يحدث في عالمنا الصاخب أن تجد الإنسان يحيا وقد يموت دون أن يتأمل أو يتفكر في الحكمة من الاختلاف بكل شيء ابتداءً ببني جنسه، ولو كان بالإمكان أن يعيش الإنسان حياة ثانية في هذه الدنيا لعاشها بشكل وبفهم أفضل، بعيدا عن التعصب المذموم والمؤذي.

وهب الله بني آدم آلة عظيمة هي ذلك العقل الجبار، لا ليتم تعطيله بل لتشغيله والاستفادة من كل إمكانيته، قد يبدو هذا الكلام قديما عند البعض! ولكنه متجددا في كل حين وبالذات في هذا الوقت الراهن الذي يختلط به الغث والسمين من كل شيء (المعلومات، الأخبار، التاريخ، السياسة…) لذا نحن بحاجة لعقولنا أكثر من أي وقت مضى، لكي نواجه بها سيول تجرفنا نحو هاوية العنصرية والطائفية وبغض بعضنا لبعض باسم الدين، الولاء، القبيلة…

لم أنس مشهد ذلك الشاب في المملكة العربية السعودية الذي استدرجه ابن عمه إلى الصحراء ليقتله وهو معلنا أنه أحد جنود أبي بكر البغدادي، ويبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وذلك المغدور يذكره بصلة القرابة التي تجمعهما ويرجوه بأن لا يقتله. ذلك المشهد لا يبرح بالي.

ذلك القاتل ارتكب جريمة قتل دون أن يتحرك ضميره أو حتى عاطفة تشفع لضحيته! كيف اقتنع بأنه بقتله لصاحبه، الجنة تنتظره؟! كيف أقتنع.. واستعد للتنفيذ دون أن يساوره شك في أنه قد يكون على خطأ!

ما كان ليقدم على ذلك الفعل الشنيع أو حتى يقتنع هو ومن كان على شاكلته وإن كان متخرجا من أرقى الجامعات، لولا أن فكره يفيض بالجهل اللازم لتطويعه وجعله أداة بيد المجرمين.

تلك القصة هي غيض من فيض، ويوجد ماهو أقسى منها!

قد ترفض المرأة أن تصادق تلك التي لا تشبهها لأنها لا ترتدي الحجاب مثلا، أو قد يمتنع أحدهم من الاقتراب من ذلك الشخص الذي يتبع طائفة غير طائفته، إذا كان خالقنا قد خلق هذا الاختلاف بيننا كبشر، وسنبق كذلك إلى أن تقوم الساعة، فما الذي سيضيرك! إن كنت تعتقد أنك على حق وأنك من أهل الفرقة الناجية؟! كن كما أراد خالقك منك أن تكون.

ماذا يستفيد أحدنا عندما يتجهم بوجه الآخر الذي يختلف عنه؟!

اختلف عنه، ولكن لا تتخالف معه على أمور قد لا تفيدك في الدارين، كن سفيرا لما تعتقد بأخلاقك وتقبلك لغيرك بكل ما فيه، وتذكر بأنك لا تملك الحقيقة المطلقة.. لا سيما إن كنت من الذين يتبعون كل الطرق بالوراثة.

فكر بالمستفيد الأول من تغذية الفتن واشعالها بحطب التعصب الأعمى وعواطف البعض المندفع، فكر بالحياة فهي فرصة جميلة بكل ما فيها، لنكرس هذه الثقافة بدلًا عن ثقافة الموت التي لا تبني، والكُره الذي يجعل للإنسان أُفقا ضيقا غير قادر على العطاء والانفتاح. ولا يمكن للأوطان أن تنهض وبعض أهلها يرى بأن الجنة قد خُلقت له ونار جهنم لغيره، لا يمكن للإنسان أن يرتقي عندما يتملكه الغرور ويرى نفسه الأفضل أو يظن بأنه هو محور الكون.

أحيانا تتدلى لك إشارات  مضيئة تريد أن تدلك على مفتاح بداية الطريق، ناتجة من شجرة العقل، تأملها طويلا لا تتجاهلها وتمضي.. ربما تجد فيها ضالتك. ولا تكن كمن قيل فيهم ( عجبت لقومٍ يساقون إلى الجنة بالسياط).

لا تكسب الأعداء بعدم مرونتك وفي استطاعتك أن تجعلهم من ضمن الأصدقاء! وكن صاحب مبدأ غير قابل للذوبان، وابق بجانب الحق الذي تطمئن إليه نفسك دون أن تخالطه أهواؤك.

استمع لنداء عقلك متسلحا بالعلم، ولصوت ذلك الإنسان الخيّر الذي بداخلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد