عند قراءتك للعنوان للوهلة الأولى قد تستهجن دعوتي للمعاملة كاللصوص، ولكن بعدما آخذك معي في رحلة بسيطة، قد تتضامن مع دعوتي التي استهجنتها في البداية، رحلتي عن حادثة فعلية من الواقع، ولكن حفاظًا على خصوصية أصحابها، لن أذكر أسماءً، علمًا بأني استأذنت أصحابها قبل كتابة قصتهم ورحبوا بذلك.

تبدأ قصتنا داخل إحدى سيارات الأجرة، يتحاور بطل قصتنا مع صديقته حول أحوال البلاد ممسكًا بيده كتاب “حقوقنا الآن وليس غدًا”، يشتد الحوار فيظهر بطلنا عداءً لسياسات الدولة، لا يرضيه القوانين الجائرة وأعداد المعتقلين التي أصبحت في زيادة مستمرة، خاصة أن له بين هؤلاء المعتقلين أصدقاء ورفقاء درب، قاسموه الحلم، يتدخل بعض الركاب في الحوار، صديقنا يجد في ذلك إثراءً للحوار وتبادل لوجهات النظر بشكل حضاري، حتى ولو اجتمع الغالبية علي معارضته، فصديقنا يؤمن أن الحوار المجتمعي إجراء صحي، ويحرك المياه الراكدة مع الوقت!

يستمر الحوار، ويتدخل أحد الشباب، الذي يظهر من حديثه أنه مجند بقوات الشرطة، تدخلاً غير لائق، يريد من خلاله أن يتحرش لفظيًّا بصديقة بطل قصتنا، يلحظ هذا صديقنا فيشير إليها بغلق باب الحوار والاكتفاء بالحوار الثنائي الذي كان بينهما، قبل أن يفتح باب النقاش للعامة، وهذا بالطبع لم يروق للأخ المجند، الذي لم يصمت كثيرًا، حتى بدأ في التبجح واتهام صديقنا وصديقته بقلة الأدب والانحطاط، معللاً ذلك بمشاهدته لهما بالقيام بأفعال منافية للآداب، وهذا ما لم يحدث طبعًا، ولكن الأخ المجند لم يجد سبيلاً للاستطراد في تحرشه بصديقتنا، فلم يجد شيئَا لينفث فيه غيظه إلا أن يتهمهما بالباطل!

 

وصل الأمر للذهاب لأقرب نقطة شرطة، وفور وصول الأخ المجند للنقطة، أبرز بطاقته العسكرية، وقال إنه يعمل سائقًا لأحد الضباط ذوي المناصب الرفيعة، وبالتالي فرشت له الأرض رمالاً، وتمت معاملته معاملة كبار الزوار، وما كان منهم إلا إهانة صديقنا الذي لم يفعل شيئًا غير أنه كان يريد أن يحمي صديقته من ذكورية ذاك الأرعن، بالرغم من أن الاثنين مدعيان على بعضهما البعض، ولكن سائق الباشا له مكانة فوق مكانة القانون!

الإهانة زادت حدتها بعد أن أوشى المجند بصديقنا وكشف عن عدائه للدولة ولرئيسها، وعن تفاصيل حوارهم داخل سيارة الأجرة، وهذه التهم تم ثبوتها بعد أن وجدوا معهم كتاب “حقوقنا الآن وليس غدًا”، وبدأ الحديث يدور حول أسئلة من قبيل “أنت ٦ أبريل؟!”، “أنت شيوعي؟!”، “أنت إخواني؟!”.

وتم تعمد الإهانة أكثر من الأول بعد أن عرفوا أنه ليس من القطيع الذي يؤيد تأييدًا أعمى لكل خطوات النظام، الأمر أصبح شخصي بينهم وبين صديقنا، وباتوا يميلون لادعاءات المجند ضدهما، ولم يعطوا صديقنا أي فرصة حتى للإدلاء بأقواله، وكل هذا من أجل أنه لا يؤيد النظام! الغريب أن أجهزة الأمن في دول كثيرة – تحترم مواطنيها- لا تميل لتيار سياسي على حساب الآخر، ولكن في بلادنا يبدو أن لهم اهتمامات أخرى!

يتم تسوية الأمور بشكل ما بعد تدخل أطراف مختلفة، ولكن بعد الطعن في وطنية ودين صديقنا وصديقتنا، وبعد كتابة محضر صلح ينتصر لأخينا المجند، الغريب أن صديقنا وصديقته لو تم اتهامهما في قضايا سرقة أو استيلاء علي المال العام، سيتم معاملتهما بطريقة أفضل بكثير من تلك التي يعامل بها المتهمون بقضايا الرأي والحريات، أو الذين لم يسعفهم الحظ ويعرف عنهم المعارضة أو إبداء الآراء السياسية عند اتهامهم بأي ادعاءات أخرى، فوقتها يصبح كل شيء هامشي إلا وجهات نظرهم المعارضة، ويتم توجيه سيل من الاتهامات المعلبة الجاهزة في أدراج رجال الأمن!

 

نهاية قصتنا التي لن تنتهي عند حد أبطالها، فهي تتكرر مع أبطال آخرين، والتي ثبت بالدليل أن معاملة اللصوص ومتهمي جرائم القتل والمخدرات أفضل بكثير من معاملة متهمي قضايا الرأي والحريات، وهذا يجعلنا نناشد المسؤولين بالدولة في أن يعاملونا كلصوص، وليس كمتهمي قضايا رأي!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد