لأن حقيقة القضية مازالت مكتنفة وراء ضباب المجهول، لأن توفيق بوعشرين أصبح من كبار السلطة الرابعة خلال 15 سنة الأخيرة؛ لأن ابن مكناس عرف بمجابهة قلمه الجرئ لشخصيات نافذة في الدولة، لا حديث في المغرب في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلا حول قضية توفيق بوعشرين، ناشر جريدة أخبار اليوم المغربية، والذي يتابع بتهم ثقيلة من بينها الإتجار بالبشر. انقسم الرأي العام المغربي بين من يعتقد أن متابعة بوعشرين هي مؤامرة حاكتها الدولة بمكر ميكيافيلي لكسر قلم لاذع وتشويه سمعة صاحبه، وبين من يجزم أن الأمر يتعلق بجرائم جنسية خسيسة موثقة بفيديوهات وحجج دامغة لا علاقة لها بالنشر ومواقف الصحافي.

المسلمتان الأساسيتان في هذه القضية أن قضية بوعشرين هي محك حقيقي للقضاء المغربي ولاستقلاليتة، والمسلمة الثانية أن ملف بوعشرين سيعري من جديد عن واقع المنطومة الأخلاقية والتربوية في بلادنا من خلال تفاعلنا مع هذا الملف عبر وسائط التواصل الاجتماعي. فلا ندري هل ابتلانا الله أم أنعم علينا بمحاكم فيسبوكية أصبح يعرض عليها أي متهم قبل المثول أما قصر العدالة، توزع فيها الأحكام استنادا لأسباب غير موضوعية ويسمح فيها بالتشهير بالمتهم والمطالبين بالحق المدني والدهس على كل شروط المحاكمة العادلة دون حسيب ولارقيب.

الأمر لايتعلق بفيلم هوليودي يلقى فيه المتهم حتفه من طرف أشرار السجن أو يفر بشكل أنطولوجي من زنزانته الانفرادية، لذلك، لن يخرج مصير قضية القرن 21 بالمغرب عن سيناريوهين اثنين: سيولد توفيق بوعشرين من جديد من رحم مأزق محاكمة القرن، ستستقبله جحافل من المتعاطفين والمنتصرين للحرية كقيمة إنسانية لا تنتزع إلا بالحق والمدافعين عن حرية الصحافة باعتبارها حلمًا منشودًا منذ سنين في المغرب، سيصبح بوعشرين بطلًا قوميًا تحمل الحشرات في سجن عين برجة وفقد كيلوغرامات في سبيل مهنة المتاعب وإعلاء راية الحق وسيخلده التاريخ كرمز للصحافة الحرة المستقلة التي لا تهاب الدولة العميقة والتي تفجر الفضائح وتكشف بشجاعة المسكوت عنه. وستنشر المنطمات الحقوقية الدولية تقارير سوداء عن ردة حقوقية في بلدنا، أفضت إلى اعتقال صحافي لأشهر ظلمًا وعدوانًا.

أما على النقيض من ذلك سترجح حجج دامغة كفة المشتكيات وسيسقط حكم الإدانة كقطعة ثلج مهشمة على المتهم، سيجزم المتشفي في ناشر جريدة أخبار اليوم أن التخفي وراء الكلمات من شيم المنافقين والمتلاعبين وأنصاف الرجال، سيصرخ المحامي محمد الهيني فرحًا، وسيعتبر الحكم تثمينًا لمساره النضالي، وردًا قويًا على من شكك في نزاهته بعد عزله قبل سنتين. لا شك أيضًا أن أي حكم ضد مدير نشر جريدة أخبار اليوم المغربية سيفضي إلى تضرر سمعة المؤسسة، وربما حتى إغلاقها. في مجتمع لا يرحم لن يكون أمرًا غريبًا أن يوصف العاملون بالجريدة بالمتواطئين مع رئيسهم، وأن يصبح مصيرهم المهني مجهولًا أو سيلازمهم العار لأنهم كانوا شاهدين على تحويل مؤسسة صحافية إلى مرتع للغزوات للجنسية لمديرهم. لن يفوت المغرب أيضًا الفرصة للافتخار في المحافل الدولية باحترامه لشروط المحاكمة العادلة وتعزيزه لاستقلالية القضاء وحرصه على احترام حرية التعبير.

بغض النظر عن الحكم الذي سيصدر في هذه القضية الشائكة، أليس من الحري أن يخضع المغاربة أنفسهم لمحاكمة الذات ويتساءلون: لماذا تعاملنا مع هذه القضية بهذه الغوغائية؟ لماذا مارس بعضنا – عن وعي أو غير وعي – التشهير في حق المتهم والمشتكيات وعائلاتهم؟ هل يهمنا استقلالية القضاء في بلدنا وانتصار العدالة أم أصبحنا جيلًا بلا قيم ومبادئ يتهافت وراء الفضائح ليركب عليها ويتناسى خوائه الفكري وتراجع منطومة القيم؟ لماذا توجهت كل الأنظار إلى هذه القضية، وكأن الأمر يتعلق باختلاس لأموال دافعي الضرائب أو قضية ستحد مصير شعب؟ هل ما يهم البعض هو الدفاع عن الحق والعدل أم دغدغة نرجسيتهم وتصفية حساباتهم الشخصية والسياسوية؟ هل انقضى زمن المراجعات في المواقف وأصبح الجميع مصر على الدفاع على رؤية اتخدها على عجل مع انفجار القضية؟

سيكون من المجحف محاولة الإجابة على هذه الأسئلة؛ لأن من جهة السؤال في حد ذاته جسر لبناء المعرفة والتأمل فيه عادة خير من الإجابة عنه، خصوصًا في هذه الظرفية التي كثر فيها اللغط والتأويلات وغابت الحقيقة. ومن جهة أخرى، كل هذه السطور ليست سوى تدوينة استباقية تهدف استشراف مستقبل القضية؛ لأن لا فائدة ترجى من إعادة استعراض تطوراتها التي حولها للأسف الاعلام البعيد عن المهنية بعد السماء عن الأرض إلى مجرد فيلم يتهافت الناس على كواليسه لجهلم فحواه، بل الهدف هو أن نجعل من النقاش الذي سيعقب القضية بناء وصحي. وأن لا نرسخ لثقافة جعلت من بعضنا عبيدًا لـbuzz وقتلت ملكة النقد الذاتي وتمحيص انعكاسات القضايا والأحداث المتعاقبة على المجتمع.

ما أجمل أن يكون المدافع على بوعشرين هو مدافع عن حرية الصحافة واستقلاليتها أكثر من دفاعه عن المتهم في حد ذاته، وأن يكون المتعاطف مع المشكيات ينتصر لحرية المرأة وكرامتها، وليس مدافعًا عن حسابات شخصية وسياسوية فارغة. سيسقط الحكم عاجلًا أم آجلًا، وستسجل المواقف بحروف من ذهب أو من معدن بخس في سجلات أصحابها. ما القضايا والحوادث سوى تحديد لمصير أشخاص معينين، ولكنها في المقابل درس وعبرة للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد