أتكلم في هذا المقال عن ظاهرة التحرش التي انتشرت في مجتمعاتنا، للأسف هذه الظاهرة المتعلقة بأطراف كثيرة وليس كما يزعم مدافعو الحقوق والحريات وشاغلو بالهم بقضية المرأة وظلم الإسلام لها زعموا بأن القضية متعلقة بالجانب الحيواني للرجل فقط وأن المرأة ليس عليها أي دور في إصلاح المعادلة الأخلاقية للمجتمع والحد من هذه الظاهرة. أحاول جاهدًا أن أبين أطراف المعادلة بغير تحميل المسؤلية كاملة لأحد الأطراف أو ظلم أحد الأطراف، ولابد التنويه بأمر أنه ليس هناك أي مبرر لهذا الفعل ولكن هنا محاولة للإصلاح ومعالجة الأمر ككل.

لابد أن نعرف أننا مسلمون وأننا لدينا منظومة أخلاقية مختلفة تمامًا عن المنظومة الأخلاقية للغرب وأن أخلاقنا وإصلاح مجتمعاتنا يخرج من صلب ديننا وليس بجلب منظومة مختلفة عنا كليا ومحاولة تطبيقها على مجتمعنا مما يؤدي بنا إلى ضياع أخلاقنا بالكلية، ولذا فإن الله عز وجل قال في كتابه الكريم، سورة النور، بسم الله الرحمن الرحيم: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ … وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

خاطب الله في الآية الأولى المؤمنين من الرجال وأمرهم بغض أبصارهم وذكر الله غض البصر على العموم وذلك لقطع ذرائع الزنا وغيره من الأفعال المحرمة المتعلقة بهذه المسألة واتبعها الله عز وجل بحفظ الفرج وكأن النظر هو أول الأبواب المؤدية إلى الزنا أو التحرش، ومن بعدها ذكر الله في الآية الأخرى أيضًا غض البصر ولكن هذه المرة للنساء وحفظ الفرج أيضًا على النحو المأمور به الرجال بل ولكونهم الجزء الأهم في المعادلة المجتمعية والتي يجب حفظها، فقد زاد الله عليهم أمورًا أخرى في الآية المخاطبين بها وهي (ولا يبدين زينتهن) المخاطبين بإخفائها إلا على الأصناف المذكورة في الآية كل هذه الأمور التي ذكرها الله في الآيتين ما هي إلا طرفي المعادلة في الإصلاح المجتمعي من ظواهر التحرش والزنا والانفلات الأخلاقي، وهذا الإصلاح لن يأتي إلا بإصلاح الرجل والمرأة وعدم تحميل طرف منهما المسؤولية كاملة وإلا إذا كان الرجل هو المسؤول وحده كان خاطبه الله وحده والعكس تماما بالنسبة للمرأة ونجد في أيامنا هذه من يهتم بقضية المرأة وحقها الشخصي في لباسها وأن تفعل ما تشاء ولا يجوز لأحد أن ينتقدها وإن تكلمت فأنت الرجعي المتخلف الشهواني، وينسى أن المرأة تعيش في المجتمع كجزء منه وليست هي المجتمع ككل وأنها عليها أن تنضبط بضوابط المجتمع الأخلاقية كما يأمر الرجل بهذا بل وجدت من يقول أن الرجل هو المسؤول كليا عن مسألة التحرش بل إذا نظر إليها وهي شبه عارية فيعاقب لأنه تحرش بها عن طريق النظر، وكأنه يخاطب رجالًا بلا شهوة، وينبذ هذا الفعل ويطلق عليه فعلًا حيوانيًّا وكأن العري ليس فعلا حيوانيًّا.

إن مسألة التحرش المنتشرة في مجتمعاتنا ما هي إلا نتاج الانفلات الأخلاقي من ناحية لباس المرأة وعدم وجود الوازع الديني لدى الرجل ومسألة مثل هذه قد عولجت منذ 1400 عام بواسطة آيتين يُعدّان أقوى قانون أخلاقي في هذه الحالة وذلك لأنه لا يظلم طرفي المعادلة ولكن نجد المتشدقين بالحريات والأفكار الغربية يحاولون جاهدين بواسطة الحقوق المسماة بحقوق الإنسان التي ثبت أنها لا تستخدم إلا ضد المسلمين أن يثبتوا أنهم قادرون على حل هذه المشكلة، ولكنهم واهمون، لأنهم يحمّلون طرفًا واحدًا الذنب كله ولكنهم في الحقيقة لا يسعون إلا لنشر عري المرأة وغمس المجتمع داخل إطار الشهوات واستخدام المرأة كأداة لتدمير أخلاقيات المجتمع بنشر الموضات الأكثر عريًا وجراءة.

ووصف أحد الناس مرة حال المدافعين عن حقوق المرأة وقال هم لا يريدون حرية المرأة بل يريدون حرية الوصول إلى المرأة، وأكبر دليل على صحة هذه المقولة ما نراه في مجتمعات الغرب من مصادرة الحجاب والنقاب وكل المظاهر الإسلامية لحفظ عفة المرأة وأكبر الدول المصادرة لتلك الحريات هي فرنسا العلمانية بلد الحريات المزعومة التي تفرض على النساء المنتقبات غرامات لارتدائهن النقاب فلماذا لا ينتفض مدافعو الحريات عن الدفاع عن حرية المرأة في ارتداء حجابها؟ ولماذا قضية الحجاب هي القضية الوحيدة التي يهتم بها هؤلاء فلماذا لم نجد من يدافع عن حقوق النساء الأقباط في الطلاق مثلا؟ ولماذا لم يهاجم هؤلاء الكنائس التي تفرض الحجاب داخل القداس أو ينتقد اليهوديات المحجبات في أمريكا؟ ولكن نجد التهكم كل التهكم على الشريعة الإسلامية وظلمها المرأة إن الشريعة الإسلامية هي الشريعة التي لا تظلم المرأة وهي التي خلّصتها من القيود الجاهلية وكرمتها وتحاول أن تجعلها عفيفة وسط مجتمعها.

إن إصلاح المجتمعات من الظواهر لابد أن يكون بإصلاح كافة أطراف المشكلة وليس بالتحامل على طرف واحد فإن كان من يتشدق بمحاولة حل هذه الظاهرة فيجب أن يجد حلا متسقًا مع منظومتنا القيمية والأخلاقية وعدم اتخاذ نماذج مختلفة عنا في القيم والأخلاق ومحاولة تطبيقها عندنا فإن تأملت النظام الأخلاقي في الإسلام ستجده هو النظام الأسمى لحفظ المجتمع واستئصال الظواهر غير الأخلاقية وأنه يدافع عن المرأة في جميع قضاياها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد