أثار فيلم المسافر جدلًا واسعًا بين الجمهور والنقاد فالأول اعتبر الفيلم نخبوي لا يتناسب مع طبيعتهم، والنقاد بعضهم قدموه على أساس أنه تحفة فنية، خصوصًا بعد مشاركته في مهرجان فينيسيا السينمائي بالإضافة إلى حصوله على جائزة أحسن فيلم من جمعية كتاب ونقاد السينما المصرية، ومشاركة الفنان العالمي عمر شريف في العمل، ورأي الآخرين أنه لا يستحق خصوصًا بعد الإنتاج الضخم من قبل وزارة الثقافة، واستعانة مخرج العمل «أحمد ماهر» بفريق سينمائي إيطالي، إلا أننا سنقدم رؤية نقدية موضوعية للعمل الفيلمي من البداية.

ففي افتتاحية العمل ومنذ اللقطة الأولى ندرك اهتمام مخرج الفيلم وكاتبه أحمد ماهر بالصورة ليقدم لنا مشهدًا أشبه بلوحة فنية.. من خلال توازن الحركة داخل الكادر وإيجاد معادلة بصرية جديدة، في البدء نرى باخرة وعساكر الإنجليز وهم يمتطون خيولهم ويحملون سارية علم الإمبراطورية على شط القناة ببورسعيد إبان الاحتلال الإنجليزي.

ثم يضيق الكادر «بزوم أوت» تدريجيًّا لنرى المشهد داخل شباك القطار أشبه بشاشة تلفاز تطل على منظر شط القناة ويظهر- حسن/ خالد النبوي- بطل القصة وهو المسافر القادم من القاهرة لبورسعيد في خريف 1948 ليعمل في البوسطة.. منذ أن تطأ قدما حسن تلك المدينة الكوزموبوليتانية ونشعر بتأثير ثقافات الغرب فيها الباقية حتى الآن من خلال العمارة، والموسيقى، والملبس.

فتدور قصة الفيلم في ثلاثة أيام مختلفة الأعوام، وهي التي يتذكرها حسن من حياته التي تتسم بالفوضوية واللامبالاة، والمفارقة هنا أن تلك الأيام زلزلت حياته المستقرة، وأثرت في سلامه النفسي في آخر أيامه، أول يوم بدأ في عام 47، عندما استلم حسن مهامه في البوسطة بعد مجيئة من القاهرة، وقيام الموظف بكتابة تلغراف قادم من نورا، وقامت بأداء الدور الفنانة سيرين عبد النور، تلك الفتاة الأرمينية التي فتنت شباب بورسعيد.. فيهتف مساعده بأنها هنا وترسل تلغرافًا إلى حبيبها فؤاد سليم موظف هيئة القناة، فأبى موظف البوسطة أن يسلمه للمدعو فؤاد سليم، لأن نورا تستحق أفضل من هذا «الواد المسبسب» على حد قوله فيثير غضب وشغف حسن في نفس الوقت.

ويقرر تسليمه بنفسه ليبدأ صراع داخلي بين أداء واجبه وبين مشاعره التي تبلورت بالحب تجاه نورا أجمل بنت في بورسعيد رغم أنه لم يراها بعد. ولكن من حديث الناس عنها أفتتن بها، فيقرر إضاعة الوقت مع صياد يعمل بالسفن الكبيرة، وهو بالمناسبة صديق البوسطجي مساعده، حتى لا يتسنى تسليم الخطاب لفؤاد وهو ما يحدث بالفعل.

تتحول قصة الفيلم بعد ذلك إلى رحلة البحث عن نورا، ويصعد حسن للسفينة خلسة عن طريق الصياد أو البمبوطي.. ويقابل نورا بمساعدة القبطان الذي قام بدوره الفنان «يوسف داوود» ظنًّا منه أنه فؤاد بسبب الجواب الذي بيده ويراه غارقًا بالماء فيعتقد أيضًا أنه جاء سابحًا، فيشفق عليه ويعاونه.

المفارقات هنا لا تنتهي فبعد أن تعجب به نورا لشجاعته بسبب سباحته من بورسعيد لسفينة، وكيف أنها تعشق المغامرات والأبطال وأنها انتظرته كثيرًا، ثم يأتي المشهد الأصعب وهو اغتصاب حسن لنورا وعلى خلفية أغنية «يا حسن يا خولي الجنينة» ذائعة الصيت بالفولكلور الشعبي المصري، وهي تحمل دلالات عدة فالأغنية تمجد «حسن الجانيني» ومن سماته الشهامة والرجولة، التي افتقدها حسن البوسطجي، فالمعادلة هنا هي رجل عبثي يحب ويضاجع حبيبته بالقوة.. في المقابل أنثى مراهقة تبحث عن فارس أحلام رومانسي مغوار يعشق المغامرة، لتصطدم بحبيبها المزيف الشهواني على حد قولها، ويدخل في المعادلة طرف ثالث وهو فؤاد سليم الذي ظهر فجأة، بعد مرض حسن ووقوعه والتفاف الجميع حوله لتتكشف الحقيقة، ويتم الزواج بين نورا وفؤاد. وانهيار حسن لعدم زواجه بنورا فيحرق السفينة بعقب سيجارة، وصورها المخرج كسفينة نوح من كثرة ما تحمله من خيول وحيوانات أخرى بدأت بالقفز نحو الماء لتنجو من الحريق وروعة المشهد تكمن في غرائبيته كأنها لوحة رسمت بيد سلفادور دالي السوريالية لينتهي اليوم الأول بمضاجعة نورا لشخصين متناقضين فؤاد الرومانسي وحسن، وصورة بصحبتهما.

عندما يأتي اليوم الثاني في شريط الذكريات تتضح هنا «ثيمة» الدراما وهي رحلة البطل في تلك الأيام، عام 1972 قبل حرب أكتوبر بعام، وقد بدأت ملامح الشيب تظهر على حسن ليصبح رجلًا خمسينيًّا، ويعيش في مدينة كوزموبوليتانبة أخرى وهي الإسكندرية وتسيطر موسيقى الفيلم في مشاهد تلك الفترة على الأغاني الوطنية للشحن المعنوي للجيش والشعب، يقابل حسن نورا مجددًا، ولكن على هيئة نادية ابنتها وهي صورة طبق الأصل من أمها قامت بأداء الدور «سيرين عبد النور» أيضًا. وقد عرفته من صور الزفاف ولم تفصح أمها سوى أنه يعمل في هيئة بريد أهم ما يميز ذلك اليوم ظهور علي شقيق نادية، وهو الحاضر الغائب في الفيلم فقد لجأت نادية لحسن واتصلت به لأنها لا تعرف سواه بعد وفاة أخيها طلبًا لمساعدتها.

علي هو المعادل الموضوعي لرغبات نورا الأم وطموح حسن فهو يشبهه من الناحية الشكلية وفرض احتمالات أنه ابنه ويتسم بالجرأة والإقدام وعشقه للمخاطر ومواجهة الموت رغم خوفه منه كما قال صديقه جابر العبيط الذي برع في تأديته الفنان «محمد شومان»، وهو آخر من رأى علي بعد قفزه في بئر مسعود وغرقه ووعده بأنه لو خرج سالمًا سيزوجه أخته نادية وينتهي ذلك اليوم بزواج نادية وجابر بمباركة حسن.

أما اليوم الثالث والأخير فكان خريف 2002 وظهور الحفيد «علي» وهو يبحث عن جده حسن الذي بلغ أرذل العمر، وقام بدوره «عمر الشريف»، ليؤرخ المخرج رحلة البطل في ثلاث حقب مختلفة مبينًا تغير المجتمع من حوله من خلال الأغاني، التي تعكس اهتمامات المجتمع وصولًا لليوم الأخير، حيث أصبح عمرو دياب هو سيد الطرب.

فما زالت حياة حسن فوضوية وعبثية بلا معنى ودائم النسيان، حتى مع ظهور علي رجل المطافئ الجبان الذي يحاول أن يصبح جريئًا، إلا أنه يفشل ويحاول معه حسن ويجعله يشارك في مبارزة الديوك، ليكون مثل خاله شجاعًا لتنتهي تلك المحاولة بخناقة، ويجرح علي ويذهب إلى المستشفى لتراه طبيبة التجميل التي قامت بأداء الدور الدكتورة «رواية» الفنانة «بسمة»، من خلال مفارقة لتدرك أن هناك شبهًا بين علي وحسن ما عدا الأنف، فهي مثل أنف فؤاد سليم، وحالة تلك الأنف هي جزء من موضوع رسالة الماجستير، وتعرض عمل جراحة لعلي ليصبح مثل حسن تمامًا.

من هنا نستكشف عدة دلالات وتساؤلات في دراما الفيلم: هل علي من صلب حسن أم من فؤاد؟ وإصرار الأول أن يكون حفيده المفترض مثله تمامًا، ويجعله يُقدم على إجراء جراحة التجميل، رغم معارضة علي ويتراجع حسن في مشهد هزلي حينما يأخذ علي من غرفة تحضير العمليات وهو تحت ثأثير البنج، ويستخدم حسن السيجارة في الهروب عندما يشعلها في المستشفى لتطلق صفارات الإنذار ورشاشات الماء، لتصبح رمزًا للهروب من الباخرة تارة ومن المستشفى تارة أخرى، ويحاور الطبيبة تحت رذاذ الماء بأنه سيأخذ حفيده مهما كلفه الأمر، ويختتم المشهد الهزلي بوقوف حسن ومعه علي راقدًا فوق سرير طبي بقارعة الطريق.

ففي النهاية يشعر حسن بوحدته ويستأنس بتربية الحمام في المنزل ليعوض بعض من الدفء الإنساني، ويتمسك بعلي لكنه يتركه ويهرب من المنزل في ليلة العيد، ونرى الماستر سين في جلوس «حسن» وحيدًا أمام التلفاز ينظُرُ بعين لا ترى، ويأكل بشراهة دون وعي كحك العيد؛ ليتحول حسن من قيمة سلبية في بداية الفيلم فهو كاذب مخادع عبثي إلى قيمة إيجابية من خلال تمسكه بحفيده، ويحقق فكرة الجرأة من خلال وقوفه في النهاية داخل قضبان القطار أعلى الجسر والقفز إلى الماء قبل لحظات قليلة من اقترابه ودهسه، مثل خال علي وأيضًا كما تمنت نورا حبيبته رجلًا شجاعًا.

يسقط حسن في فراغ أبيض تعبر عن ولادة جديدة عبر من خلالها حاجز الأوهام، ويفتح عينيه، وقد وجد نفسه داخل «أوتوبيس» نهري صباح أول يوم عيد وبجانبه أم مثيرة معها أربعة أطفال وخامس في بطنها ليسألها هل هؤلاء الأطفال من أب واحد؟ فتجيبه أن اثنين من أب والباقي من أب آخر، ويستفسر عن الحمل فلا تجيبه! بل تنظر له بشهوانية وتسأله إذا كان يريد أن يتذوق كحكها بطريقة تحمل إيحاءً جنسيًّا في الفولكلور الشعبي أيضًا، ثم يخرج حسن من مقصورة الركاب إلى مقدمة المركب وشبح ابتسامة على شفتيه، فقد تخلص من حلم ثلاثة أيام، بل وربما سيخوض تجربة أكثر عبثية.

نجح مدير التصوير «ربرتو دي فرانشسكي» و«أنسي أبو سيف» في ديكوراته في خلق أجواء ضبابية بلون الأزرق الغامق في المشاهد وتضخيم الديكورات لخلق نوع من الوحدة والبرودة في الأحداث للتوحد مع شخصية «حسن» وإبراز جماليات الصورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد