لا يوجد شخص على هذه الأرض عاش بلا عراقيل أو معوّقات لأهدافه، وكثير منّا تعرّض للصدمات واحدة تلو الأخرى، وعانى من المحبّطات والمثبّطات، وعارضته رياح الظروف وكسرت أغصانه، جميلٌ هو هذا الصمود بوجه أي تحدٍّ تتلقاه أو تواجهه، ورائع هذا الصبر والثبات وقوة التحمّل، ولكن أليس من الحريّ بنا ألا نُهلك أنفسنا في معارك إن انتصرنا فيها فسننتصر ضعافًا مكسورين؟

لا أجد مسوّغًا يدفعنا للتفكير بعقلية الشجرة التي تقاوم الريح فتثبت ساقها وجذورها في الأرض، بينما تواجه أغصانها والأوراق عتاوة الرياح وضرباتها، تتساقط الأوراق فلا مشكلة عندنا ما دامت الساق صامدة، تتكسّر الأغصان وتقع على الأرض، وتبقى الشجرة صامدة صابرة حتى تملّ الريح وتهدأ، عندها تعلن الشجرة نصرها المزعوم وقد فقدت اخضرارها ورونقها، وضحّت بأوراقها وثمارها وأغصانها، وغادرتها علامات الحياة حتى صارت تستجدي ربيعًا ينقذها.

المهم في نظر الشجرة أنها ما زالت صامدة تضرب جذورها في عمق الأرض رافضة أن تتحرك أو تتزحزح من أرضها، وتعلن نصرها بعد أن أحالتها الرياح إلى كومة خشب يابس منتصب على الأرض، وقد غادرتها شتى أصناف الحياة ونزعت ثوبها الزمردي. الشجرة مُجبرة على البقاء بأرضها مهما خسرت وضحّت، أما أنت أيها الإنسان فما الذي يجبرك على تلقي الصفعات في مكانك، وتحمّل النكسات والنكبات.

تحرّك! فأنت لست شجرة

إن واجهتك صعوبات وضغوطات في عملك، أو ابتزّك صاحب العمل مستغلًا فقرك وغربتك وحاجتك فلا تصمت، إنما اترك العمل وبدّله وابحث عن غيره، وستجد عملًا أفضل ورزقًا أوسع وراحةً أكثر.

لست مضطرًا للمداهنة والنفاق وأن تلبس وجهًا غير وجهك لتبقى في مكانك، لست مجبرًا على السير إلى جانب الجدران وطلب السترة، ولا توجد قوة بشرية تغلب يقينك بأنّ الله خلقك كريمًا حرًا، ولم يجعل لمخلوق على مخلوق سلطةً تجور عليه وتظلمه ولا يملك حق ردها ورفضها بل أذن الله لك أن تنتفض.

لست شجرة لتتحمّل الأزمة النفسية التي يخلّفها واقعك، وروحك التي تفقد نضارتها كلّ ليلة ليس أوراقًا وأغصانًا تتساقط منك، إنها الروح التي إن سقطت ثقل عليك حملها، وإن انكسرت تعسّر عليك جبرها، وإن تردّت استحال منك إنقاذها، فلا تفرّط بها.

لست شجرةً تتحمّل حر الصيف ولهيبه، وتصارع رياح الخريف وغباره، وتخيفك رعود الشتاء وتبللك أمطاره منتظرًا الربيع الذي يأتيك متأخرًا ويغادرك باكرًا، اجعل فصولك كلها ربيعًا ولا تستجب لتغيرات الجو من حولك.

ألم تلحظ أن الطير تهجر ديارها وأعشاشها بمجرد أن يسوء الجو، حتى في مثال الشجرة الذي طرحناه ألا تغادر الطيور عشها المعمور بين أغصان هذه الشجرة وترحل باحثة عن مكان أكثر أمنًا؟ فلماذا نعيش دور الشجرة ولا نعيش دور العصفور؟

هل الهروب من المواجهة هزيمة؟ ليس دائمًا، بل ربّما يكون النصر بأن تعود للخلف قليلًا، فرسول الله سمّى جيش المسلمين في مؤتة بالكُّرار وأكرمهم واحتفى بهم، وكانت معركةً تُحسب لخالد بن الوليد رضي الله عنه بأنه عاد بجيشه سالمًا وأنقذه من الهلاك، وقبل الحديث عن مؤتة أليست الهجرة النبوية بحد ذاتها دليلًا واضحًا أن أسلوب الشجرة أسلوب غير مجدٍ ولا يسمى انتصارًا، وأن الحكمة لا تكمن في تحمّل ثلاثة فصول من السنة لتسعد في الرابع، بل الحكمة وعين الحكمة أن تبحث عن ربيعك في كل يومٍ وتصنعه بنفسك.

الخير دائمًا في سلامة روحك وعقيدتك وجسدك وكلّ ما يزعزع هذه السالمات ويؤذيهنّ فاهجره ولا تبتئس، واحذر من الصمود أمام الرياح العاتية فإنّ الرياح ستزول وتنتصر أنت، لكنّك تنتصر مكسورًا ضعيفًا، فلا تجازف بصلابتك فالله خلقنا بشرًا لنتحرك لا أشجارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات