كلمة عدوان في علم السياسة تعني «هجومًا ظالمًا أو غزوًا مفاجئًا»، وهذا يعني أن أي غزو أو هجوم يتجاوز إرادة المعتدى عليه فهو عدوان، حتى لو كان الهدف من ذلك العدوان هدفًا نبيلاً أو ساميًا كما يدّعي أصحابه، يبقى العدوان عدوانًا، هذا التوضيح كان من المهم جدًا إبرازه أمام القارىء قبيل الحديث عن الضربات الأمريكية البريطانية الفرنسية على سوريا قبل أيام.

تلك الضربات بلا شك عدوان جائر على دولة ذات سيادة، سيقول البعض أي سيادة تلك التي تتحدث عنها، وقد أبيحت للروس والإيرانيين يعيثون فيها قتلاً، ويرتكبون فيها الجرائم، مبدئيًّا لا شك في أن النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد وحلفائه من الروس والإيرانيين ارتكبوا على مدار السبعة أعوام الماضية وحتى الآن الكثير من الجرائم والخطايا بحق الشعب السوري، وليس معنى كلامي أنني أؤيد في الوقت نفسه الطرف الآخر المتمثل في الجماعات الدينية المسلحة التي تقاتل بشار، لا؛ فتلك الجماعات ارتكبت في حق الشعب والدولة السورية خطايا أكبر بهدف التمكين، وإسقاط النظام، حتى ولو سالت دماء السوريين جميعهم، لكنني هنا أحاول أن أضع الحقائق في نصابها.

يبقى منطق النظام السوري في أن الروس والإيرانيين حلفاؤه، وهو الذي دعاهم بإرادته كي يساعدوه على محاربة الإرهاب، والتصدي للمؤامرة المحاكة ضده منذ سنوات، منطق له وجاهته، وبالنظر إلى الجانب الآخر، وهو جانب المعارضة المسلحة، التي تتبنى نهج المظلومية، وتتلقى المساعدات العسكرية بشكل أو بآخر من واشنطن وحلفائها، منطقًا به خلل نوعًا ما، والدليل على هذا الخلل هو الضربات الأخيرة، التي هلل لها معارضي النظام وانتظروا أن تكون الضربة القاضية لإنقاذ الشعب السوري من مجازر الأسد! لكن ما حدث هو أن تمخض جبل ترامب وأمريكا فولد فأرًا.

في رأيي أن مشكلة بعض العرب الذين باركوا العدوان الثلاثي، هي في إشكالية تفكيرهم؛ لأنهم خلطوا ما بين عدائهم للنظام الحاكم، وبين الدولة السورية نفسها وسيادتها، فدفعهم ذلك للجهر بلا خجل إلى مباركة التدخل الأجنبي نكاية في بشار ونظامه.

لا يمكن بأي حال من الأحوال التهليل والتطبيل للعدوان الثلاثي الذي استهدف سوريا قبل أيام، والموافقة على استباحة صواريخ قوى الاستعمار الخارجي لأرضنا العربية بحجة الانتصار للشعب السوري ضد النظام الديكتاتوري القاتل، وياليتهم صدقوا في زعمهم الزائف أنهم ينتصرون للشعب، فلقد رأينا جميعًا كيف أنها ضربة محدودة أشبه بحركة بهلوانية على مسرح، لا تثمن ولا تغني من جوع، بل بالعكس تكشف عن مدى الهوان والانهزامية والتبعية الذين وصل إليهم العرب، لقد أصبحنا لعبة في حرب مصالح دولية.

بعيدًا عن مدى صدق الرواية التي تتهم الأسد بضرب مدينة دوما بالسلاح الكيماوي أو كذبها، خصوصًا وأنها في رأيي ضربة لا داعي لها في ظل تحقيق النظام وحلفائه انتصارات واسعة، ونجاحهم في استعادة الكثير من المناطق التي كانت بحوزة المعارضة، فإن الخلاصة أن الحرب الأهلية السورية أثبتت أن الكل مدان بشكل أو بآخر، النظام والمعارضة المسلحة، روسيا وأمريكا، إيران وإسرائيل.

النظام في تشبثه بموقعه مهما كانت النتائج والتداعيات على شعبه وأرضه، دون العمل الجاد على الوصول إلى حلول سياسية، المعارضة المسلحة التي لا تتورع في المتاجرة بدماء السوريين وآلامهم، روسيا وأمريكا وتحت جناحيهما إيران وإسرائيل والذين يخوضون جميعهم حربًا باردة على أراضينا العربية كل لأجل مصلحته الخاصة وليست مصلحة سوريا.

قناعتي الشخصية أن ما يحدث في سوريا منذ سبعة أعوام أعقد من أن يكون انتفاضة شعبية بريئة، ومبدأي هو استحالة الوقوف في معسكر واحد مع إسرائيل وأمريكا؛ فإن كنا نسينا من نحن وكيف كنا، دعونا لا ننسى عدونا كيف أضمر لنا في الماضي وماذا يضمر لنا في الحاضر والمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد