الطفل المريض يرى الإبرة التي يدخلها الطبيب تحت جلده ظلمًا، وهي في رأي أبيه عدل كل العدل، الطفل نظر إلى ألمها والأب أبصر أثرها في شفائه من المرض.

مهلًا لا يوجد خيرٌ محض وشرٌ محض فيما يختلف فيه اثنان، وطالما الأمر نسبي فلا حكم إلا بعد معرفة مآلات الأمور، الظاهر والباطن – القصد – ظاهره فيه العذاب وباطنه فيه الرحمة والعكس بالعكس.

خرق السفينة لكي لا يأخذوها غصبًا، حدث ذلك مع كراهية الأمر نعم كان فعلًا سيئًا في ظاهره حتى موسى عليه السلام «قَالَ أَخَرَقْتَهَالِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا»، لكن القصد كان «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُكُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا».

ثم «فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ».

لا شيء يُبرر في ظاهره هنا «أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ» من غير ذنب تقتل نفسًا بريئة؟ لكن القصد كان «وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا».

ثم «فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا» في الغالب تترك المكان الذي تشعر فيه أن وجودك غير مرحب به «لكن ليس مع أهل الإحاطة والعلم بأسرار الأمور»، مع ذلك «فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ» لكن القصد كان «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ».

قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر، للمتأمل فيها، سيجد ما تطيب به نفسه، وما سيغير من حكمه على كل محنة.

حُكي أن أحد الصالحين، الشيخ فتحي الموصلي، أصابته الحمى فصلى شكرًا لله وقال: «أمثلي يذكره الله من فوق عرشه وعلم أن لي ذنبًا فأراد طهارتي؟».

وفي الخبر: إن الذهب ليُجرب بالنار، والعبد الصالح ليُجرب بالبلاء. وفي ذلك الامتحان.

الاستسلام في كل محنة يعني الموت اختيار ذلك لن يغير من حقيقة أنه كان من الممكن فعلُ شيءٍ أخر غير انتظار الموت، ترك المواجهة لن يغير من حقيقة أنه كان بالإمكان فعل ما كان ممكن أن يصلح الأمر ولو قليلًا بدلًا عن الاستسلام.

يقول أحمد بن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء.

نحن غالبًا نطلع على جزء من الواقع ونصدر أحكامًا خاطئة، هذا ما يحدث كثيرًا للأسف.

ولكن الآلم أحيانًا يأتي لجعلنا أقوى، لترتقي أرواحنا وتصفو قلوبنا، بعض الآلم (استراحة مقاتل) ضرورية وإجبارية.

نعم لا أحد يحب الآلم لكن العافية بعده ولادة جديدة حتمًا وحتى لو أخذ منّا شيء في مروره بنّا، لكن الحياة عائدة ولو بعد طول العاصفة.

يجب أن نتعلم من كل محنة ولا ننساها بعد الخروج منها، لا يكلف نفسًا إلا وسعها، نعم، لكن هذا ليس معناه عدم المواجهة، بل إن ما أصابك قادرٌ أنت على اجتيازه بمعية الله.

لا تنس أن تلك المحنة جعلتك أقوى وأنضج. وغيرتك كثيرًا نعم خسرت شيء، لكن قد يكون العوض أكبر.

وأخيرًا: عند الخروج من أية محنة اسأل نفسك: ماذا لو لم تحدث؟ ابحث عن جانب حسن في الأمر وستجده حتمًا. وغالبًا ما نعرف ذلك بعد انتهاء تلك المحن.

لكن من يدري ماذا كان سيحدث لو لم يحدث الذي حدث؟

تغيير النظرة بالحكم المطلق على الواقع، حتمًا سيجعلنا نبحث عن منحة في كل محنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد