مقدمة سريعة

تعج كتب التاريخ بالروايات التي لا حصر لها، وغالبيتها تثير الريبة من خلال التفصيل الممل الذي يشعرك وكأنَّ ناقلها قد رآها بعينه ووثقها على الفور، أو صورها لنا بشريط فيديو، ثم دون هذا الفيديو بعد عودته إلى البيت، كما أنَّ هناك الكثير منها لا يستحق أن يخلد، كأن يلتقي رجل مع رجل فيحدثه ويتكلم معه بحديث عادي، أو تلك الرواية التي تحكي لنا ما حصل بين رجل وامرأته من حديث في غرفة نومهم قبل 500 سنة، والأعجب من ذلك عندما يردنا تفصيلًا مسهبًا لما جرى داخل معركة ما، ففي المعركة تبلغ القلوب الحناجر فينسى المرء اسمه، فضلًا عن أن يتذكر أشياء أخرى، ثم يأتينا أحدهم ويقول صار كذا وكذا، وتكلم فلان مع فلان بكذا وكذا، وكأنَّ المقاتلين في سهرة طرب يبلغ فيها الذهن أصفى درجات النقاء حتى يتذكر واحدهم كل شاردة وواردة، وفي الحقيقة لستَ بحاجة لكي تقرأ كل كتب التاريخ حتى تحاكمه، فلديك العقل، إنه أعظم أداة منحنا الله إياها، لو استعملناها بالشكل الصحيح لكان بإمكاننا أن نفرز الصحيح من الشائب دون أن نقرأ كتابًا واحدًا، وكثيرًا ما يتفوق العقل من خلال مستويات التجريد التي يستعملها على العلم التجريبي نفسه، فتكذب التجربة التي نفت ما وصل إليه عقل أحدهم حتى تأتينا تجربة أخرى تؤكد أن العقل كان هو الأصدق.

والآن إلى محاكمة التاريخ

لو فرضنا أنك جلست مع صديقك لمدة ساعتين، ثم جئت أنا بعد ساعة فقط، وسألت أحدكما قل لي بالتفصيل: ماذا قلت لرفيقك قبل 40 دقيقة، فلن يستطيع أن يعطيني الرواية بدقتها، على الرغم من مضي 40 دقيقة فقط على نهايتها، هذا إن تذكر منها شيئًا، ربما يتذكر من الحديث فقط رؤوس أقلام أو السياق العام للحديث، فكيف بمضي مئات وآلاف من السنين على الرواية، وهناك روايات كثيرة قائمة على النقل الشفوي فقط بين الأجيال، وهي لا تصدُق إلا في حالة واحدة فقط، إذا كان أصحابها عبارة عن روبوتات مهمتها تسجيل المعلومات عند سماعها وحفظها في ذاكرة الروبوت، ثم نقلها للأجيال، وهذا مستحيل؛ لأن الإنسان عبارة عن كتلة من المشاعر والأحاسيس، يفرح، يغضب، ينسى، يمرض، يكتئب، يلعب مع زوجته وأطفاله، يسعى طلبًا للرزق، هناك الآلاف المؤلفة من مشاغل الحياة التي تُنسي الإنسان ما قاله هو قبل ربع ساعة، فكيف لنا بنقل شفوي يعيش بحرفية مئات من السنين، الطريقة التي وصلتنا بها هذه الأقوال تؤكد أن أصحابها كانوا مجرد روبوتات لا شغل لها ولا عمل إلا حفظ هذه المعلومات، ثم توريثها للروبوتات اللاحقة، أضف إلى ذلك قوة السلطة الحاكمة وقدرتها على تمرير ما تريد من معلومات لما تمتلكه من أدوات نافذة، المال والإعلام، وأجهزة المخابرات، ومروجي الإشاعات والأكاذيب، والأقلام المأجورة، وعلماء السلاطين، فهؤلاء تكرس لهم المطابع والمنابر، وتفرش لهم الأرض بالرياحين، يساعدهم في ذلك جهل الناس؛ فالغالبية كانوا أناسًا بسطاء لا يقرؤون ولا يكتبون ومن السهل جدًّا خداعهم، وحتى في عصرنا الحالي، ورغم وجود أدوات التوثيق المسموعة والمصورة، فإن الحقيقة تزور على أعيننا وكل طرف يسوق لنا روايته التي يريد، ومن ثم كثير من الكلام البشري يخضع للهوى البشري، فإذا أحببت شخصًا أو كان لك عنده مصلحة رفعته إلى السماء، وإذا أبغضته تنسف كل محاسنه، والمديح والهجاء في المجتمع العربي أكبر مثال على ذلك.

وإذا كَرِهْتَ فتى، كَرِهْتَ كلامَهُ،. وإذا سَمِعْتَ غِنَاءَهُ لم تَطْرَبِ

 الرواية التاريخية يمكن تلخيصها باختصار شديد، هي أن يأتي رجل بعد 300 سنة من وفاتك ووفاة صديقك، ثم يقول وجلس فلان مع علان في القهو،ة وقال له كذا، ورد عليه علان بكذا بتفصيل عجيب، وكأنَّ الأخ كان جالسًا معكم ويكتب كل كلمة نطقت بها ألسنتكم، مع أنك أنت وصديقك نسيتم ما قلتم قبل ساعتين، والأخ محيط بالتفاصيل بعد 300 سنة من وفاتكم، طبعًا لا يعني الكلام نسف التاريخ، وإنما محاكمة الرواية التاريخية فقط، وليس الحدث التاريخي، فمعركة حطين مثلًا تشكل حقيقة تاريخية ساطعة، ولكن حيثيات معركة حطين وما جرى قبلها وخلالها وبعدها هو ما يشك فيه، لذلك عندما تجري مناظرة فكرية بين شخصين حول قضية تاريخية، فهي أقرب إلى العبثية؛ لأننا لا نملك نفي تفاصيل الحادثة، وفي الوقت نفسه لا نملك سبيلًا إلى إثباتها بسبب غياب أداة التحقق إيجابًا أو سلبًا، وكل ما سيكون في حوزة الطرفين مجرد كتب ووثائق، ومحاولة إثبات أو نقض التاريخ بالتاريخ هو كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء.

أكذوبة المصدر الموثوق

إحدى المصطلحات المثيرة للجدل ما يسمى المصدر الموثوق، لا يوجد في التاريخ شيء اسمه مصدر موثوق، فهو موثوق بالنسبة إلى فئة معينة، ومشكوك فيه إلى حد كبير بالنسبة إلى أخرى، وكل فئة تحمل أحيانًا رواية معاكسة تمامًا لرواية الأولى، فالأمر نسبي يعود إلى أهواء كل جماعة، فإذا كانت الرواية موافقة لميولها أخذت بها، وإلا شككت بها وعدتها رواية مشبوهة تستهدف كيان الأمة، الرواية التاريخية تحمل أحد شكلين، إما التي وثقت كتابيًّا، وإما عن طريق النقل الشفوي فردًا عن فرد أو جماعة عن جماعة، وفي كلتا الحالتين لا تعد مصدرًا لحقيقة، فلو اختلقت السلطة الحاكمة في بلد ما قبل 800 عام إشاعة مفادها حصول شيء ما قبل 300 عام، ثمَّ نشرها جهاز المخابرات في كافة أرجاء الدولة، ثم بدأت الأجيال تتوراثها جماعة عن جماعة، فأنّى لنا أن نتأكد نحن أنَّ الحادثة قد حصلت فعلاً قبل 1100 عام، أو أنها مجرد إشاعة كاذبة، ولو وجد العلماء وثيقة تاريخية تعود إلى 1700 سنة مضت، فوجود الوثيقة لا يشكل دليلًا على صحة ما ورد فيها، هناك أسئلة لا يوجد إجابة عنها، من الذي كتبها فعلًا؟ ولماذا كتبها؟ وهل كان مأجورًا يكتب لمن يدفع أكثر؟ وهل وهل وهل؟ محاولة التحقق من صحة الماضي ضرب من ضروب المستحيل، فلو وصلني حوار بين شخصين، فما السبيل إلى التحقق من صحته، لا يوجد إلا طريقة واحدة، وهي السفر إلى الماضي والجلوس مع الرجلين أو وجود شريط فيديو، ما عداه عبارة عن كلام فارغ، كل ما وصلني ورقة لا أعلم من كتبها، ولماذا كتبها، وهل جرى كما قال فعلًا؟

لو فرضنا أني ألفت ملحمة أسطورية بشخصيات وهمية وأحداث غير حقيقية، ثم اشتهر هذا الكتاب وانتشر في جميع أنحاء الأرض، ثم بعد 1900 عام وجد العلماء مخطوطات تاريخية لكتابي في البرازيل والصين وفي إحدى الدول العربية، ثم قارنوا محتواها فوجدوه متطابقًا، كيف سيتعامل العلماء مع كتابي، سينظرون إلى شخصياته وأحداثه على أنها كيانات حقيقية فعلًا.

ذكر مصدر المعطيات التي اعتمدها المؤلف في كتابة مقاله أو كتابه لا يعد دليلًا على صحتها ومصداقيتها، بل شكلًا من أشكال الأمانة العلمية، وغالبًا عندما يدخل المرء في نقاش ما مع شخص ما، فإنَّ أحدهم يطلب من الآخر مصدر المعلومة التي أتى بها، وعند ذكر المرجع يذعن إليه وينزل عندها، وكأنه قد ألزمه الحجة، هناك كثير من النصوص يسبب ذكر مصدر معلوماتها نوعًا من أنواع البنج والتخدير، فلو تتبعنا أثر هذه المعلومة وذهبنا إلى الكتاب الذي ذكرها، يمكننا أن نسأل السؤال نفسه عن مصدره، وهكذا حتى نصل إلى مرحلة لا يمكننا فيها معرفة المنبع الحقيقي لها، أو نصل إلى وثائق قديمة بيننا وبينها أمد بعيد، يصل فيها الشك إلى حد الشك بالكاتب نفسه، هل هو الكاتب الحقيقي أم شخص غيره، ولماذا كتبها؟ وما دوافعه؟ وهل كان مأجورًا، مدسوسًا، وألف سؤال لا إجابة عنه.

العلم الحقيقي والعلم الزائف

يمكننا تصنيف العلوم إلى أحد نوعين: العلم الحقيقي والعلم الزائف، ومن استطاع فرز العلوم بهذه الطريقة هو فيلسوف يدعى كارل بوبر، هذا الرجل توصل إلى نتيجة مفادها أن هناك فرقًا بين العلم الحقيقي وبين شيء آخر اسمه العلم الزائف، من خلال مراقبة منهجية عالمين هما سيغموند فرويد وأينشتاين، لاحظ أن فرويد قاتل لكي يطوع كل شيء لصالح نظريته، كان يطوع الماضي ليتنبأ بالحاضر، أما أينشتاين فقد انتظر كسوف الشمس عام 1919، كان الرجل ينظر إلى المستقبل لإثبات نظريته فإذا لم يوافق المستقبل نظريته، معناها انهيار النظرية بالكامل، أما فرويد فكان ينظر للماضي فقط، إذن العلم الحقيقي هو العلم الذي نستطيع من خلال نصوصه استنباط مبادئ يمكن تدقيقها بالمشاهدة والتجربة كالفيزياء مثلًا، بينما علوم مثل التاريخ هي أقرب إلى العلم الزائف، ولا أعني بالزائف أنها كاذبة، ولكنها مبينة على آراء نظرية أو وثائق تاريخية لا سبيل لإثباتها، لهذا السبب فعلم التاريخ برأيي أقرب إلى التسلية منه إلى العلم، وهو مادة دسمة جدًّا للأدب والفن، ويمكن استخدام نصوصه في تأليف الروايات وإنتاج الأفلام السينمائية، أما استخدامه في القتال الفكري لإثبات حقائق معينة فهذا هراء وضحكٌ على اللحى.

هل يمكن أن تتساوى الأسطورة مع الحقيقة؟

الشيء في لحظته عبارة عن حقيقة ساطعة يتحول بعد مضي زمن قصير إلى معنى مجرد في العقل، وبعد مضي زمن طويل جدًّا يتحول إلى سراب وخيال، تتساوى وتتعادل فيه الأسطورة مع الحقيقة، وسيكونان سواء، لا يوجد فارق كبير بينهما، فالكثير منكم قد سمع عن حصان طراودة، تروي الأسطورة أن حصار الإغريق لطروادة دام 10 سنوات، فابتدع الإغريق حيلة جديدة، وهي بناء حصان خشبي ضخم مُلئ بالمحاربين الإغريق، أما بقية الجيش فظهرت وكأنها قد رحلت إلى غير رجعة، ثمَّ أُقنع الطرواديون بطريقة ما على أن الحصان عبارة عن عرض سلام، فرح الطرواديون برفع الحصار واحتفلوا، وفي الليل خرج الإغريق من الحصان في الوقت الذي كان فيه سكان المدينة في حالة سكر وضياع، ففتح المحاربون الإغريق بوابات المدينة للسماح لبقية الجيش بدخولها، فنهبت المدينة بلا رحمة ولا هوادة، فقتل الرجال، وأخذت النساء سبايا والأطفال عبيدًا، هذه القصة يا سادة عبارة عن أسطورة خيالية، ولكن لو فرضنا أنها كانت حقيقة ساطعة، حاصر الإغريق المدينة ثم ابتكروا هذه الحيلة، فدمرت ونهبت على أساسها المدينة كلها، في الحقيقة سيستوي الأمر بالنسبة لك، ولن يكون هناك أي فارق بين القصتين، سواء كانت حقيقية أم أسطورية، لو أخذنا الآن حادثة تاريخية حقيقية، وهي معركة عين جالوت التي هزم فيها المماليك التتار، ماذا لو كانت هذه الرواية كقصة طروادة؟ برأيي المتواضع لن يتغير أي شيء، ففي كلا الحالتين سنتعامل مع حروف وكلمات ولا شيء سوى الكلمات، فأين هم المماليك والتتار الآن؟! لقد تبخروا وتلاشوا مع كافة أبناء عصرهم. ولو كتبت الآن قصة أسطورية تتكلم عن أحداث عظيمة، فلن يكون لها أي معنى في وقتنا الحاضر، ولكن بعد مئات أو آلاف السنين سيتعامل معها المرء كما لو كانت حقيقة، والسبب هو أنَّ كل شيء يتلاشى يفقد معناه، ويصبح سرابًا وخيالًا تستوي فيه الحقيقة مع الخيال.

متى تفقد المقولة مصداقيتها؟

أي فكرة أو خاطرة أو مقولة لا تُدون كتابيًّا أو صوتيًّا في لحظتها من فم أو عقل صاحبها حصرًا، لا أقول تفقد مصداقيتها بعد خمسة أيام، بل بعد 50 دقيقة، ولا بد أن يخالطها شيءٌ من زيادة، أو نقصان، أو تحريف أو ربما تُنسَى كلها، حتى وأنت تدونها في لحظتها توشك أن تنفلت منك، وتكاد تزيد عليها أو تنقص منها، فما بالك بعد عدة أيام أو شهور أو سنين.

تزكية المجاهيل يشكل عند البعض مصداقية لما وردنا عنهم

أي شخص لم تعش معه وتعاشره عن قرب لا يُمكنك أنْ تزكيه وتمدحه وتشهدَ بصدقه، وإلَّا يمكن عدها شهادةَ زور ورجمًا بالغيب، ويُستَثنى من هذا الكلام الأنبياء ومَنْ ناصرهم، ولماذا نستثني الأنبياء طالما أنَّنا لم نعاشرهم؟ بما أنَّك آمنت بنبوته فهذه وحدها تكفي، فالقضية هنا إيمانية أكثر منها يقينية، والإيمان عبارة عن اعتقاد، وعندما ينكشف الحجاب يتحول الإيمان إلى شيء آخر اسمه الحقيقة والمعرفة، أصلًا القرآن لم يطلب منك اليقين بل طلب منك الإيمان، أما اليقين فذلك لن يكون إلا ساعة النهاية وانكشاف الحجاب «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِين»، نحن أمامنا نصوص، هي وفقط هي من يخضع للمحاكمة والتحليل، ثمّ نسلم بها أو نرفضها، أما الأشخاص فلا يجوز أن نزكيهم كما لا يجوز لك أن نشتمهم، لقد مُنعنا من تزكية أنفسنا فكيف نزكي غيرنا:

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء»

«فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ»

رجل بيني وبينه ألف سنة، لم أعش معه ولم أجاوره، فكيف أزكيه؟! قد يكون رائعًا، وقد يكون سيئًا، وقد يكون رجل سلطان يتاجر بعلمه في سبيل كسب المال، أو عنصر مخابرات، أو شخصية وهمية اخترعها جهاز المخابرات في ذلك العصر لتمرير الفكر المسموم، والكتب التاريخية لا تعد دليلًا على صلاح شخص وتقواه، مجرد حروف وصلتني من العصور السابقة لا سبيل للتحقق من صحتها على الإطلاق، وعندما يأتيني رجل ويقول لي إن فلانًا المتوفى عام 900 ميلادية، كان رجلًا كريمًا ومن أصدق أبناء عصره، فهذا هو الكلام الفارغ بعينه.

أيقتل الناس بعضهم بعضًا على خيال؟!

هناك فئات قائمة على أحقاد تاريخية تريد لبيضة الحقد أن تفقس وتُفَرِّخ في عصرنا، يريد كل طرف أن ينتصر لفئة أكل عليها الدهر وشرب، وما يهمنا نحن بفلان قد مات منذ أكثر من ألف سنة ومات معه كل أبناء عصره، وانهارت فيه دول ومؤسسات وجيوش، ولم يبق منهم سوى قبور منثورة هنا وهناك، «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون»، ألا يعقل هؤلاء أنهم يتقاتلون على سراب وعلى أشياء ربما لم تحصل أبدًا، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد