إن من أكثر ما تتخوف منه الأوساط الشعبية في العراق، هو اندلاع الحرب الأهلية التي قد تقود البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، من صراع عسكري تدخل به الأطراف كافة، السياسية والأمنية والشعبية، وحتى الدينية والدولية.
تمتلك عشائر الجنوب اليوم، وباعتراف حكومي صريح على لسان القادة الأمنيين والعسكريين، أنواعًا مختلفة من السلاح، يصل عددها إلى نحو 200 ألف قطعة، منها الخفيف والمتوسط، ومنها الثقيل.
وخلال السنوات الماضية التي شهدت فيها المحافظات الجنوبية في العراق نزاعات عشائرية مسلحة، كشفت حقيقة تلك الأسلحة التي وصلت إلى استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، ويتركز السلاح المنفلت بيد العشائر خارج الإطار القانوني في البصرة وميسان، ثم سائر محافظات وسط العراق وجنوبه.

لِمَ السلاح بيد العشائر؟

تستغل العشائر الضعف الكبير الذي تعانيه المؤسسات الحكومية اليوم، فضلًا عن ضعف القانون والانفلات الأمني والنفوذ وتفشي الفساد، لتفرض نفسها على الواقع، مستخدمة أسلوب القوة لدعم مصالحها.
وإذا أردنا أن نتحدث عن تلك المصالح، فنبدأ بالمصالح السياسية؛ فإنه من المعروف اليوم أن معظم السياسيين والأحزاب هم من أبناء تلك العشائر، وبهذا فكل شخصية سياسية أو حزب لديه ما يعرف محليًا بـ«الظَّهر» أي القوة المساندة عند الحاجة، لتصبح قوة لها مكانتها أمام الخصوم السياسيين، فمن الصعب أن يصعد مسؤول بمنصب حكومي بارز إلا إذا كان له نفوذ وقوة تدعمه.
كما أن معظم فصائل الحشد الشعبي قد انبثقت من هذه العشائر، وبذلك فهي تعمل على بسط نفوذها وسيطرتها لإبراز العضلات أمام بقية العشائر أو الجهات، ولا سيما في تلك المناطق.
وتستفاد كذلك الجهات الدولية النافذة في هذا البلد، من خلال استخدام ورقة التهديد بالحرب الأهلية، كما هو حاصل اليوم، حيث يعمل وكلاء إيران اليوم على التحذيرات من اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب بسبب التظاهرات، في محاولة للسيطرة على الانفلات والحراك الشعبي، وتوجيهه بحسب المصالح، وكما هو الحال، فقد تكون أمريكا هي الأخرى، تستفيد من ذلك مستقبلًا، ولا سيما أن عينها على المرافق النفطية المهمة في الجنوب.

وتعمل بعض الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة مستغلة قوة العشيرة لفرض السيطرة على المرافق الاقتصادية للنهب والسرقة، وهو ما تعانيه اليوم بعض الحقول النفطية والمنافذ الحدودية، ولا سيما ميناء البصرة.

المخاطر الأمنية

عندما نصف المجتمع العراقي بأكمله بأنه مدجج بالسلاح، وأنه يضاهي في تجهيزه فرقا عسكرية – بحسب قيادات عسكرية عراقية – فهذا يعني أننا أمام خطر محدق بالعراق، ولا سيما أن السلاح منفلت خارج إطار الدولة.
إن السلاح الخارج عن إطار الدولة، يشكّل تهديدًا صريحًا قد يضاهي التهديدات الأمنية الباقية، حتى أنه يضاهي تهديدات «داعش».
فعلى سبيل المثال، لو اشتعل خلاف بسيط بين بعض الجهات المسلحة، فهذا يعني أن الشرارة ستشعل حربًا متسارعة الصعود، في ظل العرف الذي يسود تلك المناطق، بضرورة الثأر فيما لو قتل أحد أبناء العشيرة، وهذا يعني أن المناطق الجنوبية للعراق تعاني خطر احتمال نشوب حرب أهلية في أيّ وقت.
وفيما يتعلق بالجانب السياسي وتأثيره على تلك المخاطر، فلكون الأحزاب والفصائل المسلحة والأحزاب السياسية الفاعلة قد انبثقت من هنالك، فإن أي صراع قد يشتد بين هذه الجهات، من الممكن أن يصل إلى العشائر التي ينتمي إليها منتسبو العشائر أو السياسيون، وهذا يعني أن هنالك جيوشًا من العشائر من الممكن أن يشعل الصراع السياسي حربًا بينها.
وما نشاهده اليوم من تفاقم الأوضاع الأمنية ووصولها إلى العشائر والأحزاب والفصائل المسلحة، في ظل التظاهرات الشعبية، فإن ذلك ينذر بصراع مسلح قد يحوّل الأوضاع إلى حرب أهلية.
كما أن من أكثر تلك المخاطر، هو أن ظاهرة تفشي السلاح، لا يمكن القضاء عليها أبدًا، في ظل مؤسسات حكومية تشكلت على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية والسياسية وحتى العشائرية، أي أن النظام القائم منذ عام 2003 في العراق، قد فشل – وسيفشل دائمًا – في إنهاء هذه المخاطر، لكونه قد تشكّل من هذه العشائر.
وما أشرت إليه في مقالي هذا، لا يسري على كل الجهات العشائرية، ولا يمكن أن يكون كل المجتمع الجنوبي على هذه الشاكلة، بل إن العشائر التي تدعم ولا تزال فاعلة في إدارة الأحزاب السياسية هي التي تشكّل الخطر الرئيس الذي يواجهه العراق، ويضاهي مخاطر «داعش» التي صدّعت به أمريكا رؤوسنا، بعد أن انتهى دوره إقليميًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد