يبدو جليًّا أنّ المجتمعات المدنيّة، اكتسبت خبرةً عن الأوبئة؛ التّي تركت أثرًا سلبيًا في معظم دول العالم؛ بل أصبحت تترسّخ في ضميرهم، ومكوّنًا أساسيًّا لتاريخهم، ومع أنّ هذا الوباء المستجدّ -الذّي سطع نجمه مع نهاية العام الماضي- استفحل خلال الاستقبال الحافل لمواسم إيمانيّة تميّزت بالتّجمعات، ولكن هذه المرّة اختفى كلّ شيء في ظلّ ظروف صحية تستوجب الشّفقة؛ فالأوبئة كونها تحدث تغيّراتٍ جذريةً في نمط حياة المجتمع، وتتغيّر ملامح الحياة، وتصل إلي تجربة تخلق سلوكيّات، وأنماط مختلفة لحياة الفرد قبل المجتمع، فلا تختلف كثيرًا عن تجربة الحرب كونها تشهد المجتمعات موجاتٍ من الخوف والهلع الجماعي، ومع عولمة العدوى؛ فالمسلمون لم يكونوا بمنأى عن تداعيات هذا الوباء؛ الاجتماعيّة والاقتصاديّة والصّحيّة؛ بل نالوا نصيبهم من العدوى الذّي انتشر انتشار النّار في الهشيم.

ومع تضافر الجهود البشريّة للتّحكم علي العدوى، أشاد الكثير بدور الأعمال الأدبيّة في تهدئة النّفس، وتخفيفها من الهلع والذعر، ولاستعادة التّوازن على الصّعيد النّفسي ونشر السّكينة والتسلية فيها؛ لعلّ ذلك يعيد للإنسان حيويّته ويمدّه بمناعة جسديّة قويّة؛ وذلك حتّى يستوعب الرّبط بين العقل اللّاواعي الذّي لا يرى أبعد من اللّحظة الرّاهنة في تحليله للحدث والعقل النّاضح بالوعي؛ إذ يحاول استيعاب ما يقع ضمن دورات الزّمن الكبرى.

وكما يعتقد بعض الفلاسفة فإنّ استشعارك للخطر سبب أساسي للاستعداد لمجابهة ناقوس الخطر؛ فالمصير الحتميّ الذّي تقودك العدوى إليه؛ سبب يكفي لاستنفار مناعتك الجسديّة؛ وذلك «كونها صراعًا بين الرّغبة في البقاء والوعي بالنّهاية»، ولولا البحث عن حلّ شامل لما بعد الموت، وحقيقته لما كانت هناك أهبة لتقبّل الأديان؛ إذ يقوّي ذلك تصوّر الفرد للوجود والكون، وطبيعة المنطق المستخدم في هذا التصوّر.

الجذير بالذّكر أن للتّراث الإسلامي فلسفته الخاصّة في التّعامل مع الأوبئة التّي تجتاج البشريّة، وكان للعلماء والأطبّاء الإسلاميّين القدامى مسيرة حافلة مع مواجهة الوباء، وحاول بعضهم تقديم اقتراحات ثريّة للتّعامل مع الأوبئة، وكان من هؤلاء الطّبيب العربى أبو بكر الرّازى الذّى عرض فى كتابه «الحاوى» تفاصيلًا عن مرض الجذام ومريض الجذام -وهو من يتساقط لحمه- وطرق عدواه، كما أشار إلى وسائل وقاية الوجه والفمّ والعين.

وقدّم ابن سينا اقتراحًا للوقاية من الطّاعون الذّي يصفه بـ ً«الموت الأسود» في قوله: «توصلت لنتيجةٍ تفيد بأنّ جميع الأمراض المعدية، تنشأ وتنتشر بواسطة مواد صغيرة جدًّا، وغير مرئية بالعين المجرّدة، أعدادها هائلة وهي تسبّب الحمى والموت الأسود، وتلتصق هذه المواد بيديك، ووجهك وشعرك وملابسك»، وأشاد إلي ضرورة التّباعد الاجتماعي لمدّة أربعين يومًا كحد أدنى.

وقد كتب المؤرّخ والطّبيب ابن الخطيب الأندلسيّ؛ حينما اشتدّ وباء الطّاعون الأسود بالعالم فى عام 1348م: «لقد ثبت بالتّجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواردة أن من يخالط المريض يهلك، وأن من لم يخالطه يسلم».

ليست المرّة الأولى التّي تداهم الأوبئة بلاد المسلمين؛ فهناك طاعون عُمْواس –وهي قرية صغيرة تقع قرب بيت المقدس وسمّي بذلك كونها البؤرة الأساسيّة لهذا الوباء- والذّي استفحل في عهد خلافة عمر-رضي الله عنه- وأدّى إلى وفاة عشرين ألفًا من المسلمين -وقيل ثلاثين ألفًا-، بينهم جماعة من كبار الصّحابة أبرزهم: أبو عبيدة بن الجرّاح ، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العبّاس بن عبد المطلب، وأبو جندل بن سهيل.

والحديث عن طاعون عُمْواس يطول، ولكن الزّاوية التّي نستحضرها هو تعامل عمر رضي الله عنه معه؛ إذ كان متوجّها إلي بيت الشّام، بؤرة الوباء، فوقف مليًّا، واستشار أجلّاء الصّحابة، وكان من بين هؤلاء عبدالرحمن بن عوف-رضي الله عنه- الذّي ذكر بأنّه سمع النّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأرْضٍ، فلاَ تَقْدمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، ويمكن أن نستنبط من خلال الحديث النّبوي الشّريف تلك النظرية التّي يعرف الآن بنظريّة «الحجر الصحي»، وقد أشادت المنظّمات الصّحية بضرورة الالتزام بها لاحقا.

فالتّصور الدّيني بموجبه يفسّر الظواهر الاجتماعيّة، ويطرح في الوقت نفسه حلولًا للأزمة؛ من حيث بعده الإشكالي، وآليات طرحه وتحليله، والفلسفة الإسلاميّة قدّمت حلًّا جذريًّا للبشرية في ظلّ الأوبئة، ومثال ذلك يكون أوضح في قرار عمرو بن العاص-رضي الله عنه- بعد انتشار الطّاعون بصورة قاتمة؛ حيث أمر الصّحابة بالتّفرق والتباعد في قوله: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ؛ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فَتَجَبَّلُوا مِنْهُ فِي الْجِبَالِ»، وعقب ذلك رفع الطّاعون الذّي استمرّ شهرًا كاملاً، واستحسنه عمر رضي الله عنه فيما بعد، ويمكن تفسير هذه النّظرية؛ بأنّها تعالج المسافة بين الشّخص المصاب، وغيره حتى نتمكّن من تطويق انتشار العدوى؛ وهو ما يعرف بـ«العزل الإجتماعي» حاليًا.

علاوةً على ذلك؛ فإنّ تفسير قوله تعالى: «ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»، هو دليل قاطع للتّعامل مع الحالات الطارئة، فضمير العقل في النّصّ يوحي بأنّ العبرة بعموم اللّفظ للعقلاء أجمعين؛ إذ خاطبت النّملة بضمير العقلاء، وهذا ما أشار إليه القرطبي والبغوي فيما معناه أن الأمر «جاء على خطاب الآدميين؛ لأنّ النّمل ها هنا أُجري مجرى الآدميّين؛ حين نطق كما ينطق الآدميّون»؛ فالتّراث الإسلامي اعتنى بالمصلحة العامّة في زمن الأوبئة؛ إذ هناك خياران فقط تنتهجها الدّول في الوقت الحالي: خيار يعطي الأولويّة لاحترام حقوق الأفراد، وعدم تقييد حريّتهم إلا بالضّرورة القصوى فقط، كما تفعله السّويد مثلًا، وخيار آخر يعطي الأولويّة لمصلحة الجماعة؛ كسائر العالم الذّي استحسن الحجر الصّحي كأولويّة، والأخير هو ما يتماشى مع التّراث الإسلامي؛ ولعل ذلك إشارة إلى أنّ البيت هو المكان الأنسب لحماية الكائن الحيّ؛ الذّي تكفّلت بحفظه الشّريعة الإسلاميّة في أولى مقاصدها.

من خلال ما سبق؛ نستنبط أن الدّين والمرض أصبحا يؤثران -بشكل أو بآخر- في التّاريخ الاجتماعي، والثّقافي للبشر؛ فكون المرض معديًا؛ ليصيب الجوانب الاجتماعيّة، والثّقافية في حياة الإنسان، يجب أن يجد حلولًا عقلانية، كما أنّ الدّين -باعتباره يهتمّ بالحياة الإنسانيّة وسلوكيّاته في جلّ جوانبها- لا بدّ أن يسترشد فيما يصيب الإنسان من الأمراض الجائحة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد