التاريخ ليس مادة للتسلية، ولا مادة للافتخار والتمجد والتغني، ولا للادخار حتى؛ إنما هو مادة أساسية لا يمكن خطو خطوة نحو فهم المستقبل، أو إدارة الحالي: عتبة المستقبل، من دون الرجوع إلى هذه المادة الثمينة، لكن هذا الرجوع مشروط بأن يكون بأدواتها الأساسية لا غير: وهي التدبر، والفهم، والتجرد، والنقد، والتفاعل، والتساؤل، والشك، والحيرة، وبهذا قد نوفق لفهم مادة التاريخ وتفعيلها.

التَّاريخ ببساطة: هو لحظة زمنية ماضية وقعت في الزمن الماضي، واللحظة التاريخية، والماضي يختلفان، فهناك اللحظة التاريخية التاريخية، واللحظة التاريخية السياسية، واللحظة التاريخية الدينية، واللحظة التاريخية الاجتماعية، والاقتصادية والعلمية… إلى آخر اللحظات التاريخية.

أما الزمن الماضي فهناك أنواع؛ ماضٍ قريب، وماضٍ متوسط، وماضٍ بعيد.
لذا سنسلط الضوء بمصباح ناقد بخلفية علاجية في مقالنا هذا على لحظات تاريخية متنوعة المشارب، ومن سمات الاتزان العقلي والنفسي والخلقي تجنب التعميم، لكن الحقيقة المرة أن السواد الأعظم من عقولنا العربية الإسلامية متيَّمة حد السكارى بما مضى، وهذا خطأ ليس بالهين، وفي نظري يرجع إلى مواطن التنشيئة التربوية بالدرجة الأولى، كما أن هذا السلوك «سلوك عشق الماضي الشاذ» مآلاته ليست باليسيرة، فأبسط ما سيأخذه الشخص العاشق لما مضى سيُكبل عن أي حركة ناقدة صحية أو حتى رؤيتها، ففي نظره أن من رحلوا لن يتكرروا، ولن يأتي كائن مثلهم مهما بلغ من درجة العلم والمعرفة والورع الإيماني، وحتى الشجاعة والإقدام، والمبادرة، وما أُنتج من أدبيات وأفكار لن يستطيع الحاضرون مهما فعلوا أن يؤتوا بمثله ولو اجتمعوا، ففي نظره عقول الماضي من ماء غير مائه، ومن معدن غير معدنه، فهم مبدعون إلى حالة الأسطورة الخيالية وفي كل المجالات الفنية، والجمالية، والأدبية، والعلمية.

سنضرب مثالًا حتى تتضح الصورة ونعرض وجهة نظرنا النقدية. في اللحظة التاريخيةِ السياسية قلنا: إن من إشكاليَّاتِنا الأخلاقية معشر المسلمين أننا نادرًا ما قامت لنا قيامة دون احتراب دموي سافك، فالدولة الأموية قامت بالعنف، والعباسية على النمط نفسه، إلى أن وصلنا إلى زمن الخلافة المباركة العثمانية.

هي كذلك لم تسلم من هذه الخطيئة الملازمة لقيامنا، ولو في في بعض الرقع والأماكن، ففي عام 1516م وقعت معركة: دابق بين العثمانيين، والمماليك لتكسر شوكة المماليك بواسطة القوة العثمانية؛ ليتمكنوا من غرس جذور القيامة، وبالكيفية نفسها «الاقتتال والدماء».

طريقة القيامة «العنف المحرم» بالنسبة لنا مفروغ منها؛ لأنها أصبحت أصيلة متواترة فينا كابرًا عن كابر، والسلامة والحضارة أن تتخلص الأجيال الحالية والقادمة من هذه الطريقة المذنبة. لكن هناك مسألة أخرى تلفت الانتباه وهي: مسألة الباحثيِّن عن التفرغة والتشتت. الذين لا يبحثون إلا عما يفرغ ولا يجمع الذين يبهرهم تشويشًا وإزعاجًا رؤية الحديث النبوي عيانًا يتجسد «المسلمون كالجسد الواحد» أو «كأسنان المشط»، فتمازج الاختلاف بسلام وأمان ومحبة يكدر صفوهم، ليلجأوا لِحيَل الشيطان ليمكروا بين أعضاء الجسد الواحد ليفرغوه لأعضاء متنافرة متقاطعة لا تلتقي؛ فكانت حيلتهم في ذلك نعت قيامة العثمانيين وبدايتهم بالقتل والبطش واحتلال الأرض، متجاهلين بقصد في ذلك عدة أشياء مهمة.

أولها: أن العثمانيين مسلمون بالدرجة الأولى، وليسوا غرباء حتى يوصفوا بالاحتلال، ودأب المسلمون إلى تلك اللحظة الاصطفاف تحت راية القوي فيهم؛ حتى تقوم الدولة بكيانها مكتملة الأركان.

ثانيًا: أننا كمسلمين لم تخلو لنا بداية منذ وفات رسولنا – عليه الصلاة والسلام- من يد البطش وسفك الدماء، هذا حالنا وليس حال أمةً منفردة. حال الدولة الأموية، والعباسية، والمماليك، والمرابطين والموحدين وغير ذلك من الدول.

إذاً أيها المتآمرون الباحثون بمكرٍ عن كل ما يمزغ ويبعثر، حججكم واهية باطلة، وبرهانكم حقٌ أريد به باطل.

اللحظة التاريخية العلمية والمعلوماتية تجد عند النسبة الساحقة عامة كانت أم خاصة مقولة «أن العلوم الحديثة منبتها عربي إسلامي»، فما وصلت إليه أوروبا حالًا من تقدم وتكنولوجية ورقمية، لولا الثقافة العربية الإسلامية؛ خاصة الفترة الأندلسية، لمَا وصلت أوروبا إلى ما هي عليه اليوم.

هل أنت متأكد مما تقول؟ هل فكرت جيدًا وجمعتَ الدلائل والمعلومات لتطلق هذا الكلام عن بينة؟

أولًا: ما وصل إليه المسلمون في تلك الحقبة الزمنية، لولا مقدمات كبرى حدثت قبلهم لما وصلوا هم إليه، لولا الفلسفة والفكر اليوناني لما حدثت أي بدايات علمية لأي أمة كانت، هذه نقطة معروفة مسلَّم بها.

يقول أصحاب رؤية البداية الإسلامية للعلوم والمعارف: أن كل العلوم بذرتها إسلامية، فلو نظرنا إلى علم الطيران اليوم وقارناه بمحاولة: ابن فرناس لعرفنا حجم الفارق الكبير فعلًا، فعباس الذي مات في سبيل الفكرة المؤدية إلى الطيران؛ أي إن الطيران عند المسلمين لم يحدث منه أي شيء إنما حدثت فكرته، إنما الذي أتى واكتشف علم الطيران بحق هو المواطن الغربي، من خلال أول فعل طيران للأخوان الأمريكيان رايت، اللذين يرجع لهما الفضل فيما وصل إليه مجال الطيران اليوم، وأول طائرة لهم كانت باسم رايت فلاير نسبة لهم.

وحتى أشهر علماء تلك الحقبة من المسلمين من خارج الثقافة العربية، هم صحيح مسلمون، ولكن ليسوا من الجغرافيا ولا النسق الثقافي العربي؛ فأكثرهم من بلاد فارس، وليسوا من جغرافيا العرب.

كما أن هولاء العلماء من أمثال ابن سينا، وابن الهيثم، والفارابي، وابن حيان، وابن رشد متأثرون جدًا بالبيئة اليونانية وبأفكار سقراط وأرسطو؛ التي كُفّروا بها من داخل النسق العربي الإسلامي؛ إذن الحقيقة الجليَّة أن ما قدمه المسلمون في تلك الحقبة هو امتداد للحقبة اليونانية والرومانية بدعم فارسي، وما أنتجه المسلمون يبقى لهم وما أنتجه غيرهم يبقى لغيرهم لذلك لا داعي للمزايدة، بل إن فضل المواطن الغربي علينا ساطع كضوء الشمس، فلولا أفكاره الخلاقة العبقرية لكنا نعيش في ظلام دامس، ونقتبس من النار شعلة لكي نضيء بها ليلنا، ونطهي بها طعامنا، وندفئ بها منازلنا.

إذا أردنا حقائق علمية بحق، المفروض نتجه لأهل العلم، لمن صنع السيارات، والصواريخ، والطائرات، وجعل العالم قرية صغيرة، لمن صعد إلى سطح القمر، واكتشف أسرار الكون الفسيح، لمن في دقائق معدودة يستطيع أن يُنهي حياة من على مجرة الأرض.
وفيما قيل قديمًا، وللأسف مازال متداولًا عند بعض رجال الدين إلى اليوم، يضخونه ضخًّا في عقول الأتباع التيي استولوا عليها فخدروها ثم أصبحوا يوجهونها أينما شاءوا وكيفما شاءوا أن الأرض مسطحة، وللأسف يجرون القرآن إلى هذه المقولة وغيرها جرًّا، وأقل ما سيحصل من وراء ذلك أن يتجرأ السفهاء على القرآن سخرية، أو بنعتٍ لا يليق، والسبب في ذلك التأويل لا غير، الذي سبب لنا كأمة القرآن الواحدة الكثير، وجعلنا شيعًا متفرقة متناحرة.

ومن الأقوال المأثورة في أن الكرة الأرضية مسطحة وليست كروية قول الماوردي:
قال عز وجل: «وهو الذي مدّ الأرض» أي بسطها للاستقرار عليها، ردًّا على من زعم أنها مستديرة كالكرة «كتاب: النكت والعيون، تفسير المارودي ص 92»

كما قال السيوطي بذلك عن تفسير الآية التالية، قال عز وجل: «وإلى الأرض كيف سطحت» الآية 20 سورة الغاشية؛ أي بسطت وقوله «سطحت» ظاهر في أن الأرض سطح، لا كرة كما قاله أهل الهيئة وإن لم ينقض رُكنًا من أركان الشرع.

اللحظة الشخصية التاريخية: من خلال هذه اللحظة نتعرض بإيجاز لشخصية رمزية واحدة ألا وهو: الإمام أبو حامد الغزالي – رحمه الله ورضي عنه- هذا الحبر الفذ إمام مجتهد مفكر عبقري، لكن قراءة التاريخ النقدية ليست بالأمر السهل؛ لأنها ببساطة شديدة أمر يتعلق بالحقيقة، والحقيقة مقام خلقت الإنسانية للعيش وِّفْقَها وللبحث عنها، لذلك سنسلط الضوء على الإمام الحبر من باب الحقيقة النافعة، وأملنا وسعينا في ذلك نفع أمتنا لعلها تتعافى من أسقامها العضال.

انعزل الشيخ تصوفًا، وتعبدًا، وتزكيةً للنفس، وليس في ذلك عيب ولا ضرر، أن يزهد الإنسان لفترة معينة تزكيةً للنفس، لكن الإمام زهد واعتكف في وقت لا زهد فيه ولا صحة لاعتكافٍ فيه، وكيف ولا؟! والله سبحانه وتعالى يقول: «فَضَّلَ اللهُ المُجاهدون بِأمْوالهِمْ وأنفسهِمْ على القاعدون درجةً» الآية 95 النساء
في وقت الجهاد، وخاصة جهاد الذود عن الحرومات، وعن الأعراض، وعن النفس التي حرم الله وأدها وجعل ذلك من أكبر المحرمات «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسْرائِيلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نفسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَميعًا وَمَنْ أَحْيَّاها فَكَأنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» الآية 32 المائدة

نحسن النية ونقول: في فترة زهده وانفراده – رحمه الله- استولى الصليبيون على بيت المقدس الشريف، وبكل وحشية وبدائية سفكوا الدماء، وشردوا، وعذبوا، وأنه أخذ في ذلك الرخصة «الكفاية» لكن هذا لا يجوز مع رمز من رموز الأمة، وقدوة من قدواتها، لا يمكن ولا يستقيم مع من هو قدوة للناس، مع من يفترض به، أو واجب مفروض عليه: تحريض الناس والعامة للجهاد ضد المغتصبين المجرمين؛ وكيف سيكون حال العامة في عصره وما بعده لو رأت وسمعت بتقاعس عمامة الدين عن نصرة: النفس، والدين، والوطن؟! وهي من هي؟ هي: عمامة الدين المهابة المحفِّزة المؤثرة التي قد يصل تأثيرها إلى ما لا يمكن أن يتصور.

وفي هذا الواقع كيف ستُلام العامة لو ركنت وكسلت وفضلت القعود بدل الجهاد؟ وعلماؤها وأحبارها وأعرف وأعلم الناس بينها هم السَّبَّاقون لذلك الذنب الجلل.

هذا خطأ جلل وشنيع منزلته متقدمة في سلم الأخطاء، ارتكبه رحمه الله، والواجب تبيِّن ذلك من باب الأخلاق والإنصاف والموضوعية، والاستفادة مما مضى، ورصه ضمن مدونة الأخطاء التي يجب أن لا تتكرر، وأن ينظر إليها بمنظار التبيان، والتصحيح، والمعالجة، وأن لا نبحث لمبرر يزيد خبالًا على خبال؛ لندافع به عن شخص الإمام.

الإمامُ رحمه الله كأي بشر له وعليه، والتاريخ قراءته للفائدة ليست كقرائته للافتخار أو للتسلية أو للمتعة. قراءة التاريخ للفائدة ولحصول بعث حضاري حقيقي يتوجب انتفاء الحجب والغيوم، التي تحول بيننا وبين الحقيقة المجردة الناصعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات