لم تحقق أي ثورة من الثورات حتى الآن نجاحًا أو بقاءً مثلما حققت الثورة الليبية، فهي بالمقارنة ببقية ثورات الربيع العربي تأخذ أعلى المعدلات نجاحًا (وإن لم يكتمل) وأعلى المعدلات صمودًا في الحكم (وإن كان ناقصًا)، فثورة مصر، تحولت انقلابًا يرسخ أقدامه ومعارضة سلمية لا تمتلك القوة الكافية لإسقاط النظام (المدعوم حتى الآن عسكريًّا وشرطيًّا وإعلاميًّا ودوليًّا)، بينما ثورة تونس دخلت في أتون التراجع إلى الخلف، فبعد المرزوقي جاء السبسي حاكمًا، وبعد حزب النهضة الحاكم جاءت كتلة نداء تونس الفلولية، أما ثورة اليمن فجاء عبد ربه منصور (نائب الطاغية علي عبد الله صالح) الذي شكل حزبًا سياسيًّا وتحالفًا مع الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة صنعاء، ويسيطرون على نصف البلاد، فصارت البلاد بين طاغيتين كلاهما مر (الحوثيين ونائب علي عبد الله صالح).

أما الثورة السورية، فرغم صمودها الأسطوري إلا أنها لم تنجح حتى الآن في اقتلاع الطاغية أو رحيله أو هروبه أو عزله كباقي الثورات التي فشلت، فهي لم تراوح بعد المربع الأول، وإن كانت كل الثورات قد عادت إليه من جديد.

إلا ليبيا، هذه هي الحالة الاستثنائية الوحيدة، يحاول الغرب إسقاطها ويحاول ثوارها الصعود بها.

فليبيا بعد مقتل القذافي أخذت إجراءات بتسليح الثوار وضمهم إلى الجيش ولم يسحبوا السلاح من أيديهم، وتكاتف الثوار لوضع دستور وتشكيل حكومة، حتى استطاع الانقلابيون بقيادة حفتر وبدعم إقليمي (مصري– سعودي– إماراتي– جزائري) ودعم دولي أن يجدوا منفذًا لمحاولة السيطرة على الثورة في ليبيا، كآخر ثورات الربيع العربي (إلا أن ثوار ليبيا حتى الآن، يشكلون رقمًا صعبًا أمام هذا المخطط الكبير).

فقوات حفتر المتمركزة في شرق ليبيا (طبرق) تساعدها مصر, لم تستطع بعد عام من القتال أن تسيطر سيطرة كاملة على مدينة بني غازي حتى الآن، ولكنها تحاول جاهدة أن تسقط المدن الكبرى (يساندها قوى إعلامية- وأخرى عسكرية)، وما كانت العملية الأخيرة الدائرة منذ يومين (20 مارس 2015) إلا حلقة في حلقات تقويد طرابلس وإسقاط الثوار.

عملية إسقاط طرابلس

حاول جيش القبائل التابع لحفتر في الغرب، والذي تسيطر على أغلبه قوات فجر ليبيا أن يوصل رسالة للمتحاورين في المغرب أن العاصمة تسقط ونحن على مقربة سويعات من إسقاط طرابلس، حتى يتنازل المتحاورون من الثوار (المجلس الوطني الليبي) أثناء الحوار عن مطالبهم الأساسية، وقد دارت اشتباكات عنيفة خلال اليومين على عدة محاور وبطريقة مفاجئة ربما أربكت الثوار في البداية، فتسللت عناصر من جيش القبائل للقتال على المحاور الآتية (بئر الغنم- حوش الستين– الكسارات– العزيزية- وصولًا إلى كوبرى الزهراء) وتمكنوا من السيطرة عليها تمهيدًا لحصار طرابلس العاصمة والانقضاض عليها.

إلى أن الثوار هبوا إلى نصرة المحاور التي وقعت في أيدي جيش القبائل مساء يوم الجمعة، ودارت اشتباكات عنيفة فاسترجع الثوار مناطقهم مرة أخرى يوم السبت، ثم حصل هجوم مضاد مدعوم بقوات من الزنتان لجيش القبائل، فسيطر جيش القبائل مرة أخرى على هذه المناطق، وما زالت الاشتباكات مستمرة حتى هذه اللحظة في تلك المحاور، والسؤال الذي يطرحه الجميع: هل يمكن لجيش القبائل السيطرة على العاصمة بهذه السهولة؟!

يبدو أن الحفتريين لم يتعلموا الدرس من مدينة بني غازي بعد، فالمدينة لم تسقط بعد عام من محاولة حفتر لإسقاطها وهي الواقعة في شرق ليبيا، فكيف لمدينة واقعة في حزام الأمان لقوات فجر ليبيا أن تسقط في سويعات!

وقد كانت نتيجة هذه الاشتباكات المحاولة لإسقاط العاصمة حتى الآن استشهاد أحد قادة فجر ليبيا (صلاح البركي)، ويبدو أن استشهاد القائد صلاح البركي قد استفز الثوار، الذين هبوا من مناطق مصراتة والزاوية وصبراتة وطرابلس وغريان لقتال جيش القبائل، ويبدو أنها القشة التي ستقسم ظهر البعير، فطرابلس والثوار الآن في لحظة فارقة بعدما تبين لهم كذب ادعاء التحاور وغدر الموالين لحفتر وقواته.

وسيتضح بمرور الساعات القادمة إذا ما كانت قوات فجر ليبيا، ستقوم بعملية كبرى (عملية الشهيد صلاح البركي) لإنهاء البؤر الحفترية في غرب ليبيا والسيطرة على أهم معاقل حفتر مستثمرة الزخم الثوري الحالي والروح المعنوية العالية للثوار الساعية للثأر للشهداء الذين سقطوا، وتشمل خطة الثوار الأهداف الاستراتيجية التالية التقدم نحو (معسكر أم الشوشة)، وقد تمت السيطرة عليه من قبل قوات فجر ليبيا لبدء عملية التقدم والزحف نحو قاعدة الوطية (أكبر القواعد العسكرية في غرب ليبيا والداعمة لحفتر) لإنهاء القصف الحفتري المستمر على مواقع الثوار منها، ثم يتم السيطرة على مدينة الزنتان وما حولها لإعادة الأمن والاستقرار لغرب ليبيا استعدادًا لبسط السيطرة على كامل مناطق الشرق الليبي بعد الفراغ من البؤر الحفترية بالغرب.

 

إن اللحظة الآنية هي لحظة فارقة لثوار ليبيا، لاستعادة الأوضاع على الأرض، فلن يتعامل الغرب بجدية مع الثوار إلا إذا كانوا أقوياء بعدما يقطعوا دابر الحفتريين، وينقطع آخر أمل لهم في استعادة الأوضاع في ليبيا إلى سابق عهدها القذافي، إن الغرب لن يستطيع التدخل بقواته البرية في ليبيا (في هذه الظروف الراهنة) فعلى الثوار أن ينجزوا المهمة ويعيدوا ليبيا إلى شعبها، وينتهوا نهائيًّا من الفلول قبل أن تسقط ليبيا في براثن الحفاترة ومؤامرات المستعربين. فليبيا اليوم يا سادة إما أن تسقط، وإما أن تصعد، والقرار بأيديكم يا فجر ليبيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد