الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

حتى مساء التاسع عشر من أغسطس (آب)؛ أي بعد يوم من اليوم المقرر أن يشكل فيه المجلس السيادي ضمن السلطة الانتقالية، وفق الإعلان الدستوري، الذي اتفق عليه بين المجلس العسكري، وبين قوى إعلان الحرية والتغيير، توافق الطرفان على أن يكون عضو المجلس السيادي الحادي عشر هو السيدة رجاء نيكولا، بينما لم يجر التوافق داخل قوى الحرية والتغيير بخصوص تحديد ممثلي القوى المدنيين، في المجلس السيادي، الأمر الذي اضطر قوى الحرية والتغيير إلى طلب تأجيل إعلان تشكيل المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، كذلك أُعلن تأجيل وصول السيد عبد الله حمدوك، الذي اختير ليكون رئيس الوزراء.

قبل أيام، ومن قبل التوقيع، خرج الناشط هشام المعروف بـ«هاشكو» على صفحته على فيسبوك، يوجه نقدًا حادًّا لتجمع المهنيين السودانيين، متعلقًا ببعض النقاط، منها ما هو مرتبط بسكرتارية التجمع، ومنها متعلق بسوء الإدارة والإجماع على القرارات، وتصرفات فردية من الأعضاء دون الرجوع إلى صاحب الشأن، تناقشت مع أحد الأصدقاء بخصوص الأمر فكان رأيه أن نقد الناشط كان حادًّا وغير مبرر، وأن سوء التنظيم أمر ليس له وزن في سلوك التجمع لمسار تحقيق متطلبات الثورة، بالإضافة إلى أن التوقيت لم يكن مناسبًا لخطاب حاد كهذا على الإطلاق، بالنسبة لي فكانت المشكلة أن سوء التنظيم هذا والإدارة السيئة، ليس مجرد أمر يقع فيه الفرد، وإنما سلوك يرافق الإنسان أينما ذهب، وبشكل أو بآخر، سيظهر أثره فيما يتم إنجازه.

وهو في الحقيقة سلوك اتسمت به الممارسة السياسية لقوى إعلان الحرية والتغيير، منذ اليوم الأول بعد الثورة، ولهذا أخفق التحالف في إدارة المرحلة بالكفاءة المطلوبة؛ إذ إن التحالف نفسه لم يملك الحد الأدنى المطلوب من الانسجام ولا حتى الخطوط الحمراء، التي لا يجب تجاوزها مهما كانت الخلافات الداخلية؛ فتجد حزب الأمة يصدر بيانات، وتجد الحزب الشيوعي يصدر بيانات، والجبهة الثورية لها وجهة نظر مخالفة، وحتى الإضراب الذي كان قبل عملية فض الاعتصام، شرع تجمع المهنيين بإعلان الدعوة له عبر ما عُرف حينها بالتوقيع على دفتر التصعيد الثوري، ولم يكن الإعلان من المنصة الإعلامية لقوى الحرية والتغيير، وبحسب ما نشره هاشكو، يبدو أن التجمع نفسه لم يكن على قلب رجل واحد بخصوص ذلك الإضراب.

وقعت مذبحة القيادة، وعادت قوى التغيير إلى خانة الثورية مرة أخرى، وهذه المرة ضد المجلس العسكري، الذي كان الطرف الآخر من التفاوض حتى اليوم الذي سبق الجريمة، وعاد الثوار إلى الشارع مرة أخرى بصورة أقوى، وكانت النتيجة أن عاد المجلس العسكري مقهورًا إلى التفاوض مرة أخرى، وهذه المرة مع حقيقة متفق عليها، وهي أن المجلس العسكري ارتكب أبشع الجرائم في تاريخ السودان المعاصر، والطريق للقصاص منه يكون عبر المنظومة القضائية، التي فيها ما فيها من فساد بسبب النظام السابق، وقد حاول تجاوز هذه المشكلة بسعيه إلى الحصول على حصانة كاملة لأعضائه من أي محاكمة، مثل امتياز لأعضاء المجلس السيادي، وقوبل هذا بالرفض.

صدرت النسخة الأولية من الوثيقة الدستورية، التي حددت أن اختيار رئيس القضاء والنائب العام يكون من اختصاص مجلس القضاء، والمفروض أن هذا البند يمنع العسكر من التأثير في عملية تشكيل المنظومة القضائية، ويعطي الاستقلال الكامل للقضاء حتى ينجز مهامه بنزاهة ومصداقية، وهذا ما وُقع عليه (أو ما كنا نظن أنه هو ما وُقع عليه)، لكن المعضلة هنا كانت في أنه لا توجد آلية بالأساس لتشكيل مجلس القضاء نفسه، قوى التغيير على ما يبدو أدركت هذه المعضلة قبل التوقيع النهائي بأيام؛ فحاولت حل المعضلة، إذ إن قوى التغيير، بحسب أخبار غير مؤكدة، بعثت بمرشحها إلى المجلس العسكري لتعيينه رئيسًا للقضاء، لكن المجلس العسكري لم يستجب.

وجدنا بعد التوقيع أن طرفي الاتفاق أعلنا اختيار السيدة نعمات محمد أحمد رئيسةً للقضاء في السودان، لكن المشكلة هي أن هذا التعيين مخالف للوثيقة الدستورية التي دخلت حيز التنفيذ لحظة توقيعها، وبالتالي فكل الأحكام ستكون باطلة وغير دستورية، وفي اليوم التالي اكتشفنا أن هناك بندًا آخر أضيف إلى الوثيقة، بموجبه يجوز للمجلس السيادي تعيين رئيس القضاء.

تقاطعت هذه الإشكالية في مرحلة ما مع إشكالية ترشيح السيد محمد الحسن التعايشي لعضوية المجلس السيادي، فبعد أن تحدد اسم التعايشي مرشحًا لعضوية المجلس السيادي، أُعلن سحب الترشيح، وفيما بعد قُدم السيد طه عثمان مرشحًا بديلًا، كان من الواضح أنه اختيار تم على عجالة؛ إذ إن التجمع نسي أو تغافل عن أن ترشيح طه عثمان، نظرًا لكونه عضوًا بالتجمع، وجزءًا من فريق التفاوض، مخالف لما تعهد به للناس، أنه لن يكون جزءًا من السلطة، الأمر الذي تسبب في إعلان عدة مكونات من التجمع رفضها للترشيح، والمطالبة بإعادة ترشيح التعايشي.

كانت للدكتور محمد ناجي الأصم كلمة رائعة جدًّا يوم الاحتفال بالتوقيع، أتمنى فعلًا أن أرى لها أثرًا في الأرض، فأنا أرى وعدًا بلجنة تحقيق مستقلة في مجزرة القيادة العامة لم يجر الوفاء به حتى اللحظة، ولدينا أزمة شفافية منذ اليوم الأول، فعضو المجلس السيادي، السيد محمد الفكي سليمان، قال في مؤتمر صحافي إنهم قرروا فتح الوثيقة ومراجعة ما فيها وتعديلها لمعالجة أزمة تعيين رئيس القضاء، بعدها رأيناه ينشر في حسابه أن التعديل جرى بعد التوقيع على الأحرف الأولى، وقبل التوقيع النهائي، لتكون الوثيقة التي انتشرت بين الناس ليست هي النسخة التي تم التوقيع عليها، بالإضافة إلى التساؤل عن تضارب التصريحات، وعن صيغة التعديل التي لم تحدد أن التعيين تعيين مؤقت، هناك سؤال يتبادر إلى ذهني، وهو: هل كنا سنعرف ما الذي جرى التوافق عليه لو لم تكن هناك أزمة تعيين رئيس القضاء؟!

لدينا أزمة مع الجبهة الثورية غير معلومة الأسباب، فقط نعرف أن الجبهة الثورية تزعم أن الوثيقة لم تراع متطلبات إحلال السلام وإنهاء الحرب الأهلية، وهذا هراء محض لا حاجة لتفنيده أصلاً؛ إذ يكفي أن الطرف الذي يطالب بإنهاء الحرب هو نفسه الذي يحوز السلاح حتى هذه اللحظة، وهو نفسه الذي لا يرى أن هناك مشكلة في أن يطالب بالمحاصصة في السلطة، وأننا يجب أن نفرح بهذا، كما صرح جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، المفاجئ كان ما جاء عن السيد عمر الدقير، الذي قال ما معناه، من المؤسف أننا كنا نزعم أننا نحرص على ألا تكون هناك محاصصة حزبية، في النهاية، ولكن هذا هو الذي حدث عند ترشيح أعضاء المجلس السيادي من المدنيين.

لأنني شخص من خارج النخبة التي تتولى شؤون البلاد، ليس لي لكي أقيّم الأداء إلا أن أنظر إلى النتائج على الأرض، وبالعودة إلى أول المقال، فإن توافق قوى الحرية والتغيير على أسماء المرشحين المدنيين للمجلس السيادي، والإعلان عنهم، أسهل بكثير من التوافق مع المجلس العسكري على مرشح مدني مستقل وليس العكس، وعندما أرى أن العكس هو ما حدث في الواقع، فلا بد أن هناك مشكلة، ومشكلة كبيرة.

يعرف معظمنا أن التعثر في المسير قد يكون سببًا لتقويمه، ولكن ليس كله، خاصةً ذلك الذي يكون في بداية المسير؛ فالبداية تحدد الكثير من المسير، ومدى إمكانية الوصول، ونحن نعلم أن السياسة هي فن الممكن، وكسياسي، سيجد المرء نفسه مضطرًّا للتنازل عن الكثير مما يؤمن به أو يعرّف به نفسه إلى الناس، ولكن لا يجوز أن يصل إلى مرحلة خلق أزمة شفافية منذ اللحظات الأولى مع القاعدة الجماهيرية، التي هي مصدر قوته الوحيد، وهذا في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأزمات قديمة مثل: الاقتصاد، والبنية التحتية، وأخرى جديدة، مثل: الفيضانات، والسيول، ومثل الاحتراب الدموي الذي يدور حاليًا في بورتسودان.

الناس تنصاع للحكم العسكري بسبب فشل السلطة المدنية، الأمر الذي سيكون صدمة عنيفة للذين تفاءلوا خيرًا على يدها فلا يثقون بعدها بأي شخص من الوسط المدني يتحدث عن الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وإرادة الشعب، وحينها سنضطر إلى انتظار جيل آخر ليدير العجلة من جديد، بعد أن كانت متوقفة لعقود قبله، يخرج منه شاب طموح ليعتذر للعالم كما اعتذر الأصم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد