الكلمات المفتاحية: الجيوسياسية،الجيوعسكرية،الجيوستراتيجية،الجيوإقتصادية،العقلنة السياسية، روسيا- بوتين، تركيا –أردوغان،الهيمنة الأمريكية، أوكرانيا، البحر الأسود،أنابيب نقل الطاقة « الغاز الطبيعي والنفط”.

هدف البحث: هو التوصل إلى معرفة الإطار العام لمدى قوة أو ضعف العلاقة الجيوستراتيجية بين تركيا وروسيا، لمساعدتنا كعرب على فهم وتحديد مساحات وحدود تلك العلاقة لقياس حجم أنعكاساتها على القضايا العربية. مع الاخذ بنظر الاعتبار ان باب البحث في هذا الموضوع شديد الاهمية يتطلب الاستمرار في المتابعة لتغطية الجوانب التي لم يغطها هذا البحث.

أهمية البحث: تعيش المنطقة العربية ظروفًا وتحولات إقليمية ودولية تستدعي البحث والمتابعة لقياس مدى انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الدول العربية، فقد شهدت العلاقات السياسية مؤخرًا بين موسكو وأنقرة توترات بسبب الأزمة السورية اعتقد البعض أنها قد تصل حد القطيعة التامة وربما الصدام العسكري في أسوأ الظروف داخل سوريا، لذلك يجد الباحث أن أهمية فهم طبيعة العلاقة الروسية التركية من الأمور المهمة في فهم إنتاج السياسات الاستراتيجية لكلا البلدين، وتأثر المنطقة العربية بها بطبيعة الحال. يعتمد الباحث منهجية الربط والتحليل لمعطيات وأحداث منتخبة شهدتها العلاقات الروسية التركية.

توطئة

يُقال إن نابليون قد قال يومًا أن معرفة جغرافية الدولة تعني معرفة سياستها الخارجية. بناءً على ذلك يصح القول إن الطبيعة الجغرافية المترامية الأطراف لروسيا «الأوراسية» فرضت واقعًا حتميًا بأن يكون ذلك البلد منافسًا إمبراطوريا تقليديًا للإمبراطوريات الاستعمارية التوسعية على مر التاريخ. التحولات التاريخية السياسية والاجتماعية التي مرت على تلك البلاد خلال فترات حكم الإمبراطورية القيصرية ثم الاتحاد السوفيتي وصولًا إلى روسيا الاتحادية، سواء ضعفت شوكة تلك البلاد أو قوت بسبب ظروف معينة، إنما تبقى تلك الحقيقة قائمة ومؤكدة.

وفي الإشارة إلى دور الجغرافية في صناعة الأحداث الكبيرة أو التأثير في صناعتها على أقل تقدير، نسلط الضوء على إحدى الأسباب التي جنبت الولايات المتحدة الدمار الهائل الذي لحق بعواصم ومدن أوروبية خلال الحرب العالمية الثانية، ألا وهو الموقع الجغرافي للولايات المتحدة البعيدة نسبيًا عن ساحات الحرب الرئيسة في أوروبا وآسيا وإفريقيا والذي جنبها القصف الجوي المكثف، إضافة لظروف وعوامل ساهمت في أن تخرج الولايات المتحدة من الحرب بأقل الأضرار والخسائر وظهورها كقوة عالمية عظمى.

تحدث زبغينو بريجينيسكي في كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى» حول فرضية السيطرة على القارة األأوراسية مستندًا بذلك على نظرية «منطقة القلب» التي قال بها هارولد ماكايندر أحد أبرز المحللين، والذي قاد النقاش مطلع القرن العشرين بمفاهيمه المتعاقبة عن المنطقة المحورية في أوراسيا وتقوم النظرية على التالي: «من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على منطقة القلب، من يحكم منطقة القلب يسيطر على جزيرة العالم، من يحكم جزيرة العالم يسيطر على العالم كله».[1]

وتحدث الدكتور أنور ماجد عشقي – رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية – بشيء من التفصيل عن نشأة تلك النظرية، في مقالته الموسومة بعنوان «النظريات الاستراتيجية التي تتحكم في السياسة الدولية» قائلًا: «أول من نظر للسيطرة على العالم هو (السير هالفورد ماكندر) البريطاني 1861-1947، في القرن التاسع عشر عندما طرح نظرية «قلب الأرض Heart Land» فجعل للأرض قلبًا وجزيرة، وقال من يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة الأرض ومن يسيطر على جزيرة الأرض يسيطر على الكرة الأرضية. فقلب الأرض هي أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، وجزيرة الأرض هي أوروبا وآسيا وإفريقيا، وهذا ما أخذ به الاتحاد السوفيتي، إذ أنه بعد الحرب العالمية الثانية أحتل أوروبا الشرقية ومن قبل ذلك آسيا.

ساهمت جملة من العوامل الداخلية والخارجية في انهيار الاتحاد السوفيتي، منها على سبيل المثال: الاحتلال السوفيتي لأفغانستان (1979 – 1989) التدهور الاقتصادي، الثورات في أوروبا الشرقية «دول الستار الحديدي» خلال الأعوام 1989 – 1991، التي كانت تشكل مجالًا جيوبوليتيكيا للسوفيت.

عقب انحلال الاتحاد السوفيتي وخروج مجموعة كبيرة من الأقاليم شكلت دولًا مستقلة، انكفأت روسيا على نفسها فترة من الوقت شهدت خلالها تجاذبات سياسية داخلية تركزت على ماهية شكل وهوية الدولة ما بعد السوفيتية، استثمرت خلالها الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة «القطب الأوحد» تلك الظروف وركزت جهودها مع حلفائها الأوروبيين تجاه الدول الناشئة حديثًا عبر تقديم الدعم والمساعدة في تثبيت دعائم الدولة وتكريس الشعور القومي لدى تلك الشعوب، لضمان استقلالية تلك البلدان عن الروس في المستقبل.

العلاقة الجيوسياسية الروسية – التركية

تاريخ العلاقة السياسية بين البلدين لم يكن وديا أو مستقرا على الإطلاق خلال القرون الماضية، فقد شهدت فترات حكم الإمبراطوريات العثمانية – القيصرية نزاعات مسلحة على مناطق النفوذ والمجالات الحيوية الهامة لكليهما، فقد خاض العثمانيون والروس خلال الفترة التاريخية الممتدة من 1568 – 1917 سبعة عشر حربًا على الأقل [2]. شكلت تلك العلاقة العدائية التنافسية السبب وراء انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، والذي تأسس عام 1949 للدفاع عن أوروبا الغربية ضد السوفيت وحلفائهم خلال الحرب الباردة، فضلًا عن حماية الولايات المتحدة عندما طالب ستالين بأراضٍ من تركيا وعلى قاعدة في مضيق البوسفور في عام 1945.

بيئة التنافس الجيوسياسي على زعامة منطقة البحر الأسود

كان البحر الأسود بحرًا تركيًا داخليًا حتى القرن الثامن عشر تقريبًا، وبعد أن رسّخت الإمبراطورية الروسية (ثم الاتحاد السوفييتي) تواجدها ووسعت أراضيها عند شواطئ هذا البحر، أصبح الوضع في هذه المنطقة يتحدد من خلال مواجهتها مع الإمبراطورية العثمانية (ثم تركيا) التي عادة ما كانت تقف وراءها القوى الغربية الكبرى، وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت تركيا عضوًا في حلف الناتو، أما رومانيا وبلغاريا فقد انضمتا إلى منظمة اتفاقية وارسو (حلف وارسو) بزعامة الاتحاد السوفييتي، وحددت هذه المواجهة استقرارًا نسبيًا للوضع الجيوسياسي، فقد كانت منطقة البحر الأسود بعيدة عن مسرح السياسة الدولية، لكن الوضع الجيوسياسي في منطقة البحر الأسود تعقد عقب انهيار المنظومة الاشتراكية وظهر في المنطقة لاعبون جدد مثل جورجيا وأوكرانيا، وتعود لأوكرانيا مع شبه جزيرة القرم نسبة 37.5% من الخط الساحلي للبحر، في حين لا تتجاوز حصة روسيا 10.9%.[3]

قبل عام 1991، كان البحر الأسود منصة الانطلاق لبسط النفوذ البحري الروسي في البحر الأبيض المتوسط، لكن في منتصف التسعينات لم يبق لروسيا سوى شريط ساحلي صغير على البحر الأسود، إذ أن استقلال كل من أوكرانيا، ودول القوقاز: (جورجيا، أرمينيا، أذربيجان) حرم روسيا من موقعها المتحكم في البحر الأسود وبحر البلطيق، في الوقت الذي كان نفوذ الولايات المتحدة والغرب يتعاظم فيه من خلال المناورات البحرية والساحلية المشتركة بين أوكرانيا وحلف الناتو، والدور التركي المتنامي في منطقة البحر الأسود.

الاستراتيجية «الجيوعسكرية» الأمريكية تجاه منطقة البحر الأسود تقوم على ضرورة التوسع من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية وللناتو في المناطق الساحلية لدول أوروبا الشرقية وتركيا لإحكام السيطرة على المنطقة البحرية الحيوية النافذة على البحر الأبيض المتوسط وإحكام الخناق على روسيا، كذلك أهميتها للعمليات الأمريكية في العراق وأفغانستان، ظهر ذلك الأمر جليًا من خلال الصفقة التي تمت بين رومانيا وبلغاريا مع الولايات المتحدة بكسب موقفها الداعم للدولتين المطلتين على البحر في انضمامها للاتحاد الأوروبي مقابل إقامة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهما، ولعب دور حيوي خدمة للمصالح الأمريكية الغربية ضد روسيا.

شهدت الفترة الاخيرة جملة تحولات سياسية تشكلت بناءً على سياسات تراكمية قد يكون من شأنها تغيير طبيعة المعادلة في تلك المنطقة الاستراتيجية. في الوقت الراهن هناك محددات رئيسية عامة أطرت طبيعة العلاقة الجيوسياسية بين موسكو وأنقرة دون إغفال للحقائق التاريخية للصراع بين القوتين، لكن حجم المصالح المشتركة والتحديات المحيطة بالبلدين من شأنها أبعاد شبح الحرب من فرشة الخيارات المطروحة، وذلك يتم على حساب الولايات المتحدة، ولصالح روسيا وتركيا معا، يبدو أن تراكم التجارب لدى البلدين خلال فترات الحروب والتحالفات الدولية أوصلتهما لأرضية مشتركة يقفان عليها، تلك المحددات تتجسد في شخصية كل من الزعيمين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، كلاهما يحملان صفات سلوكية وسياسية متقاربة، يجيدون استخدامها في تطوير العلاقات الدولية وإنتاج الظروف في مواجهة الغرب والولايات المتحدة، يمكن تلخيصها في «النزعة التوسعية لكلا البلدين والشعور بالهيمنة الأمريكية الغربية».

ترى روسيا أنها أصبحت محاربة اقتصاديًا من قبل الولايات المتحدة بسبب دعم الأخيرة لمشاريع تطوير نقل الطاقة من دول القوقاز إلى أوروبا دون التنسيق مع موسكو بهدف انتزاع الدول الآسيوية من دائرة النفوذ الروسي، محاربة سياسيًا من خلال دعم واشنطن تقارب أوكرانيا مع الغرب وتشجيعها انضمام كييف للاتحاد الأوروبي على حساب روسيا، كذلك أصبحت تشعر بأنها قد تكون مستهدفة عسكريًا من خلال القواعد الأمريكية وحلف شمال الأطلسي المنتشرة على البحر الأسود، فضلًا عن الصراع المصيري في سوريا، والتي تعتبر نافذة موسكو الوحيدة المطلة على البحر المتوسط بأسطولها العسكري في طرطوس.

أما تركيا التي خابت كل مساعيها للانضمام للاتحاد الأوروبي بدأت تشعر بأن الطريق بات مسدودًا أمامها للاندماج مع الأوروبيين، حتى بدى أنها أرادت من خلال سماحها للاجئين العبور إلى أوروبا، إشعار الأوروبيين مدى أهمية الدور التركي الذي يمكن لها أن تلعبه في حال تم قبول عضويتها في الاتحاد، لكن يبدو أن الأتراك فهموا الأمر متأخرا، فأوروبا لن تسمح بدخول تركيا «الإسلامية» للاتحاد وتحظى بمزاياه الكبيرة، ومنها على سبيل المثال: سهولة التنقل،الإقامة والتجنس. خاصة أن تركيا يحكمها حزب ذو طابع إسلامي عصري أثبت حضوره على المستوى التركي على أقل تقدير، فضلا عن شعور أنقرة أن السياسة الغربية قد تتخلى عنها في أي وقت، وسيناريو الانقلاب العسكري عزز تلك الفكرة لدى الأتراك إلى حد بعيد. تلك أبرز الأسباب التي حملت تركيا على إعادة إنتاج خطابها السياسي وقواها الناعمة وتوجيهها بالأساس نحو العالمين الإسلامي والعربي، بالتالي ستكثف السياسة التركية العمل على مد نفوذها للمناطق الإسلامية، خاصة تلك التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، بهدف خلق مجال حيوي جيوسياسي باستخدام الخطاب الإسلامي السياسي المعتدل.

أطر التقارب الروسي – التركي

موسكو تدرك جيدًا أسباب عرقلة الأوروبيين انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وحجم الشعور المتنامي بالسخط والانزعاج لدى الأتراك تجاه القادة الغربيين، كما تعلم موسكو علم اليقين أن ابتعاد تركيا عن الأوروبيين يعني تقاربها مع الروس، والعكس صحيح، لذلك بوتين لا يراهن على تركيا العلمانية بقدر رهانه على أردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم فيها، لعلمه أن تركيا الإسلامية لن تجد لها مقعدًا في الاتحاد الأوروبي، والأيديولوجية الإسلامية التي يتبناها أردوغان وحزبه لن تنسجم طويلًا مع الغربيين، فالديمقراطية على الطريقة الغربية غير ملائمة للتعبئة الإمبراطورية، وأردوغان مشروعه إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية كما يظهر في بعض مواقفه على أقل تقدير، كما الحال بالنسبة لبوتين إحياء أمجاد الإمبراطورية السوفيتية. وهذا يفسر إسراع الرئيس الروسي في مكالمة نظيره التركي عقب فشل الانقلاب مستنكرًا المحاولة التي قام بها الجيش التركي، الحلقة الأقوى في علاقة تركيا مع الناتو، ضد أردوغان، على الرغم من القطيعة التي كانت بينهما بسبب التوترات بين البلدين بعد حادثة الطائرة الروسية، التي لا وزن حقيقي لها في ميزان المصالح الجيوستراتيجية، فضلا عن أن بوتين يشعر بالضيق من الناتو، بالتالي ما حدث لقادة الجيش التركي أوجد ارتياحا روسيا له أهمية كبيرة في موسكو من شأنه تقريب المسافات أكثر من السابق بين أنقرة وموسكو.

على الطرف المقابل، تركيا تدرك جيدًا حاجة روسيا الجيوسياسية أن تكون أنقرة إلى جانبها لا إلى جانب الولايات المتحدة، خاصة في منطقة البحر الأسود الذي تعد تركيا فيه من الدول القادة، وهناك مصلحة ثنائية مشتركة في تلك المنطقة، بالحد الأدنى منها هو الالتزام باتفاقية مونترو 1936 التي تضع قيودًا على الحقوق الملاحية للأساطيل الخاصة بالدول غير الساحلية في البحر، وعلى عكس معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي قيدت سيطرة تركيا على المضائق التركية، فإن معاهدة 1936 منحت تركيا بعض المزايا، حيث أتاحت لها عسكرة المضائق وإدارة الحركة الملاحية إلى داخل المضائق وخارجها، مما يحدّ من تواجد قوات بحرية إلى سفينتين أو ثلاث سفن حربية. وإذا ما حاولت الولايات المتحدة أو حلف «الناتو» تسيير دوريات بشكل نشط ومتكرر في البحر الأسود لردع السياسات الروسية، فإن التطبيق القوي لـ «اتفاقية مونترو» من جانب أنقرة سوف يكون له تأثير على مرونة تلك العمليات. على الرغم من ذلك فمن المتوقع على المدى المنظور أن تستمر السياسة التركية في إظهار شكل من الموازنة في العلاقات الدولية مع الولايات المتحدة وروسيا، لكن من المؤكد استمرار حاجة الأتراك للروس وتعاظم المصالح الجيوستراتيجية المشتركة بينهما.

روسيا وتركيا تدركان جيدًا أن لغة الحوار التي تقوم على أساس المصلحة الجيوسياسية بينهما، بعيدًا عن التدخلات الخارجية القادمة من جهة الولايات المتحدة، أو حلفائها الذين يلعبون أدورًا بالوكالة لصالح واشنطن، أفضل لكلا البلدين من الاستمرار في سياسات التصعيد والمواجهة، التي قد تصل إلى مراحل خطيرة وتتنوع فيها أدوات المواجهة، منها على سبيل المثال، في روسيا يصل عدد المسلمين إلى 28 مليون من «التتار، الأنغوش والشيشان»، يشكلون تقريبًا 20% من عدد السكان، فضلًا عن الشعوب المسلمة المجاورة لروسيا، تخشى موسكو أن تستخدمهم تركيا ضدها إذا ساءت الأمور ووصلت حد الصراع المسلح، أما في تركيا يوجد الأكراد ويبلغ تعدادهم من 10-15 مليون، يشكلون 15-20% من السكان، والملف الكردي يعتبر ملف أزمة للدولة التركية بالاساس تتمثل في حزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يخوض معأرضة مسلحة ضد الدولة، ولهم صلات وثيقة مع الأكراد في العراق، إيران، وسوريا.وبالفعل قد أستخدمتهم روسيا مؤخرًا كورقة ضغط ضد تركيا خلال الأزمة بين البلدين، وأستخدمتهم في سوريا ايضًا.

الرؤية الأمريكية في احتواء روسيا

قائمة أساسا على دفع روسيا نحو إجراء عملية تقارب وتعاون تليها شراكة مع أوروبا الغربية، بهدف وضع روسيا في إطار أوربي يقع تحت السيطرة الأمريكية غير المباشرة، من خلال ربط روسيا بجملة مصالح إقتصادية،سياسية، أمنية من شأنها «تغريب» النظام الروسي. وذلك السيناريو لا يتحقق إلا عندما تكون أوكرانيا خارج دائرة النفوذ الروسي وداخل دائرة النفوذ الأمريكي الأوربي إلى حد بعيد، لحمل الروس على التنازل عن حُلم النفاذ إلى أوروبا عبر أوكرانيا بمشروع وإرادة روسية. يقول بريجينيسكي «إن قيام إمبراطورية روسية بدون أوكرانيا يعني على روسيا أن تصبح أكثر آسيوية وأكثر أبتعادًا عن أوروبا».[4]

في نفس السياق، أعلن وزير الدفاع الأمريكي في شهر تموز عام 1996 قائلًا: «ليس بوسعي المبالغة في أهمية أوكرانيا كدولة مستقلة بالنسبة لأمن وإستقرار أوروبا بأجمعها» في حين ذهب مستشار المانيا في شهر أيلول من العام نفسه قائلًا: «مكانة أوكرانيا الراسخة في أوروبا لم تعد عرضة للتحدي من قبل أي طرف كان.. ولن يكون بوسع أحد بعد الآن أن يعترض على إستقلال أوكرانيا وسيادتها على أرضها».

على الطرف الآخر، روسيا لها رؤية خاصة تجاه أوكرانيا التي تعدها متصلة بأمنها القومي المباشر، ويعتقد الروس ان إنشغال الولايات المتحدة في حروب العراق، أفغانستان، سوريا وتركيز إهتمامها هناك، يشكل فرصة سانحة للسيطرة على أوكرانيا، وهذا ما حصل عام 2014 عندما أستولت القوات الروسية على معظم شبه جزيرة القرم، أي تقدير ردود الفعل الأمريكية بناءً على قدراتها والحسابات المرتبطة بها، وهذا ربما يضع تفسيرًا على ظاهرة عبور الالآف المقاتليين الشيشان إلى سوريا للمشاركة في القتال ضد النظام السوري، والذي من المؤكد انه لم يحدث بدون علم المخابرات الروسية ولم تسمح به طوال سنوات إلا لحسابات معينة قد يكون من بينها: المزيد من التوريط للولايات المتحدة في تلك الأزمة وإشغالها عن التحركات الروسية تجاه أوكرانيا، كذلك تخلص الروس من أكبر عدد ممكن من المقاتلين الشيشان بأرسالهم للمحرقة السورية.

إيجاد تحالفات إقليمية ودولية صلبة لمواجهة الهيمنة الامريكية يشغل إهتمام الروس بأستمرار منذ إنهيار الاتحاد السوفيتي، ففي مطلع العام 1996 سعت موسكو نحو تأسيس شراكة إستراتيجية مع الصين وإيران، وأنصبت خلال تلك الفترة مساعي وزير الخارجية الروسي يفغيني بريماكوف على محاولة إقامة تحالفًا «مضاد للهيمنة» يضم القوى الثلاث التي تمتلك المصلحة الجيوسياسية الأكبر في تقليص سيادة أمريكا في أوراسيا، لكن هكذا تحالفا إستراتيجي كان يصطدم بعقبة عدم توفر الأمكانات الكافية لأقامته في مواجهة الهيمنة الأمريكية، إضافة إلى ان موسكو كانت تخشى في ذلك الوقت ان تفقد موقع الزعامة لصالح الصين القوية إقتصاديًا. وهذا الأمر يفسر جانبًا من جوانب الاتفاق الأمريكي – الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية عن طهران وتسوية الملف النووي، فضلا عن الشراكة «الخجولة» بين واشنطن وطهران في الحرب على الإرهاب في «سياسة» أمريكية تهدف إلى تحييد الموقف الإيراني وإبعاده عن الانخراط في «الطموح» الروسي تدريجيًا من خلال ربط الايرانيين بسلسلة مصالح دولية وإقليمية، وربما تقديم بعض التنازلات التي قد تكون على حساب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص.

العلاقة الجيواقتصادية الاستراتيجية

أعقاب أزمة الغاز بين روسيا وأوكرانيا 2007-2008 وتطوراتها صرح نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في قائلا: «روسيا تبتز بشكل أساسي بلدًا وقارة بالغاز الطبيعي» رافق ذلك تنامي إرادة تأمين أوروبا من النفوذ الروسي، فبدأت الجهود لإحياء مشروع «نابوكو» الذي يؤمّل أن يوفّر الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى والبحر الأسود وبحر قزوين، مرورًا بتركيا «ترانزيت» أمن من النفوذ الروسي ، ومنها إلى بلغاريا ورومانيا، على ضوء ذلك أعتبرت موسكو هذا المشروع بمثابة «عدوًا للمصالح الروسية» ففي عام 2007 اتفق فلاديمير بوتن مع زعماء تركمانستان على بناء خط أنابيب جديد شمال روسيا، ليحرم نابوكو من إمدادات غاز محتملة، وفي ذلك العام ذاته سافر بوتن إلى تركيا ليعقد اتفاقية مشروع «السيل الجنوبي»، عقب ذلك وقعت حكومات أوربية إتفاقية مع أنقرة بشأن خط أنابيب «نابكو».بينما دشّنت القمة التاسعة لمنظمة التعاون الاقتصادي بين دول البحر الأسود الصورة النهائية لفكرة خط أنابيب الغاز «السيل الجنوبي»، وتمّ ذلك بعد التعهد بأن تمر الأنابيب بالمياه الإقليمية التركية، وفي يناير 2009، أعرب رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب إردوغان عن أن بلاده قد تنسحب من مشروع نابوكو إذا ما استمرت المعوقات لبدء محادثات انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي.[5]

جو بايدن قد أصاب عندما قال ان روسيا تستخدم «الابتزاز بالغاز الطبيعي» لكن على ما يبدوا أنها إستراتيجية روسية أكثر من كونها موقفا سياسيًا مؤقت، حيث يرى بوتين ان بلاده لا يمكن ان تتحول إلى الطريقة الغربية كما تريدها واشنطن وان عليها ان تجد طريقها الخاص بها في هذا العالم. ويتضح من هذه الفكرة ان الروس أعادوا إنتاج رؤية جيوإقتصادية إستراتيجية تعمل على توسيع رقعة نفوذهم الجيوسياسي الإستراتيجي خلافًا لما كان عليه الحال في عهد السوفيت باستخدام الأيديولوجيا في توسيع النفوذ السياسي.

توقعت شركة «British Petroleum» البريطانية أن يزداد استخدام الغاز لانتاج الطاقة في الدول الأوروبية من نسبة 40% الحالية إلى60 % عام2030، مع توقع تضاعف واردات أوروبا من الغاز بحلول2030 نتيجة لذلك، أما روسيا صارت تزوّد الدّول الأوروبيّة بأكثَر مِن 80 % من الغاز الطبيعي ونصف النفط. لذلك نلاحظ أستخدام الروس سياسة التلويح بأيقاف تصدير الغاز الطبيعي أو التهديد بالطاقة كلما أندلعت أزمة مع دولة ما، والأزمة الروسية – التركية مؤخرًا كانت دليلًا واضح على تلك السياسة. فتركيا تستورد نحو 55 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي و 12 في المائة من احتياجاتها من النفط من روسيا. وبحسب تقديرات إقتصادية إضافية نشرتها صحيفة خبر ترك ان تركيا تستورد من روسيا سنويًا 50 مليار مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما نسبته 27% من حجم الغاز الطبيعي الروسي الإجمالي، وبذلك تُعتبر تركيا المستورد الثاني للغاز الروسي، بينما تعتبر روسيا المُصدر الأول للغاز الطبيعي لتركيا.

وتكشف الصحيفة في تقريرها «مصادر الطاقة الخاصة بتركيا»، أن تركيا تؤمن حاجتها من الغاز الطبيعي من خلال استيراد ما نسبته 58% من روسيا، و19% من إيران، و 9% من العراق، و9% من الجزائر، و3% من نيجيريا. ويشير البروفسور المختص في هندسة المعادن «علي كهريمان»، في مقال بصحيفة «ملييت» بعنوان «استراتيجية تركيا للطاقة»، إلى أن «تركيا توفر حاجتها للطاقة من مصادرها المحلية بنسبة ¼ فقط، بينما تستورد الثلاث أرباع الأخرى من الدول الأخرى وتشكل مصادر الطاقة الروسية ما نسبته 1/3 من كميات الطاقة المستوردة». فضلا عن التدفق الكبير للسياح الروس وإلى الاستثمارات والصادرات والإنشاءات التركية وصفقات العقود الأخرى التي تشمل روسيا. وتلك المعطيات من الأمور التي تفسر طبيعة الموقف التركي المرن تجاه التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا والسيطرة على معظم شبه جزيرة القرم. [6]

عقلنة السياسة الروسية – التركية

تداخل المصالح الجيوسياسية والجيواقتصادية مع بعضها إلى حد كبير كما في الحالة التركية – الروسية، «روسيا بوتين – تركيا أردوغان» أدت في طبيعة الحال إلى إيجاد أرضية تفاهم مشتركة بين الطرفين قائمة على أساس مصالح جيوستراتيجية تؤدي لـ» عقلنة «العلاقة الروسية – التركية» من خلال البحث في المشتركات أكثر من الاستغراق في المفترقات، خاصة أنها لا تخدم أي منهما، لكنها في نفس الوقت تقدم خدمات مجانية للولايات المتحدة، التي أصبحت مصدر ضيق وقلق للزعيمان بوتين وأردوغان.

نجد ان هناك رغبة مشتركة لدى البلدين في إيجاد مجالات للتعاون من شأنها أضعاف الهيمنة الأمريكية في الاقليم، فعلى سبيل المثال، عقب إعادة العلاقات بين موسكو وأنقره تم الحديث عن دعم إعادة العمل بخط الانانبيب المشترك بين البلدين (تركيش ستريم) الذي يسمح لروسيا بتصدير الغاز الطبيعي دون المرور بأوكرانيا،وتهدف هكذا مشاريع لإيصال الطاقة (الغاز الطبيعي، النفط) لأوروبا وإسرائيل دون المرور بأذربيجان والمناطق الواقعة تحت النفوذ الأمريكي الغربي أو التخفيف من وطأتها على أقل تقدير.

التقاء المصالح الاستراتيجية بين البلدين بسبب طبيعة الجغرافية والتأريخ لكلاهما، إضافة للنزعة السياسية الطموحة لدى بوتين – أردوغان والنظرة المشتركة في كثير من الجوانب تجاه الولايات المتحدة «الهيمنة الغربية» وشعور كلا من الزعيمان بالانزعاج من السياسات الغربية تجاه بلديهما، كل تلك عوامل ساهمت بشكل كبير في تقريب المسافات بين موسكو وأنقرة.

الخلاصة

يتضح بناءً على ما تقدم أن طبيعة العلاقة الروسية – التركية تتحرك في فضاء واسع تتحكم فيه حزمة مصالح جيوستراتيجية مشتركة بين البلدين لا تتأثر إلى حد الصدام الصفري بسبب قضايا خلافيه تعد ثانوية في ميزان الحسابات الجيوستراتيجية، كالملف السوري على سبيل المثال، ومن المتوقع زيادة التبعية في السياسة الخارجية التركية لصالح روسيا إذا أستمرت بالابتعاد عن السياسة الغربية. بينما متوقع ان تعيش السياسة العربية مأزقًا جديد في حال أنحيازها الشديد للمعكسر الغربي وسياساته على حساب قوى إقليمية صاعدة (روسيا، تركيا، إيران)، ومتوقع ان تقع ضحية سياسات الطرفين (الشرقي والغربي) بين شد وجذب إذا ما أستمرت الدول العربية في حالة إنقسام وتمزق، فالمطلوب من الدول العربية تقريب المسافات المتباعدة بينها وتوحيد المواقف في مواجهة التحديات الاقليمية والدولية المحيطة بالمنطقة العربية وإيجاد أرضية مشتركة يقف عليها القادة العرب وتكون أساسها المصلحة العربية في ظل التحولات الاقليمية والدولية المحيطة بالمنطقة، ثم صياغة سياسة عربية موحدة وإنتاج مساحة حرة تتحرك من خلالها السياسة العربية دون الإنحياز الكامل لطرف على حساب الآخر، وإعتماد المصلحة العربية في إنتاج السياسات والعلاقات الدولية.

—————————

. زبغنيو بريجنسكي ، رقعة الشطرنج الكبرى ، أمل الشرقي ( ترجمة )  (الاردن : الاهلية للنشر والتوزيع ، 2007 ) ، ص 56. [1]

. سونر چاغاپتاي و جيمس جيفري، ردود فعل تركيا الخافتة على أزمة القرم، معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى،4آذار/مارس2014   [2]

. فلاديمير كولوسوف ، الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة البحر الأسود، روسيا ما وراء العناوين ، 2014-3-27    [3]

. بريجنسكي،المرجع السابق ،ص145 .[4]

. عمر البشير الترابي، روسيا وتركيا في سوريا ألغاز الغاز والنفوذ وحروب الوكالة، المجلة ، 22أكتوبر 2012 ، [5]

. ترك برس، مصادر الطاقة الخاصة بتركيا من منظور جيو اقتصادي، 9 يناير 2016  [6]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد