هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة والمنتشرة في عصرنا الحالي عن الإسلام والمسلمين والشرق، وفي كثير من الأحيان تتكون هذه المفاهيم من الفهم الخاطئ للتاريخ وعادات الناس والأمم في المجتمعات والحقب والمناطق المختلفة، هذا الفهم الخاطئ لم يعد منتشرًا عن الغربيين فقط بل تسلل إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية بعد ترجمة وانتشار كتب وتحليلات وأفكار المستشرقين الذين شوهوا صورة الإسلام والمسلمين بقصد أو بدون قصد، لذلك نصحبكم في هذا المقال وغيره في جولة تاريخية وفكرية مشوقة عبر كتاب «حضارة العرب» للمستشرق الفرنسي جوستاف لوبون لنرى جانبًا مختلفًا من آراء المستشرقين في العالم العربي والإسلامي ونزور حقبًا تاريخية منسية ومجهولة بالنسبة لبعضنا، وقد يشك البعض في أن ما هو مكتوب صدر عن مستشرق فرنسي ملحد لذا أكثرنا من الاقتباسات تأكيدًا على المصداقية.

المرأة في الشرق

يفتتح جوستاف لوبون الفصل الرابع من الباب الرابع من كتابه «حضارة العرب» بالحديث عن مبدأ تعدد الزوجات فيقول «لا يدرك المرء نظم أمة أجنبية إلا إذا تناسى، قليلًا، مبادئ البيئة التي يعيش فيها وفَرَضَ نفسه من أبناء تلك الأمة، ولا سيما إذا كانت تلك النظم من نوع مبدأ تعدد الزوجات الذي لمَّا تُعْلَمْ حقيقة أمره إلا قليلًا فأسيء الحكم فيه».

ويكمل لوبون حديثه عن هذا المبدأ موضحًا أنه أكثر مبدأ أخطأ الأوروبيون في فهمه والتحامل عليه لقله علمهم به وظنهم أنه من الأسباب الرئيسية لانتشار الإسلام، فيبدأ بالحديث عن أصل ذلك المبدأ فيقول «إن مبدأ تعدد الزوجات ليس خاصٍّا بالإسلام، فقد عَرَفَه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور محمد، ولم ترَ الأمم التي اعتنقت الإسلام فيه غُنْمًا جديدًا إذن، ولا نعتقد، مع ذلك، وجود ديانة قوية تستطيع أن تُحَوِّل الطبائع فتبتدع، أو تمنع، مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جَو الشرقيين وعروقهم وطُرُق حياتهم».
ثم يوضح لوبون الأسباب التي تجعل تعدد الزوجات منطقيًا عند الأمم الشرقية وهي في رأيه أسباب عرقية وجسمانية ونفسية وبيئية، ثم يبدي تعجبه من رفض الأوروبيين لهذا المبدأ فيقول «ولا أرى سببًا لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبةً من مبدأ تعدد الزوجات السِّري عند الأوروبيين، وأبُصِر العكس فأرى ما يجعله أسنى منه،
وبهذا ندرك مغزى تعجب الشرقيين الذين يزورون مدننا الكبيرة من احتجاجنا عليهم ونظرِهم إلى هذا الاحتجاج شَزْرًا».

ويزيد على أسبابه أسبابًا أخرى اقتبسها من العالم «مسيو لُوپلِه» صاحب كتاب «عمّال الشرق» فدونها في كتابه وهي «يتزوج ربُّ الأسرة صغيرًا على العموم، وتضعف زوجته الأولى بعد أن تكون ذات أولاد كثيرة على حين يبقى تامَّ القوة، فيُضطر إلى الزواج مرةً أخرى بتحريض الزوجة الأولى غالبًا وبموافقتها تقريبًا… وقد يَعجب المرء أولَ وهلةٍ،

من حمل امرأةٍ زوجَها على الزواج بامرأة أخرى، ولكن العجب يزول حينما نعلم أن النساء في الأسر الإسلامية «الزراعية» هنَّ اللائي يَقُمن بشئون المنزل مهما كانت شاقةً،

وذلك أن الفلاحين إذ كانوا يجهلون أمر اتخاذ الخوادم لم يبقَ للنساء غير الاستعانة بالإماء والقريبات اللائي يكنَّ في الزمرة نفسها، وقد لا يكون هنالك قريبات، وقد لا تسمح الأحوال باشتراء إماء، وقد تصبح الإماء عند اشترائهن جواريَ منافساتٍ للزوجة الأولى في الحظوة لدى رب الأسرة، فلا يكون لدى الزوجة الأولى ما يستلزم تفضيلَ الإماء هؤلاء على الزوجات الشرعيات الأخر، ومن ثم ترى أن الزوجة تشير في تلك الأحوال على زوجها بأن يَبنيَ بزوجة أخرى، ولا سيما إذا علمت أنها تصنع ذلك حينما تكون آخذةً في الهرم منهمكةً في واجبات الأمومة».

ثم يتحدث لوبون عن تأثير الإسلام على المرأة ويوضح أن مبدأ تعدد الزوجات ليس هو حجر الأساس في الإسلام وليس الشيء الوحيد الخاص بالمرأة الذي تحدث عنه الإسلام، ويوضح أن الإسلام تعامل مع المرأة بشكل يختلف كثيرًا عما هو منتشر فيقول لوبون «والإسلامُ قد رفع حال المرأة الاجتماعيِّ وشأنَها رفعًا عظيمًا بدلًا من خفضها خلافًا للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقًا إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوروبية كما أثبتُّ ذلك حينما بحثتُ في حقوق الإرث عند العرب، أَجَلْ، أباح القرآن الطلاق كما أباحته قوانين أوروبا التي قالت به، ولكنه اشترط أن يكون «للمطلقات متاعٌ بالمعروف»».

ثم يقول لوبون إنه إذا ما أردنا أن نعرف كيف رفع الإسلام شأن المرأة فإن علينا أن نعود إلى عصر ازدهار حضارة العرب ونقارن بين أوضاع المرأة عند العرب وعند الغرب، ثم يستدل بأحداث من تاريخ العرب والغرب أنه كان للمرأة في عصر ازدهار العرب مكانة عالية جدًا لم تبلغها مثيلاتهن في أوروبا وأن المرأة كانت تعامل كالأنعام في أرقى بيوت العائلات الأوروبية كبيت القيصر «شارلمان» الذي كان يضرب نساء بيته ضربًا مبرحًا ومنهم أخته وهي من الأفعال التي لا يطيق العربي أن يفعلها في رأي لوبون.

ويتابع لوبون قائلًا «وخَبَت حضارة قدماء الخلفاء الساطعة في عهد وارثي العرب، ولا سيما في عهد الترك، فنقص شأن النساء كثيرًا، وسَأبَُيِّن في مكان آخر أن حالتهن الحاضرة أفضل من حالة أخواتهن في أوروبا حتى عند الترك، وما تقدم يُثْبِت أن نقصان شأنهن حدث خلافًا للقرآن، لا بسبب القرآن على كل حال».

ثم يقول لوبون مخالفًا لكثير من المستشرقين «ولم يقتصر فضل الإسلام على رفع شأن المرأة، بل نُضيف إلى هذا أنه أولُ دين فعل ذلك، ويَسْهُل إثبات هذا ببياننا أن جميع الأديان والأمم التي جاءت قبل العرب أساءت إلى المرأة».
فيذكر وضع المرأة في مختلف الأديان الوثنية منها والسماوية ويبين كيف أن حقوق المرأة فيها كانت شبه منعدمة وأنه لم يأت دين يقر للمرأة حقوقًا كالتي أقرها لها الإسلام.

ثم ينتقل لوبون دارسًا ومحللًا للزواج عند العرب فيذكر عدد الزوجات المتاح للمسلم أن يتزوجهم وطريقة التعامل بين الأزواج في المنازل وبينهم وبين آبائهم والسن التي يتزوج عندها الرجل والمرأة في بلاد العرب ومما قاله «وينظر العرب شزرًا إلى العزوبة، والعزوبةُ تزيد في الغرب شيوعًا كلَّ يوم كما دلت عليه الإحصاءات، ومتى بلغ العربيُّ العشرين من عمره تزوج على العموم، ومتى بلغت العربية ما بين السنة العاشرة والسنة الثانية عشرة من عمرها تزوجت على العموم، وقد: اعترف إيبر بفائدة هذه العادة فقال: «لا يسعنا إلا الشهادة بحسن تلك الروح البَيْتِيَّة،وصلاح تلك الحياة المنزلية».

ثم يذكر لوبون الطريقة التي تعامل بها النساء في الشرق مدونًا «المرأة في الشرق تُحترم بنُبْل وكرم على العموم، فلا أحد يستطيع أن يرفع يده عليها في الطريق، ولا يجرؤ جنديٌّ أن يسيء إلى أوقح نساء الشعب حتى في أثناء الشغب، وفي الشرق يَشمل البعل زوجته بعين رعايته، وفي الشرق يبلغ الاعتناء بالأم درجة العبادة، وفي الشرق لا تجد رجلًا يُقدم على إلزام زوجته بالعمل ليستفيد من كسبها، وفي الشرق يدفع الزوج مهرًا إلى زوجته فلا تجيء الزوجة إلى بيت زوجها مصحوبةً بأكثر من جهازها ومن بضع إماء لها، وإذا طُلِّقَت الزوجة في الشرق أو هُجِرت أعطاها الرجل نَفَقَةً لتعيش عن سعة، وحَمْلُ الزوج بعد الفراق على القيام بهذا الإنفاق يمنعه من إساءة معاملتها حَذَرَ مطالبته بالفراق».

هذا هو مجمل ما قاله لوبون فيما يخص شؤون المرأة في الشرق وهو على قدر كبير من الأهمية، ليس فقط لأنه رأي لمستشرق تحرى الأمانة العلمية قبل أن يكتب ويدون ولكن لأنه يرينا حقبة من زماننا ربما تكون غامضة ومنسية أو حتى مهملة بالنسبة إلينا نحن المسلمين والعرب وما دونه لوبون عن تلك الحقب قد يزيل بعضًا من المفاهيم المغلوطة والمنتشرة في زماننا هذا عن المرأة في الشرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب "حضارة العرب"
عرض التعليقات
تحميل المزيد