حين أقرأ تاريخ الشعوب –باعتباره هواية لا أكثر- وأتابع ما يحدث من تطورات عالمية من باب الانتماء الإنساني لهذا الكوكب، وأطالع صحائف الحروب العربية على أمد العصور؛ أخلص إلى نتيجة واحدة مفادها إن كثيرًا من القضايا الكبيرة تحتاج إلى الخيانة باعتبارها استراتيجية حربية لتنتصر. أجل إن الانتصارات الكبرى احتاجت عادة لخائن كبير، لإنسان بقلب ميت، لبائع محترف يبيع القضية، ويغير مسار المعركة، ومصير الشعوب، خائن يفهم الخطة الحربية، وينفذ مهمته، ويتوارى في أسرع من لمح البصر؛ لأنه إذ لم يفعل سيتحول إلى كبش فداء، ويتحمل وحده وزر القضية؛ فالجندي الذي يسقط في رقعة الشطرنج، يخرج خارج اللعبة.

وأثبت التاريخ أن أول قصص الخيانة العربية هي خيانة أبو رغال؛ الذي عمل دليلًا لجيش أبرهة ؛ لهدم الكعبة الشريفة، فما كان الأحباش يعرفون الطريق إلى الكعبة، وكلما جاؤوا بدليل من العرب ليدلهم على الطريق إليها رفض طلبهم مهما عرضوا عليه من مال، ولم يقبل هذا المهمة سوى أبو رغال؛ فكان جزاؤه من جنس عمله، أن نعت كل خائن للعرب بعده بأبي رغال.

كما حفر التاريخ ودونت الحروب العديد من قصص الخيانة، أشهرها على الإطلاق، قصة الغدر الذي تعرض لها الملك يوليوس قيصر، مؤسس الإمبراطورية الرومانية بطعنه في ظهره على يد أقرب مقربيه جونيوس بروتوس، وحين رأى قيصر طاعنه قال كلمته التاريخية «حتى أنت يا بروتوس».

واستمرت الخيانات العربية تؤرخ لنفسها باختيار أبطالها بكل دقة، ولم تكن حرب مصر والدول العربية ضد إسرائيل سنة 1948م تحتاج لشيء لتهزم الجيوش العربية إلا لخائن آخر يخون القضية الفلسطينية، فقبل أسبوعين فقط من نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، قررت القيادة السياسية المصرية ممثلة في الملك فاروق، ورئيس الوزراء النقراشي باشا دخول حرب فلسطين عام 1948م، وفند البرلمان المصري هذا القرار قبل يومين فقط من نهاية الانتداب، وكان على الجيش المصري، وعلى الحكومة المصرية هاجس توفير السلاح، والذخيرة اللازمة في أسرع وقت وبكل الطرق؛ وعليه تم تشكيل لجنة سُميت لجنة احتياجات الجيش، كانت لها صلاحيات واسعة بدون أي قيود أو رقابة؛ لتوفير السلاح من كل المصادر على وجه العجل؛ مما فتح المجال لسماسرة السلاح للتلاعب في سعر السلاح، وفي جودته، ومطابقته الشروط القانونية للحرب.

هذا في ظل قرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة بحظر بيع الأسلحة للدول المشاركة في حرب فلسطين، وهو قرار كان يقصد منه الدول العربية بالذات؛ لإضعاف الجيوش العربية، وتراجعها فسمحت الظروف لخائن من السماسرة ليورط الجيش المصري والجيوش العربية بسلاح فاسد؛ تسبب في الهزيمة وخسران حرب 1948م، وبيعت الأراضي الفلسطينية لليهود بدماء خفية.

ويذكر التاريخ كما يذكر الجميع، وأذكر أنا قبل أكثر من عقدين ونصف من الزمان، امتدت أيادي الغدر لاغتيال الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف المعروف بسي الطيب الوطني، فبعد غياب له لأكثر من 30 سنة عن الجزائر جيء به لوطنه من جديد بصفته بطاقة رابحة ليقود معركة التنمية والإصلاح، وقبل إتمامه ستة أشهر من تقليده على المجلس الأعلى للدولة، وتحديدًا في التاسع والعشرين من شهر يونيو (جوان) سنة 1992م، وأثناء لقائه الرسمي الأول، وفي خطابه المباشر لشعبه، ومن فرقة التدخل الخاص أطلق الملازم الأول لمبارك بومعرافي الرصاص على الرئيس وأرداه قتيلًا، قد فتح الرئيس المغتال بعودته للجزائر جبهتين في آن واحد، محاربة الفاسدين داخل منظومات الدولة، ومحاولة القضاء على تطرّف دموي يهدد قيم الدولة وكيانها.

لم تكن خطة اغتيال الرئيس محمد بوضياف تحتاج لشيء كبير لتنجح، بل كل ما احتاجته حينها هو خائن يطلق الرصاصة الأصح في المكان الصحيح -وبكل دماء بارد- ليسقط الرئيس أرضًا مدثرًا بالعلم الوطني.

لا أحاول هنا أن أتوغل أكثر في التاريخ، ولا أن أتظاهر بأنني قارئة جيدة للأحداث التاريخية، لكني بالفطرة توصلت إلى أن تغيير مسار الحروب والثروات العربية لم يحتج يومًا إلى مزيد من القنابل النووية، ولا للمزيد من أسلحة الدمار الشامل، بقدر ما احتاج لخطة استراتيجية حربية لصناعة خونة بدماء باردة في كل مرحلة من مراحل الحرب؛ فخيانة القضية هو مكسب للحرب.

وحتى تلك الانتصارات الصغيرة في الحي وفي القرية لم تكن لتنجح إلا بخطة خيانة استراتيجية ينفذها خائن صغير، خائن بدم بارد وقلب ميت، فصناعة خائن جديد في كل قضية أسهل بكثير، وأقل تكلفة من أي وسيلة أخرى؛ لكسب المعركة وتغيير الخارطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخيانة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد