآخرة ويسمون بك في درجات الهمم إلى ربك. يد الله معك ما دمت بينهم، فلا تشرد عنهم فيأكلك الذئب وتهلك! بل احجز لنفسك منبرًا من نور؛ “المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء.”

 

كتابك؛ فيه سؤالك وجوابك، دليلك فيه وعرابك، اقرأ واعمل، يتيسر عرضك وحسابك. هو الأمين؛ لا يخفيك سرًا، كريم؛ لا يبخل عنك بكل ما عنده، فقيه؛ يرشدك إلى الصواب ويبصرك بمواطن الزلل، معلم؛ يثبت قدميك على طريق العلم والتعلم ويقيك مصارع الجهلاء، اقرأ؛ فإن العلم سبيل المؤمنين، اقرأ؛ فإن الفهم معين الناجحين، اقرأ؛ فإن الفقه رفيق الفائزين، اقرأ تغنم، أو لا تفعل فتغرم! انظر إلى الحمقى من حولك؛ هل يقرؤون؟! لو قرأوا ما أهلكتهم حماقتهم! اقرأ في علوم الكون تفهم طبعه فتعمره، اقرأ في علوم الإنسان فتفهمه، اقرأ في علوم المكر فتقهره، اقرأ في سير السابقين فتتعظ، اقرأ في فكر المخالفين فتنتبه، اقرأ في علوم الفن والأدب وارق بقلبك ووجدانك وخيالك، اقرأ واطلع على الجديد من حولك ولا تهمل الأحداث فتركد مع نفسك وحيدًا جاهلاً بمجريات الأمور، اقرأ في لغات القوم تغنم خيرهم وتأمن شرهم وتفقه فكرهم، اقرأ في مجال عملك فتطور من نفسك وتحسن من أدائك ثم تبرع قبل أن تبتكر وتبدع. لست غنيًا عن كتاب بين يديك أو حتى في جوالك، ولا يغرنك أنك قرأت مكتبات من قبل لا كتبًا، فكم من علوم أنت فيها أفقر الناس! كن كما كان جدك الشافعي؛ “وكلما ازددت علمًا، زادني علمًا بجهلي!”. اقرأ يا ابن أمة “اقرأ”!

 

هذا، ولك زاد في كل خير، كل معروف يزيدك وإن صغر! وكل منكر يعوق سيرك ولو خطوة! فـ”لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق” كما علمك خير البرية، ولا تهونن من أمر منكر ولو نظرة! فلربما أهلكتك نظرة أو همسة أو لمزة وأنت عنها غافل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإيمان
عرض التعليقات
تحميل المزيد