محاكمة التاريخ (الجزء1)

التاريخُ ليس مجرد قصص نتسلى بها، أو وقائع نتمجد ونتعالى بها على غيرنا، وليس مرتعًا لتنويم العقل، وليس هو كذلك لمعرفة انتصارات أو خسائر من الزمن التليد، بل هو تلك الصورة الجامعة النقية التي نحضرها من الماضي لتحسين حاضرنا ومستقبلنا؛ لذلك فمسألة التاريخ مسألة عويصة تحتاج منا إلى جهد.

ومن أهم الأشياء التي ستجعلنا نفهم التاريخ، وأسراره وحكاياته بحق، والاستفادة منه كمادة أساسية، أن نحاكم أحداثه ونقاضيها؛ حتى تتجلى لنا الصورة ناصعة مكتملة، ونستطيع نفع أنفسنا و الإنسانية قاطبة من جديد.

لمحاكة التاريخية صور عديدة منها المحاكة السياسية والدينية، والاجتماعية، والاقتصادية.

ولِطول الموضوع سنقتضب ما استطعنا وسنقسم الموضوع إلى عدة أجزاء فسيكون هذا بإذن الله جزءه الأول، وباقي الأجزاء في المقالات القادمة بإذنه تعالى إن كان في العمر بقية.

قبل أي حديث علينا أن نعي جيدا أن التاريخ كمادة أساسية ليس للتسلي ولا للقصص إنما هو للفهم والتدبر والتحرك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

السياسة خطوة مهمة في أمور البشر وفي أمور الأمم؛ لذا ضرورة صلاح السياسة أمر لا مفر منه، بل إن عدم نزاهة وصفاء السياسة وتدني مستواها؛ سينعكس بالسلب على بقية الموضوعات كموضوع الاجتماع، والاقتصاد، والأمن، والاستقرار، والحرية، والعدالة، والكرامة، والعلم.

ونحن كأمة مسلمة شيدت حضارة عتيقة وعميقة لم يبقى لها من هذه الحضارة إلا الأشكال، والواقفين عليها بكاءً ولطمًا، والسبب في ذلك الكثير، والأهم من هذا الكثير السياسة.

فمنذ اليوم الذي اختلفوا فيه الصحابة الأطهار على سؤال أيهما الأولى جلب حق الإنسان أم الحكم أولًا وجلب حقه ثانيا؟ (حادثة مقتل عثمان رضي الله عنهم أجمعين).

تباينت رؤى الأطهار والسبب سياسي بالدرجة الأولى منهم من رأى ضرورة الحكم أولًا قبل كل شيء؛ حتى يستتب الأمر السياسي و الاجتماعي والأمني والاقتصادي، ومنهم من رأى أن إراقة دم مسلم بغير حق أهون عند الله من زوال الدنيا وما فيها، فلا حكم ولا سياسة ما دام حق المسلم مهدور.

هي أخطاء شئنًا أم أبينا تحايلنا على التاريخ أم لم نتحايل، هذا ما كسبت أيدينا، ولا مفر من الاعتراف بذلك وإشاعته وجعله موضوع للدراسة والتفكر والتدبر؛ حتى نستطيع من خلاله معرفة ما وراء عللنا وأسقامنا العضال، وما الأدوية لها حتى تعود لنا الكرة من جديد؟

من صور الخراب السياسي، والأكثر وقعًا وأخدش؛ لأن الأمر يتعلق بقوانين السماء، وبما تركه خير الأنام ساري المفعول – ترك الشورى – قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) الآية ١٥٩ آل عمران.

الإسلام دين الصفاء والوضوح، نحن المتأولون فقط من يأتي مِنا الزلل، غضبنا لمنع الزكاة وحارب الصديق رضي الله عنه المرتدين ومانعي الزكاة حيث قال قوله الخالد: والله لو منعوني عقالًا كانو يؤدونها إلى رسول صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.

أفلا ندافع عن الشورى التي نزلت بأمر من السماء وتركها فينا الرسول، كما ندافع عن الزكاة التي نزلت بوحي من السماء وتركها فينا الرسول.

الأمر ملتبس نوعا ما، لكن هذه الحقيقة وهذا هو جمال التاريخ أن تقف على الحقائق وننظر إليها من كل الاتجاهات والأبعاد ونستمع إلى كل التفاسير والرؤى.

ومن لحظة مراسم جنازة الشورى زوِّدت النار حطبا، وودَّع المسلمون قيمة من قيم السماء الشورى، وبدأت أملاك الأمة تتحكم بها عائلة معينة أو جماعة معينة.

من يوم سلم الأب معاوية رضي الله عنه للابن الفاسق مقاليد دولة الإسلام، تسلم المسلمون أزمات وكوارث من نوع جديد وفي شتى المجالات، ومنذ ذلك التاريخ والأُسَر بكل أشكالها في صراع على مقاليد الحكم، والأمر في تلك الأيام المريرة أنها تركت فينا جرحًا عميقًا، وحزنًا دفينًا وكيف لا تترك؟ وقد قتلنا بأيدينا أحد أسياد شباب أهل الجنة، وغيره من السادة الموقرين الحسين رضي الله عنه – حفيد خير البشرية – أيعقل أن يصل المسلمون إلى أن يفرطوا بمن كان الرسول يستأنس به، وينزل من على المنبر ليحمله على كتفه؟ فجأة نقتله لكي يستقر الحكم ويعم السلام أي سلام؟

السياسية سيف ذو حدين يمكنها صناعة: جو حضاري، ويمكنها إحداث عكس ذلك: صناعة جو تخلف وركود؛ لذا فقد فعلت بينا السياسة غير المسددة أفاعيل، وجعلتنا نعيش مطأطئين الرؤوس بين الأمم الأخرى، ونقتات على فتاتها، ونتوسل إليها لتعطينا كذا، أو ترحمنا من رصاصة قاتلة، فقد بادت سياساتنا العرجاء رموزنا الفكرية والدينية، ومن نجى من القتل منهم كانت نهايته السجن أو الانسحاب من ساحة التأثير والتفعيل.

ومن ذاكرتنا السياسية غير السوية، والتي مازالت أممنا تتوارثها أمة عن أمة كوِّراثة الأبناء للآباء؛ الفكرة التي أقدم عليها صلاح الدين الأيوبي: هذا البطل العظيم صاحب البطولات الجسام، الذي خلَّد مجدًا ما زالت ذكراه خالدة في مخيلتنا، وما زالت ذكراه تحيي فينا ما تحييه فينا سورة الإسراء والمعراج: وهو مكانة ومنزلة القدس الشريف فينا، ولكن ما إن حرر القدس؛ حتى نزلت عليه الفكرة المشوبة المعابة ذات العاقبة غير المحمودة: توزيع الدولة الإسلامية بين أبنائه، وكأنها ملك له يفعل فيه ما يشاء، ويملكه لمن يشاء، ولا حق لغيرهم فيها، وما إن توارى عن الأنظار حتى جاءت العاقبة بأسرع ما يكون: تقاتل الإخوة فيما بينهم من أجل التركة.

المؤكد أن فكرة توزيع الدولة على الأبناء لم يبتدعها من خيال عقله؛ إنما يبدو أنها فكرة أصيلة في مجتمعه متقبلة؛ إذ لو لم تكن كذلك لما تجرأ على القيام بها، والمؤكد أنها تأصلت فينا وكبرت معنا كما نكبر.

أو لسنا أمة سلام ورحمة ونتشدق بالرحمة ليلًا نهارًا ماضيًا وحاضرًا، ونقول: إننا بنو الإسلام نختلف عن غيرنا، فنحن إنسانيون بالدرجة الأولى ففي مقام الحرب لا نؤذي طفلًا، ولا شيخًا، ولا امرأة ولا مسالمًا، ولا رسولًا، فضلًا عن مقام السلم والتهادن، ولكن كل هذا يبدو أنه مجرد كلام لا أكثر، فإذا نزلنا إلى الواقع: دنيا الناس شاهدنا عكس ماتقدم تماما من عبارات المدينة الفاضلة، ففي الواقع تاريخيًا قام قطز بقتل رسل هولاكو؛ الذين أرسلهم هولاكو برسالة مخوفة يبرر بعض المفكرين قتلهم بأنه كان لرفع الهمم وتقويت العزائم، وليُّزيل المخاوف، والعذر الأقبح من الذنبِ أن فحوى هذه الرسالة مخيف.

الخطأ خطأ لا مبرر له، غير أن نعترف به ونكفر عنه بنعته للناس، وتسطيره ضِمن مدوّنات الأخطاء، وتوعية الناس بزلاتنا، وأن من ارتكبها فهو مذنب، وإن نجا من المحاكمة الدنيوية فمحاكمة السماء العادلة تنتظره لاريب.

لم يوافق هوى الحكام فهم وفقه بعض الرموز الدينية من علماء وفقهاء، ولم يشرعنوا ما يخدم مصلحتهم وذويهم، فقاموا بما يقوم به الجبابرة، والطغاة الظالمين من تعذيب، وسجن وقتل أحيانًا؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر ما قام به الحجاج من إساءة للصحابي الجليل أنس ابن مالك ربيب الرسول.

وقتله لأول مولود للمسلمين في المدينة الذي قال فيه عمر ابن الخطاب: هذا ابن أبيه – عبد الله ابن الزبير – كيف أبقت دولة الإسلام قتلة الصحابة؟ وكيف وسدت زمام الأمور إليهم؟ وأين رأي الشعوب من هذه الأحداث؟

هاجر الإمام إسماعيل البخاري من مدينته بسبب السياسة العمياء، ومات ابن تيمية في محبسه، وجلد الإمام أحمد ابن حنبل و… إلخ.

وللأسف إن الواعي فينا قد يذكر هذه الأحداث وبألم، ولكنه يضعها تحت بند عريض – بند الابتلاء – كيف ابتلى الله عباده الصالحين ليُلفت الأنظار عن حقائقها وعن الجو الذي تكونت فيه، وعن الكيفية الصائبة التي يجب أن نتناولها بها، وعن العبرة الحقيقية والأهم عن أسئلة الفهم والحركة وهي: لماذا نُبعد من لا يحسن لحننا المفضل؟ ولأي غرض نفعل هذا؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى هذا العنف؟ وما هي النتائج من وراء هذه الأفعال الشنيعة؟ ولماذا يفضل الحكام بعض العلماء وينفي ويبغض ويقتل الآخرين؟ ولماذا قصصنا القديمة والحديثة لا تخلو من هذه الثنائيات المتضادة؛ حاكم جائر مؤيد منتصر وعالم حق مخذول مُباد أو منفي مهزوم؟

أو ليس لهذه الأحداث علاقة بما نعيشه الآن؟ أو لم يستقر جيراننا بتحطيم أصنام الحكم المنفرد الجائر، والاستبدال بها الحكم المنفتح الذن لا يقرر إلا ما هو في الصالح العام، وبتشاورٍ؟

قامت الدولة الأموية على الدماء، ثم تمكنت وهلِّلَ لها من كل فج، ثم سقطت بالنزاع تارة من جهة الإخوة وتارة من جهة الفساد والظلم، ثم قامت الدولة العباسية على القتل أيضًا، وانتهت بالإجرام كذلك، ثم رأينا من يبرر حزبه وطائفته ويوكل أصابع الاتهام إلى غير حزبه في هذه النهاية المروعة.

أين حرمة دم المسلم في هذه الوقائع؟ وكيف يقام الحق بسفك الدماء؟ وأين آيات الوحدة وأحاديث الجسد الواحد ممن كانوا في هذه الحقب؟ هل القيام عندنا لابد له من القوة وإبادة عباد الله ؟ هل لدينا قيامة واحدة حافظنا فيها على الأرواح والممتلكات؟ هل ما زالت هذه الطريقة معنا إلى الساعة؟ ولماذا؟

كل ما ذكرناه عبارة عن إدارتنا السياسية، في فلك معالمنا التاريخية المنفرة، المحسوبة على تراثنا العملي، والواجب منا الاعتراف بها على أنها حدثت، وإيجاد طرق جديدة من خلالها يتم دراسة تاريخنا بصورة أكثر نفعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد