تذكرت رمضان بينما كنت قاعدًا أتأمل انشغال الناس في مواقع التواصل، وفي الواقع، وفي كل مكان، عن ريال مدريد وبرشلونة، وحدوث الخصام ما بيت مشجعين الفريقين. وبذلك النمط حدث لي اليوم مجددًا، عند انشغال الناس بقرار ترمب حول الاتفاق النووي مع ايران. تذكرت رمضان، وشعرت بالذنب، ذنب الأمة وانشغالها في الحياة، وتسابق الدول على النفوذ، والمرتزقة في جعل أنفسهم وقود الحرب من أجل النقود، وهذه مسأله وحيدة، يمكن تخيلها على تمهل، واستنتاج سؤال مذهل، وهو ماذا يستفيد الذي يقتل من أجل النقود؟ هذا جواب يمكن أنه أكثر ما يشعر القتيل بالندم الوافر بسببه!

وخضوع الساسة للتحليل، وذوو المصالح للتبرير، والمتحزبون على الجدال؛ كلها عبارة عن أمور تافهه ومغرضه، شغلت الناس عن ما هو أهم من كل شيء، ومن الضروري استقباله بتعافي بلا احقاد أو مهاترات سياسية أو غيرها.

بربكم دعوا السياسة لمدة شهر واحد، واجعلوا منه شهر توبه لذنوبكم.

يترسخ في عقلي اعتقادًا جازمًا بأن السياسي لا يصل مرحلة يكون بها سياسيًا محنكًا حتى يخضع لنزوات الشياطين، وترك مجال الدين، ونزع الرحمة، وجعل قلبه فولاذي أمام الضعفاء، وجعل عشقه التحايل، وحبه المصالح. ويجد في نهاية الأمر نفسه تاركًا ما ملك من مال وافر، وقصور مزهنقة، وعيشة مرهفة، ثم بنهاية المطاف في حفرة صغيرة.

عفوًا يا شهرنا الكريم فقد أنستنا الحروب واللهو ومتاع الدنيا قدومك، وأضاعت عنا حتى التفكير بخيرك. يا شهرنا الكريم إنها الحياة، الحياة نعم، ولمَ لا، وكل شخص منا يعمل لحياته أكثر مما يعمل لمماته؟

متاع الغرور هي الدنيا، والحياة ليست إلا رحلة، أما رحلة موفقة أو غير ذلك، أما نصل عبرها إلى النار أو إلى الجنة، فسنقول اغفر لنا زلتنا يا رب وأسكنا الفردوس الأعلى، ونجنا من عذاب النار، واجعلنا من الصالحين، وبلغنا قدوم رمضان، واجعلنا ممن قبلت صيامه وقيامه، وغفرت عنه ذنوبه.

ما من مستفيد من الحروب إذا مارسها، والأطماع إذا تشبث بها، والقتل والبشاعة، إذا اعتبرها شغله الشاغل. ولن تفيد أحد أعماله مهما بلغت من الثمن.

ماذا يستفيد الشخص من قراءته لكتاب الأمير، وكتاب 48 قانونًا للسطوة، وتعلمه المكر والقوة وممارستها بأبشع صوره يمكن تخيلها على من هم أضعف منه، وهناك من قوته وملكوته بلغت السموات والأرض أنه الله جلال جلاله . ولو قرأ الإنسان القرآن لكان أثوب له من كل شيء يهواه.

وما المستفيد الحقيقي إلا من تاب حق توبة، وصام خير صيام، وشغل نفسه بقرأة القرآن وترتيله، والاعتكاف لا لشيء، ولكن للتقرب إلى الله أكثر والابتعاد عن الناس والحياة ومشاغلها وكبح النفس ونزواتها. فما الاعتكاف إلا حكمة من الله، وبالاعتكاف ستبتعد بنفسك عن كلام الناس وتعصمها من الفواحش، وتتوب حق توبه، وتبني منك رجلًا صالحًا، بل الأكثر من ذلك أن مصادفتك لليلة القدر تكون ممكنة. وليلة القدر خير من ألف شهر. تخيل وأنت تدعو لربك أن يتوب عنك، ويبعد عنك معاصيك، ويغفر لك، ويرحمك، وأنت متضرع له، فتصادفك ليلة القدر، وتكون الدعوة مستجابة. إنها خيرًا من الدنيا بما رحبت، والحياة بما زينت.

تأكد أن رمضان قادم، وقبل دخوله، قم بالدعاء لله بأن يبلغك الشهر الكريم رمضان، وتكون به من الصالحين والتوابين. واستغل كل دقيقة في العبادة، فهو خصص لذلك، فلا تتمرتع وكون من الصالحين، توب عن اخطائك، وفي حال ارتكبت ذنب لا تؤمن أنك قد وصلت إلى مرحلة الذنب غير المغفور، بل بادر بالرجوع إلى الله وتُب، فسيغفر لك الله إنه غفور رحيم.

تقيد الشياطين في رمضان، لأننا أكثر إيمان، وأكثر قوة في التوبة؛ ما يجعل الشياطين تحترق وتتقيد، فلا تجد مجالًا لإفساد النفس وإيقاعها في المعاصي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد