تُصاب بالحيرة وأنت تقرأ في بنية المجتمع اليمني، ربما لأن هذا المجال لم يُطرق بعد من قبل الباحثين في الاجتماعيات، وإن كُنت أرى أن الاجتماع اليمني يختلف كثيرًا عن محيطه العربي والأفريقي، لعدة عوامل ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في صنعها الجغرافيا والبيئة، والعزلة التي شكلها هذان العاملان وتأثيرهما في حياة الاجتماع اليمني. أيُة حيرة تلك التي تعتريك وأنت تقف أمام بنية بطيئة في تحولاتها ومُعقدة في تغيراتها! سلسلة من العلاقات والتداخلات الاجتماعية، شملت كل مناحي حياة المجتمع اليمني، السياسية، والاقتصادية، والجغرافية، والثقافية، والدينية.

من خلال استقراء في مسرح الأحداث التاريخية لليمن، ربما يمكننا القول إن (القبيلة، والجغرافيا، والموارد) في اليمن، هما ثالوث الدولة اليمنية في الماضي والحاضر، وربما ستظل في المستقبل، أو لنقل إن ذلك الثالوث مثل حالة خاصة في التاريخ اليمني تختلف عن بقية الأقطار العربية، لا يمكن لأي نظام سياسي يمني – إذا ما أراد أن يحكم اليمن – أن يتجاوزهما لجملة من الاعتبارات. على غرار بقية الأقطار العربية التي تجاوزت هذا الثالوث، أو على الأقل ثنائية الجغرافيا والقبيلة، باعتبار هذين الأخيرين شكلا حالة خاصة في تاريخ الاجتماع والنظام السياسي اليمني.

مع أن العشائرية لا تزال هي الطابع السائد لدى غالبية الدول العربية، إلا أن القبيلة اليمنية بطابعها الريفي – بما هي تمثل نسبة 80% من السكان – يمثل الارتباط القبلي الجغرافي الفارق الجوهري في حياة الاجتماع اليمني، باعتبار الجغرافيا اليمنية أكسبت القبيلة اليمنية استقلالًا وحدودًا، تبدو القبائل كما لو أنها مجموعة دويلات صغيره، تحكمها القوانين العرفية وحدود مرسمة مع بقية القبائل المجاورة، ساعد ذلك في خلق النزعة الاستقلالية عن الدولة، مما أضعف مركزيتها وتعزيز القيم الدولتية.

 يحكي لنا تاريخ اليمن الكم الكبير من الدويلات العشائرية. وفي ذلك يقول الدكتور أحمد علي الأحصب، في دراسته «هوية السلطة في اليمن: جدل التاريخ والسياسة» عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يقول: إن العشائرية العميقة ونشاطها السياسي كانا من الأسباب الرئيسة التي وقفت وراء حالة التفكك السياسي المتكرر الذي وسم التاريخ اليمني، ويضيف، لطالما أظهرت الجغرافيا اليمنية نزعة وميولًا إلى التمرد وعدم الخضوع للسلطة، وحسب وصفه، فقد شجعت التضاريس الصعبة والمتنوعة والتباعد الجغرافي، النزعات الاستقلالية لدى السكان، وسهلت مهمة مقاومة أي نوع من الارتباط السياسي بالسلطة المركزية». 

هناك اعتبارات أخرى، أعطت الحالة اليمنية فرادة من نوع ما، من بينها: ضعف التحولات الاجتماعية في البنية القبلية اليمنية، وشحة الموارد، والاكتساء بالدعاوي الجهوية، التي هي في حقيقتها تعبر عن تقسيمات جغرافية. ويذهب الدكتور جواد علي إلى أبعد من ذلك، إذ يقول: «فما القبيلة في اليمن إلا تعبيرًا جغرافيًا».

تشبه العلاقة بين النظام السياسي في اليمن والقبيلة، كالعلاقة بين الثعبان والعازف، العازف يعزف للثعبان ويجني المال من المارة، والثعبان يرقص للعازف مقابل الفتات من الطعام، وإذا ما انتهت تلك العلاقة، لربما تعرض أحدهم إما للدغ أو للقتل، وهذه العلاقة بين الدولة والنظام السياسي قادمة من التاريخ، ولها قرائن وشواهد كثيرة في التاريخ اليمني، مثلت القبيلة اليمنية في التاريخ اليمني العصا التي اتكأت عليها الدولة، وفي ذات الوقت كانت هي العصا التي ضُربت بها الدولة والنظام السياسي في البلاد. مرات عديدة جاءت القبيلة بالنظام والدولة، ومرات أكثر كانت هي من أفنت تلك الأنظمة والدول.

يرى البعض – وخصوصًا في ظل الصراع اليمني الحالي – أن المعضلة اليمنية في الماضي والحاضر تكمن في الإمامة (الحكم الكهنوتي السلالي)، وفي رأيي هذه معضلة طارئة ودخيلة على بنية المجتمع اليمني، ربما أمّنت هذه الأخيرة وقودًا إضافيًا للصراع في البلاد، خصوصًا في بعدها السياسي المذهبي، باعتبارها – أي الإمامة – مشروعًا سياسيًا سلطويًا، إلا أن المعضلة الحقيقية والدائمة، تعود إلى ما قبل دخول الإمامة إلى اليمن، لا يعني ذلك أن المشروع السلالي الإمامي بريء من الصراعات التي عانتها اليمن منذ مطلع القرن الثالث الهجري.

 بتعبير آخر لدى الأحصب «ظلت الزيدية بالذات شوكة في خاصرة جميع الدول التي ظهرت في البلاد منذ القرن التاسع وساهمت في إسقاطها»، إلا أن الزيدية السياسية ذاتها حينما جاءت بمشروعها السلطوي، لعبت على ما أسميناه في هذا المقال (ثالوث الدولة اليمنية) على تناقضات «القبيلة والجغرافية تحديدًا»، ربما أضافت الإمامة فصلًا جديدًا في الصراع اليمني منذ قدومها، إلا أن معضلة الدولة كانت سابقة لهذا الطارئ الجديد.

تُمثل القبيلة اليمنية معضلة، باعتبارها ظاهرة انبثق عنها النظام السياسي في مراحله الأولى، لكنه لاحقا لم يتجاوز تعقيداتها وتداخلاتها، فظلت القبيلة كامنة في الدول والدولة كامنة في القبيلة، أو ما يمكننا أن نسميه نوعًا من «الحلول والكمون»، ظهرت الدولة اليمنية في التاريخ «عشائرية» كما أسلفنا، تظهر القبيلة أولًا، ثم تأتي الجغرافيا ثانيًا كعامل استقلال، ثم أخيرًا، يمثل العامل الاقتصادي (الموارد) الطموح السياسي التوسعي، وهذا كان جلي في التاريخ القديم والوسيط والحديث لليمن، وإن مثلت الدعوات المذهبية جزءًا مهما في ظهور بعض الدويلات اليمنية، إلا أن وقود تلك الدول كان يصنعه (البعد القبلي، والجغرافي، وشح الموارد).

لاحقًا لم تفهم الدولة الوطنية الحديثة البنية القبلية وتساعد في تطويرها، باعتبارها بنية أصيلة في المجتمع اليمني وثابتة في القدم، فذهبت القبيلة بعيدًا عن الدولة معززة تمسكها ومحافظة على بنيتها، ومع هذا أصبحت أكثر نزعة للاستقلالية والتقوقع حول تقاليدها وأعرافها، وهذا بدورة أضعف مركزية الدولة وهيبتها، فيما كان النظام السياسي ينظر إلى تلك الاستقلالية على أنها تمرد على سلطته. وهكذا مثل هذا الفهم تاريخ طويل من الصراع بين القبيلة والنظام، ويعلق الأحصب عن هذا، نقلًا عن برايان، في كتابه (ميلاد اليمن الحديث)، «بأن اليمن بلد ذات تاريخ طويل للأرض، وقصير للدولة».

يضيف الأحصب، وقد أعد مُسوحات ميدانية في هذا الشأن، في دراسته المذكورة سلفًا، فيقول: باستثناء الجمهورية اليمنية، لم تحكم أية دولة البلاد كاملة أو سيطرت على كامل الجغرافيا اليمنية تمامًا طيلة فترة حكمها، ويذكر أنه منذ ظهور دولة سبأ – في القرن الثامن قبل الميلاد – وحتى اللحظة، عرف اليمن حوالي 133 دولة كبيرة ومتوسطة وصغيرة حكمت اليمن أو أجزاءً منه، وهو ما يعني أن لدينا في المتوسط دولة/دويلة كل 21 سنة، ولا شك أن هذا معدل مرتفع إذا قارناه بحالة بلد آخر». وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الروح الاستقلالية للقبيلة اليمنية، والشعور بأنها كيان مستقل بالنظام والجغرافيا يضعها دائمًا في بداية أي هجوم على النظام السياسي «الدولة»، وتدخل في زيادة وتيرة الصراع، بالإضافة إلى البعد القبلي، بعدي الجغرافيا وشح الموارد، التي تجعل القبيلة دومًا تبحث عن مصالحها مع كل نظام جديد.

برأي  الأحصب، أن ما يحصل اليوم من تعبير عن الهموم والتطلعات السياسية وغير السياسية أصبح – إلى حد كبير – يتم بلغة الجغرافيا ومن خلال بوابتها، ويرى «أن البلاد تشكل مقابلات متسيسة مختلفة في حيثياتها ودواعيها وأهدافها ووظائفها».

برأيي لسوء فهم الدولة الحديثة لهذه الحيثيات – أو لنقول بشكل أدق – حاول النظام السياسي اليمني قديمًا وحديثًا، اللعب على وتر تناقضات هذا الثالوث (الجغرافيا والقبيلة والموارد)، عكس ذلك الدور الذي كانت تقوم به الأنظمة السياسية أثرًا رجعيًا على المجتمع والنظام السياسي، وبالتالي على القيم والنظم الدولية التي تُكسب المجتمع أهمية الدولة وتساعد في تسريع تحولاته، وهذا الأخير ساهم في اتساع الفجوة بين القبيلة والدولة، أو لنقل فقدان الثقة، ولا غرابة اليوم أن نرى القبيلة اليمنية تنظر إلى الصراع اليمني الحالي، على أنه شأن لم يعد يهمها، وإن تفاعلت معه أو ضده فلأنها تبحث أولًا عن مصالحها وبما يحفظ أفرادها وأمنها، بالإضافة إلى المقابلات الجغرافية التي تنطلق منها.

وأخيرًا جدير بالذكر أن ننوه لهذه الملاحظة، وهي تعزز ما ذكرناه سلفًا، اليوم في الصراع اليمني لا تأخذ صورة النضال اليمني صفة «المواطنة اليمنية الجامعة» حتى على مستوى الصف النضالي الواحد، بل تجد الجغرافيا والقبيلة تغلب عليها، فيقال قبيلة كذا، ويقال منطقة كذا، وآل فلان، والشرق والجنوب والشمال، وهذا يعود إلى تكثيف صورة ما أسميناه، ثالوث الدولة اليمنية (الجغرافيا والقبيلة والموارد)، وهذا الأخير – أي الموارد – تذكرنا بدوافع الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الشمال والجنوب، وحاليًا مرة أخرى دعوات الانفصال بين الشطرين، يقف خلف الوحدة والانفصال البعد الاقتصادي، سابقًا الدعوة «للوحدة» حينما انهار الاقتصاد الجنوبي على أثر انهيار الاقتصاد السوفيتي، وحاليًا دعوات الانفصال حينما اكتشفت الثروات التي يمتلكها الجنوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد