تميز المجتمع العربي بكونه مجتمعًا عشائريًّا قبليًّا تحكمه قوانين وعادات خاصة ذات أساس ديني في الغالب، وكان لهذه العادات والقيم دور بارز في تكوين الشخصية العربية، وبقدر ما لها من ميزات فقد اعتراها الكثير من العيوب التي تمارس بشكل دائم، وعُدت قيمًا أصيلةً، وكان من أهم هذه العيوب مسألة التسلط والطبقية، خصوصًا في الجوانب السياسية، وبشكل خاص في الدول الملكية التي تحكمها مجموعة من الأسر الصغيرة، والتي بدورها تتحكم في مصائر ومقدرات البلد والناس لعقود طويلة.

بمجرد أن تكون من أسرة معينة، فهذا يعني أن لك ميزات خاصة غير بقية الناس حتى أصحاب المؤهلات والكفاءات العالية، فقد قدر لك أن تحصل على أرصدة بنكية وراتب شهري منذ الميلاد إلى الوفاة، ولك كامل الحق في حيازة مناصب الدولة السيادية، وكان قدر الشخص الذي أتى إلى الحياة في نفس ميلادك أن يبقى تحت رحمة الحياة القاسية والظلم وجور الحكام، وينبغي له أن يرضى بهذه القسمة والقدر الجائر، وكذلك من يأتي من بعده.

حاولت المجتمعات العربية ممارسة الديمقراطية – تقليدًا للمجتمعات الأجنبية – للتخلص من سلطة الحاكم الواحد والأسرة الواحدة، وكان الفشل من نصيبها، وذلك لسبب أن المجتمع الغربي وصل إلى ما يسمى بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة بعد صراعات طويلة، اتجه بعدها لتطوير وعي الشعوب وتوصل إلى حلول تجعل من بلدانهم مستقرة، وكانت الديمقراطية والتعددية السياسية وسلطة القانون هي أهم ما أنتجته هذه المجتمعات والدول، فما كان من الدول العربية إلا أن سعت لتجربة هذه الأمور في مجتمع يفتقر للوعي، فكان الفشل هو نصيب هذه التجربة، وما نشهده اليوم من صراعات ستكون نتائجها بعد زمن هي الوصول إلى قناعة ووعي أن التداول السلمي للسلطة والقبول بالآخر هو أساس الاستقرار والتنمية، وأنه ينبغي للجميع الحفاظ على الوطن ليعيش الجميع تحت رايته، وأن الخلاف ظاهرة صحية وليست مشكلة يجب حلها بالعنف والفوضى.

كيف لبلداننا أن ترتقي وهي تسودها المحسوبية والواسطة والنزعة العرقية والمذهبية، حصل في بعض البلدان العربية أن تجد مجموعة أعضاء في البرلمان من أسرة واحدة مع افتقارهم للأداء السياسي في أعلى سلطة تشريعية في الدولة، وفي الجانب الآخر تجد مجموعة من الوعاظ ومشايخ الدين يتصدرون المناصب القيادية ليبقى كل إنتاجهم مجرد نصائح ووعظ ديني بعيدًا عن الأداء السياسي الفاعل، وكذلك تصدر هذا المشهد العديد من الوجاهات القبلية نتيجة التبعية القبلية لمؤيدي هذه الوجاهات فكان الفشل النتيجة الحتمية لكل من يخوض الغمار السياسي في تجربة عابرة، بعيدًا عن معايير الكفاءة.

جميع من فشلوا سياسيًّا حاولوا أيضًا التسلق على جهود وطموح شباب الثورة ليدمروا أجمل حلم عربي عرفته بلادنا، فأصبح غالبيتهم مرتهنًا وعميلًا للخارج وينفذ أجندات وسياسات دول أخرى أرادت لجميع بلدان الثورات أن يسودها الصراع والفوضى، فسخرت جزءًا من ميزانياتها للتدخل في الدول الأخرى وانتهاك سيادتها وقمع حريات الناس، في انتهاك صريح لحقوق الإنسان وسيادة الدول، قاصدة بذلك إيصال رسالة مفادها أن من أراد التغيير سيكون مصير بلاده الخراب والفوضى.

ينبغي للشعوب أن تدرك خطورة سياسة العشائر والمحسوبيات لأنها غير قائمة على مبدأ الكفاءة والجدارة، وهي مجرد فكرة قائمة على النزعة العرقية وتغليب مصلحة الفرد على مصلحة وطنه، وجعل مصائر الناس في أيدي مجموعة من الأسر الصغيرة التي تخاف من سياسة التغيير والحريات، وترى فيها الخطر الحقيقي لوجودها واستمراريتها في سلطة الحكم، وتسعى بدورها لشراء الولاءات وتجنيد الوعاظ والإعلام لدعمها الدائم، وتزييف الحقائق، وإقناع الشعوب بأنها تعيش في كنف الحرية والازدهار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد