أن تسعى الدول والمجتمعات إلى الارتقاء وتذليل كافة العقبات أمام المبدعين كي يبدعوا، هذا هو الطبيعي والمفهوم، لكن أن تسعى الدولة بأجهزتها لتحقيق العكس، فهذا والله ما لا يقبله عقل. فيومًا بعد الآخر يتأكد بداخلي أننا في مصر نتآمر على أنفسنا لتشويه كل ما هو جميل، وكأننا لا نعاني كمًّا مبالغًا فيه من القبح والتخلف.

تابعت على مدار الأشهر القليلة الماضية ما يقوم به ثلاثي أضواء الفضيلة: مكرم محمد أحمد، وخيرية البشلاوي، ومحمد فاضل من تراهات وتخاريف تحت ستار حراسة الفضيلة، والحفاظ على ما تبقى من مكارم الأخلاق عند المصريين، فتجدهم تارة يحذفون جزءًا من أغنية «الدنيا ربيع» للسندريلا سعاد حسني بعد أكثر من 40 عامًا على صدور الأغنية، وتارة أخرى يطلق أحدهم لفظًا خارجًا ثم يمر دون حساب.

ما استخلصته من ذلك أننا نواجه سلفية أخلاقية من نوع آخر، هذا النوع لا يرتدي الجلباب القصير ولا يطلق لحيته؛ بل يرتدي بدلة وكرافتة ويفرض وصايته على الفن والإعلام؛ فيقف بالحديد والنار فوق لسان كل إعلامي أو فنان ملوحًا بسلطاته الجائرة التي منحها له النظام الحاكم.

نعم النظام الحاكم، فالبشلاوي ومكرم ومعهما فاضل ليسوا إلا مؤدين لطلبات الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي دعا العاملين في مجالي الإعلام والسينما إلى ضرورة عمل أفلام سينمائية تدعم الأخلاق والقيم الجميلة. وهذا يأخذنا إلى مشكلة أخرى مهمة جدًا، ألا وهي «الحاكم الأب». المدقق يستطيع أن يرى أن النظام الحاكم يمارس دور الأب على الشعب، الأب الذي يأمر وينهى، وينهر أبناءه، ويفرض عليهم رؤيته للصح والخطأ. هذا الأب الذي لا يدرك أن أبناءه قد كبروا وفهموا أن منطق الصح والخطأ أكبر من مجرد رؤيته الضيقة المنبثقة من خلفيته التي بنيت في ستينيات القرن الماضي على مبادئ التجييش والتعبئة الإعلامية والشعارات الفارغة.

ما علينا، فإذا كانت تلك رؤية القائم على الحكم في البلاد، فالخطيئة تقع على كاهل أولئك الذين يتطوعون ويتسابقون لتنفيذها. المدهش في المسألة هي اللغة التي يستخدمها هذا الثلاثي، إذ قرأت في إحدى المرات تصريحًا لفاضل يبرر فيه دور وقرارات لجنة العار للدراما، ويقول: «الدراما المصرية تعيش حالة من الفوضى منذ 2011، والفن لم تنله يد الضبط إلى الآن»! هذه اللغة في تقديري لا يمكن أن تراها إلا في ألمانيا النازية تحت قيادة هتلر، أكيد، لا يوجد إلا معتوه يتحدث عن الفن بلسان الضبط والربط وتمام يا أفندم وصفا وانتباه.

حقيقي أنا مندهش، الآن تذكرت أنهم درسونا في كلية الإعلام جامعة القاهرة مادة علم النفس، وجوهر ما درسناه أن الجمهور ليس كتلة واحدة، إنما هو عدة كتل وفئات مختلفة الأذواق والاهتمامات والآراء، وهذا هو الطبيعي الفطري، فنحن مختلفون وتقييمنا للمنتج الفني أو غيره نسبي، ومن غير الممكن تعيين ثلاثة كهنة لفرض وصايتهم على كل كتل الجمهور.

بمناسبة الوصاية، والعبارات الوطنية الرنانة، وحالة الفزع التي تنتاب البعض من جراء أي عمل فني يتجاوز تابوهاتهم الأخلاقية المغلقة، أتذكر حالة الهلع التي أصابت البعض بعد عرض الجزء الأول من مسلسل «سابع جار»، واستنكار الكثيرين لبعض القضايا التي ناقشها المسلسل، فكيف تذهب فتاة إلى منزل صاحبها وتحتسي البيرة؟! وكيف تسعى فتاة للإنجاب دون زواج؟! وكيف وكيف؟… وكأن هؤلاء المندهشين لا يعيشون بيننا، أو أنهم يعيشون لكن رؤوسهم مدفونة في الرمل. يا أعزائي الحقيقة هي أن مجتمعنا قبيح ومليء بالعفن، يكفيك أن تبحث على محرك «جوجل» في آخر 24 ساعة بكلمات بسيطة كـ«اغتصاب، زنا محارم، يقتل شقيقه… إلخ» وستجد وقائع حقيقية يعج بها مجتمعك المتدين الذي يفزع إذا أزاح عنه أحدهم قناع الفضيلة الذي يخبئ وراءه كل العهر.

يبدو أن آفة حارتنا أن تظل رهينة لأبناء جيل مكرم وفاضل والبشلاوي، أولئك العجائز الذين يرون في الشباب «شوية عيال»، ويرون في الإبداع انحرافًا وخلاعة، ويرون في الحرية فوضى يلزم وأدها، بؤس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد