“عقيدة الاستعمار الحديث بنيت على ثلاث ركائز: داروين، فرويد، وميلتون. فإذا ما نشدتَ التحرر عليك كسر الأضلع الثلاثة من قبل حتى بداية التخطيط “

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الأول :عقيدة الصدمة واقتصاد الكوارث

 

“ميلتون فريدمان”، قراءة في كتاب ناعومي كلاين

 

 

 

 

عقيدة الصدمة، مصطلح نشأ في خمسينيات القرن العشرين على يد الطبيب الكندي البارز دونالد إيوين كاميرون، الطبيب النفسي بمشفى “آلان ميموريال”، حيث تعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية التي مولت أبحاثه لاستحداث وسيلة جديدة لاستخلاص المعلومات وزرع الأفكار في أدمغة المعتقلين.

 

 

 

 

 

 

 

كان كاميرون يعتقد أن ثمة عاملين مهمين يتيحان لنا الحفاظ على إدراكنا للعالم من حولنا؛ البيانات الحسية التي ترد لنا باستمرارعن طريق الحواس المختلفة، والذاكرة. لذلك عمد إلى إلغاء الذاكرة عن طريق الصدمات الكهربائية المتكررة الموجهة بدقة والمهلوسات، وإلغاء البيانات الحسية بواسطة العزل التام عن الضوء والأصوات،

 

 

 

 

 

 

 

كل ذلك مع الحرمان من النوم، فيصبح عقل  المريض صفحة بيضاء يكتب عليها من المعلومات والأفكار كيفما يشاء، ويوجه مريضه حيثما يريد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تحكي جانين هوارد – مريضة بآلان ميموريال وإحدى ضحايا تجارب كاميرون -: “كنت أستيقظ في غرفة أخرى وأنا أشعر بالحزن والاكتئاب الشديدين من دون سبب، كنت أبدو تمامًا كجثة تتحرك وهي في غيبوبة”.

 

 

 

 

 

 

 

 

حققت هذه التقنية نجاحًا باهرًا حتى صارت البروتوكول المعتمد في التعامل مع المغضوب عليهم من المعارضين والإرهابيين في السجون السرية للاستخبارات الأمريكية – كما يوضح كتيب “كوبارك” –  والموساد الإسرائيلي وغيرهم.

 

 

 

 

 

 

ظل مصطلح عقيدة الصدمة سجين نظريات علم النفس وزنازين التعذيب حتى جاء الباحث فريدمان فنقله إلى ساحة النظرية الاقتصادية، حتى صار يدعى “طبيب الصدم الاقتصادي”.

 

 

 

 

 

 

 

ميلتون فريدمان، من مواليد عام 1912 ببروكلين، نيويورك. عمل أستاذًا للنظرية الاقتصادية بجامعة شيكاغو، ويعتبر مؤسس ما عرف بعد ذلك بمدرسة شيكاغو في الاقتصاد. ينظر الآن إلى ميلتون على أنه عراب  “السوق الحر”  حيث آمن بضرورة تقييد دور الحكومة في الاقتصاد  لصالح الشركات الخاصة  “الشركات متعددة الجنسيات”، ما أصبح يعرف لدى غير المتخصصين بالـ”خصخصة”.

 

 

 

 

 

 

 

 

ذهب ميلتون إلى أنه إذا ما توقفت الحكومة عن تقديم الخدمات وتوفير الدعم وضبط الأسواق فإن الاقتصاد سيضبط نفسه بنفسه، ولكن في سبيل ذلك يجب النظر إلى كل شيء حولنا على أنه سلعة لها ثمن وسوق حر تماما عن رقابة الدولة أو دعمها،

 

 

 

 

 

 

 

 

حتى الماء والطعام والدواء والعلاج، كلها سلع تقدمها شركات متخصصة، من لا يملك ثمنها لا تلزمه، حتى أنه  -في خضم حوار متلفز-  صرح مازحًا: “بالطبع أنا لا أنوي خصخصة كل شيء، فأنا لا أنوي خصخصة قواتكم المسلحة ولا جهازكم القضائي ولا بعض طرقكم، أما الباقي فهو لي”.

 

 

 

 

 

 

 

 

يظهر تطرف ميلتون منذ الوهلة الأولى لكل متعقل، ولكن نظرياته وكتاباته لاقت استحسانًا شديدًا في الأوساط الأكاديمية والعالمية، حيث تقابلت مع مصالح الشركات العملاقة العابرة للقارات، فقد أتيح لها التغلغل داخل كل تفاصيل الحياة، وتحويلها إلى سوق كبير لا يحكمه أي شيء سوى منطق العرض والطلب،

 

 

 

 

 

 

 

 

فقامت الشركات بدعم ميلتون وجامعة شيكاجو، وتمويل المنح الدراسية للاقتصاديين الشباب من جميع بقاع العالم، حتى اشتد عود  “مدرسة شيكاغو” وتخرج جيل يافع من الاقتصاديين من جميع بقاع العالم سمي بـ”فتيان شيكاغو” (ناصف ساويرس في مصر على سبيل المثال) حملوا على عاتقهم إعادة صياغة الخطط الاقتصادية في بلادهم لتتواءم وأفكار ميلتون،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولكن ظهرت عقبة أمام هذه النظرية الجديدة، كيف ستتقبل الشعوب  – وبالذات شعوب العالم الثالث المستهدفة أساسًا – هذا البلاء المنتظر؟ البلاء المتمثل في رفع الدعم عن كل مناحي الحياة، مما سيؤدي ولا شك إلى إفلاس الملايين وموت الآلاف المؤلفة جوعا ممن هم دون خط الفقر! وهنا تتجلى عقيدة الصدمة في أبشع صورها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آمن ميلتون أن العلاج بالصدمة الاقتصادية يشجع المجتمع على تقبل شكل “أنقى” من الرأسمالية المتحررة من جميع القيود والضوابط التنظيمية. “فقط الأزمة – فعلية أو مختلقة – هي ما تصنع تغييرًا حقيقيا.

 

 

 

 

 

 

 

 

عندما تقع الأزمات، فإن الإجراءات الواجب اتخاذها تعتمد على نوع الأفكار التي تريد زرعها حول هذه الأزمة”.

 

 

 

 

 

 

الكارثي هنا أن ميلتون لم يدعُ فقط إلى اقتصاد “إعادة الإعمار”، لم يدعُ فقط إلى استغلال الكوارث الطبيعية والمجاعات والفقر لسحق الشعوب تحت أعباء الديون ومن ثمّ سلب إرادتها الاقتصادية والسياسية تباعا، لم يكتفِ بذلك، ولكنه ألمح في غير مرة إلى ضرورة “خلق” الأزمة في بعض الأحيان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وانطلاقا من هذا الكابوس الفكري، ظهرت أولى تطبيقات عقيدة الصدمة، تشيلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

في الخمسينيات ثم الستينيات، خاضت تشيلي تجربة تنموية تقدمية، كانت تعتبر ضوءًا للمنطقة بل والعالم الثالث بأسره، استثمرت الحكومة جل ثروتها في الصحة والتعليم والصناعة، مما أضر بمصالح الشركات بل وهدد نفوذ الحكومة الأمريكية في أمريكا الجنوبية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جاء الرد سريعا عن طريق الخارجية الأمريكية التي أعلنت عن منح دراسية لطلبة من تشيلي وباقي دول أمريكا الجنوبية – بتمويل ضخم من الشركات العابرة للقارات – لدراسة اقتصاد السوق الحر بشيكاجو على يد ميلتون وزملائه،

 

 

 

 

 

 

ثم نالوا درجات الدكتوراة ليعودوا إلى بلادهم ويعلموا أبناءها. أصبح قسم الاقتصاد بالجامعة الكاثوليكية بسانتياجو نموذجًا مصغرًا عن شيكاغو، فيقول أرنولد هاربيرجر المسئول عن برنامج المنح: “لقد نذرت حياتي رسولا للاقتصاد الحر”.

 

 

 

 

 

 

 

ثم يأتي عام 1970 بفوز سلفادور الليندي في الانتخابات الرئاسية – مؤسس حكومة الوحدة الشعبية وصاحب برنامج تأميم قطاعات كبيرة من الاقتصاد – وبرغم جهود الشركات الأمريكية، والـCIA وحتى نيكسون ذاته، أدى الليندي اليمين الدستورية رئيسا للبلاد، فكان لا بد من الصدمة.

 

 

 

 

 

 

 

بدأ الهجوم على حكومة الليندي من ثلاثة محاور؛ الأول اقتصادي عن طريق العقوبات وخنق الاقتصاد التشيلي، والثاني عسكري عن طريق إعداد الـCIA  لانقلاب عسكري داخل صفوف الجيش التشيلي، والثالث فكري حيث بدأ فتية شيكاجو وسنتياجو بإعداد مخطط لإعادة بناء اقتصاد البلاد مكون من 500 صفحة، أطلق عليه “حجر الأساس”.

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي 11 سبتمبر 1973 وبعد 41 عامًا من تمتع تشيلي بحكم ديمقراطي مدني سلمي بلا انقطاع، قام الجنرال أوجوستو بينوشيه قائد الجيش بانقلاب عسكري، بدأه بالهجوم على القصر الرئاسي بالمجنزرات، واصفًا ما يقوم به بـ”الحرب” وليس انقلابًا،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبالفعل تم تصميمه ليبدو كحرب مكتملة الأركان، مجنزرات في الشوارع والطرقات، قصف القصر بالمدفعية وغارات الطيران، اعتقال أكثر من 13,000 مواطن في غضون أيام، وتم تحويل الإستاد الوطني إلى سجن وساحة تعذيب. وكانت تلك أولى تجارب تشيلي مع الصدمات والخوف الموجه.

 

 

 

 

 

 

 

ومنذ الأيام الأولى، سلم فتية شيكاجو مخططهم “حجر الأساس” إلى حكومة بينوشيه،وبدأ التنفيذ: إزالة الرقابة على الأسعار، بيع الشركات المملوكة للدولة، إزالة حواجز الاستيراد، تخفيض الإنفاق الحكومي وتسريح العاملين في القطاع العام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اعترف ميلتون في وقت لاحق بأهمية التجربة التشيلية: “لقد كانت أول حالة يتم تحويل فيها نظام اقتصادي ماركسي، لنظام يقوم على السوق الحر بالكامل”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبرغم فشل التجربة حتى على المستوى الاقتصادي (فقد بلغ معدل التضخم بعدها بعام معدل 375% سنويا وهو أعلى معدل في العالم) أصر ميلتون وهاربيرجر على المضي قدما في استخدام الصدمة إلى آخر مداها, قابلا بينوشيه في سانتياجو وأوصياه باتخاذ المزيد من التدابير التقشفية، حتى صارت الأسرة متوسطة الدخل تنفق ما يزيد عن 70% من دخلها على الخبز فقط!

 

 

 

 

 

 

 

 

وكان لا بد لكي يستجيب الشعب، من خلق عدو للأمة “شبح لا يمكن الإمساك به” طبقا لخطابات بينوشيه.

 

 

 

 

 

 

 

في تشيلي، كان العدو هو الماركسية.

 

تكررت عقيدة الصدمة وتكرر فكر ميلتون في العديد من الدول، وتبقى النتيجة واحدة: سحق الطبقة الفقيرة لصالح الأغنياء، واستعباد الدولة لصالح الشركات التي – وبفضل اقتصاد السوق الحر – تمكنت من امتلاك جل ثروات البلاد، وتحكمت في كل خدماتها وممتلكاتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صرح ميلتون في أكثر من مرة بأن أفكاره تسير دائما وأبدا في عباءة الحرية والديمقراطية، ولكن في نموذج تشيلي –وبرغم إنكاره الرسمي لدعمه للحكم السياسي في تشيلي – نرى مباركته لأعتى أشكال الديكتاتورية العسكرية وتأيده للمجازر والاعتقالات، بل ووجوده الشخصي بجوار بينوشيه في سانتياجو طالما يصبو كل ذلك إلى هدفه الأسمى في ميكافيلية منقطعة النظير،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يمكن الرجوع في ذلك إلى مذكرات أورلاندو لاتيليه سفير الليندي، والذي تم اعتقاله ثم نفيه خارج البلاد، يقول لاتيليه: “حجر الأساس” كان سيتم تطبيقه ولا شك، وفي السياق التشيلي لا يمكن أن يطبقوه إلا من خلال قتل الآلاف وإنشاء معسكرات الاعتقال في جميع أنحاء البلاد واعتقال أكثر من مائة ألف شخص على مدار 3 سنوات”.

 

 

 

 

 

 

 

عام 1976 تسلم ميلتون – ويداه مخضبة بدماء آلاف التشيليين – جائزة نوبل في علم الاقتصاد، مدعومًا بالعديد من الجمعيات والشركات متعددة الجنسيات، بل والحكومات ومنها الحكومة الأمريكية.

 

 

 

 

 

 

 

لذلك، ولذلك كله، ينظر إلى فكر ميلتون وأتباعه على أنه ركيزة من ركائز عقيدة الاستعمار، كي تتحرر عليك الانتصار عليها في عالم الأفكار أولا قبل أن تفكر في الكيفيات والعدة والعتاد.

 

 

 

 

 

 

ولكن تبقى أزمتنا في الاهتمام بلقمة العيش والسعي وراء “كليات القمة” لنصبح “مهنيين”، مجرد حرفيين بلا فكر ولا ثقافة ولا أفكار نعتمد عليها في مواجهة ميلتون وأمثاله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد