دراسة عن منهجية السعي في الحياة في سورة العصر واسباب النصر والنجاح للفرد والجماعة

سبيل النجاة

 

يقرر الله أن جميعَ البشر في خسر -بل يقسم على ذلك- ولكن -حاشى لله- أمام فداحة هذه الحقيقة أن يذر البشر بدون دعوة وهداية (ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم) (1)، وبدون منهج ودليل (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) (2)، فها هو بعد التحذير من الخسر الذي قد يصيب الحياة الدنيا والآخرة نراه قد رسم لنا سبيل النجاة ومراقيها.

 

فكان الناجي الوحيد من الخسر هو من ترك جميعَ السبل ولم يسلك إلا سبيلًا واحدًا (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (3)، ولذا فقد أشار كثيرون إلى ثنائية الظلمات والنور المتكررة في القرآن: فقد جاءت كلمة الظلمات بصيغة الجمع وما أكثر سبل الضلال بينما كلمة النور مفردة، فهو نور واحد ساطع وحيد (فمن أبصر فلنفسه ومن عَمِيَ فعليها) (4).

 

تعدد المستويات

 

للنجاة شروطٌ أربعة لا بد أن يأتي بها جميعًا من يريد كمال الربح وأي نقص فيها يقابله خسارة تزيد بزيادة فقدانها (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

 

ولعلنا لا نجدُ عند النظر في الآية السابقة كلامًا هنا يداني كلام ابن القيم في مفتاح دار السعادة حين قال:

 

(المراتبُ أربعة: إحداها: معرفة الحق. الثانيةُ: عملُه به. الثالثةُ: تعليمُه من لا يحسنه. الرابعةُ: صبرُه على تعلّمه والعمل به وتعليمه.

 

فالذين آمنوا هم الَّذين عرفُوا الْحق، وَصَدّقُوا بِهِ، فَهَذِهِ مرتبَة، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هم الَّذين عمِلُوا بِمَا علموه من الْحق، فَهَذِهِ مرتبَة أخرى، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وصّى بِهِ بَعضُهم بَعْضًا تَعْلِيمًا وإرشادًا، فَهَذِهِ مرتبَة ثَالِثَة، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِصَبَرُوا على الْحق، ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات، فَهَذِهِ مرتبَة رَابِعَة، وهذا نهاية الْكَمَال) (5).

 

تلك هي خطةُ الحياة التي تحتاج إلى فهمٍ وتبصّر وتطبيق.

 

نتأمّل الركائز الأربعة لهذه الخطة فنجد أنها تقع ضمن دائرتين:

 

– الدائرة الداخلية (الإيمان والعمل الصالح) هي التي تنبعُ من الذات.

 

– والدائرة الخارجية (التواصي بالحق-والتواصي بالصبر) وهي تفاعلٌ بين الذات والآخرين.

 

– وفي الدائرة الداخلية يمثل الإيمان مستوى النظرية ويمثل العمل الصالح مستوى التطبيق.

 

– وفي الدائرة الخارجية يمثل الحق مستوى النظرية ويمثل الصبر مستوى التطبيق.

 

مسألة التكرار

 

وقد تتبادر إلى الذهن مسألة التكرار في تلك الشروط الأربعة، فالعمل الصالح جزء من الإيمان، والدعوة إلى الحق هي عمل صالح، والصبر هو جزء من أساسيات الدعوة للحق، لكن هذا التكرار ليس محْضَ إعادةٍ للأفكار بل هو أشبه ما يكون بالشجرةِ التي يتفرّعُ فيها كلّ غصنٍ من الغصن السابق ويرتكزُ عليه ولولاه لهوى، لنصِلَ في النهاية إلى ثمرةِ العمل ألا وهي النجاة من الخسر.

 

فالإيمان لا يكتمِلُ إلا بالعمل الصالح الذي كان مصداقَ الإيمان وبرهانه، ولا يكتملُ العمل الصالح إلا بأن تنتقلَ من تحقيقه في ذاتِك إلى تحقيقه في الآخرين بدعوتهم والتواصي معهم بالحق، ولا تكتمل الدعوةُ وتنجحُ إلا بالصبر عليها وعلى مصاعبها.

 

ويمثّلُ حرف العطف الواو عطفَ الخاص على العام ليبيّن مكانةَ كلّ فرعٍ بالنسبة للأصل الذي اِنبثق عنه وذلك لأهميّته ومكانتهِ المميزة لتكون تلك التفريعات بمجموعها كالبنيان المرصوص الذي يشدّ بعضُه بعضًا فإذا انهار حجَر منه اِنهارَ البناء بالكامل.

 

أما تكرار كلمة تواصوا فيشير إليه (د. فاضل السامرائي) (6) مُعلّلًا ذلك بالتركيز على أهمية كلّ أمرٍ منهما وأن الحقَّ لا يكتملُ إلا بالصبرِ عليه فهو مرٌّ أحيانًا، والصبر لا يتحقق إلا إذا كان الصابر موقنًا من أحقيّة أمره الذي أصرّ وصبر عليه.

 

حكمة التعبير بالماضي

 

وقد التفت (البقاعي صاحب تفسير نظم الدرر) إلى حكمة التعبير بالماضي في كلمة (الذين آمنوا) فبيَّن أنها: (الحثُّ على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارةُ لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر) (7) فالذين آمنو سابقًا فهم قد أتوا بشكل تلقائي بكمالات الإيمان الثلاثة الأخرى فهم عملوا وتواصوا، كما أن الماضي يثبّت حقيقة أنه لن يفوز يوم التغابن إلا من أتى سابقًا بتلك الشروط الأربعة ومن جهة أخرى يثبّت حقيقة أن هناك ناجين من الخسر وقد أتوا بلوازم النجاة.

 

وكذلك التفت الرازي صاحب التفسير الكبير إلى حكمة التعبير بالماضي في كلمة تواصوا فبين أن القرآن (لم يقل: ويتواصون؛ لئلا يقع أمرًا بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل) (8) فمن معاني الفعل المضارع هو الأمر حين تقول: فليفعل هذا، والماضي يفيد تحقّق ما يطلبه منهم ومدحهم بهذا.

 

آية مشاكلة

 

هناك في سورة السجدة آية مشاكلة لآية العصر (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)(9) لقد (جعل) الله بفضله ورحمته (منهم) أي من عموم جنس الإنسان الذين كان في خسر (أئمة) ناجين من الخسر يكونون قدوة في (العمل الصالح) وطلائع فوز وسبق يتركون وراءهم جميع الخاسرين. ما هي صفاتهم إنهم يهدون بأمر الله وما هو أمر الله سوى (الحق) ويتواصون مع الناس فيه (لـمّا صبروا) أي تحملوا مشاق الدعوة للحق وما أكثرها وتصدوا لها أمام الخلائق، وهم (كانوا بآياتنا يوقنون) ابتداءً، وكلمة «كانوا» تعيد الأمرَ إلى خطوتِه الأولى الـتأصيلية التي تسبق كل خطوة ألا وهي الإيمان اليقيني، فكانت تلك الآية أيضًا جِماعًا للإيمان والعمل الصالح والحق والصبر.

 

ولم ينكفؤوا على أنفسهم بل كانوا ممن صدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) (10)

 

التواصي والصبر

 

التواصي بين أفراد المجتمع المسلم هو العلاقة التفاعلية التي تنشأ لأنّ كل شخص يعتبرُ نفسَه المسؤولَ الأولَ والأخيرَ عن هذا المجتمع، ولذلك يبادر الجميع إلى النصح والتواصي بالحق؛ ولأنّ المبادرة تبدأ من كل فرد إلى الآخر فقد كانت العلاقة أخذًا وعطاءً متبادلًا، ومن الطبيعي أن يظنّ أحدُهم أن ذلك سيؤدّي إلى التصادمِ حين يكون يتحوّل «التواصي» إلى «وصاية» لكن ذلك سينتفي ويزولُ من خلال صبرِ كل فردٍ على نصحِ الآخرين له وصبرِه على ما يلقاه من أيّ شخص آخر إذا (أعرض ونأى بجانبه) (11) أو كان (ثاني عطفه) (12) أو كان من (الذين يؤذون الله ورسوله) (13).

 

ولذا كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشاق جمّة تحتاج أن يصبر عليه صاحبه كما وصى لقمان ابنه (يا بنيّ أقم الصلاة وأمُرْ بالمعروف واِنهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) (14)

 

 

 

قانون المفرد والجمع

 

من الجدير بنا أن نتأمّل الملمحَ الثاقبَ في سورة العصر حين تمَّ التعبير عن الإنسان الخاسر بصيغة المفرد وعن الناجين بصيغة بالجمع، وذلك يجلِّي لنا حقيقة الإنسان الخاسر الذي ضلّ بمفرده عن الصراط الهداية المستقيم والذي (اتخذ إلهه هواه) (15) ومن المعلوم أن الهواء لا يستقر بل يعصف في كل صوب مع تقلّبات أهواء النفس ومزاج المشارب المختلفة لكل فرد، فتَتَسلّط العاطفة على العقل ليتحوّل من عقل معرفيّ مدرِك إلى عقل تبريريّ يخدم العاطفة ويبرّر لها ما تتخذ وتفعل.

 

أما المؤمن المنقاد إلى صراط الحق بعد أن اهتدى بعقله وفطرته، فهو لا ريب يدرك حتمية التسلسل بين الإجابة الأولى عن أسئلة الفطرة الأساسية التي يبدأ بسؤالها كل طفل عن المبدأ والمنتهى، ليصل إلى حقيقة مهمته في إعمار الأرض التي يسير فيها وفق تعاليم من خلقها(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (16)، وليدرك أن الإعمار لا يؤتي ثماره إلا من خلال عملٍ جماعيٍّ ممنهج وفق أوامر الله ونواهيه، ويبقى مع جماعته متواصيًا معهم بالحق والصبر (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (17فيبقى ساهرًا يقظًا كالأم الرؤوم التي تتفقد أولادها النائمين وتضمهم إليها كل برهة وهنيهة.

 

وكذلك فالمؤمن في جماعته المؤمنة أقدرُ منه على حمل التكليف والصبر عليه فيما لو بقي منفردًا تتنازعه الوساوس ولا ريب أن الاخوة في الله هي من أكثر ما يساعد على الصبر على الطاعات والنفور من المحرمات وكذلك كان خطاب الله لسيدنا موسى (سنشدُّ عضدَك بأخيك) (18).

 

النزاع المستمر

 

بين الحقّ والباطل نزاع مستمر لا ينتهي، يتمسّك فيه كل فريقٍ بما يؤمن ويعتقد، لكن الفارق بينهما أن المؤمن يتوق لهداية الناس إلى طريقه ليفوزوا كما فاز و(لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) (19)، بينما ينظر الكافر لإيمان المؤمن على أنه تهديد لدنياه التي يسعى فيها إلى العلوّ والسيطرة لأنه لا يرى أبعد منها ولذا فهو في نزاع طبيعي مع من المؤمنين (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) (20).

 

وإذا أمعنّا النظر في الكلمة الأخيرة في خطة الحياة في سورة العصر وهي «الصبر» سنجد أنها مفتاح بداية وتوعية لهذا النزاع اللانهائي بين حزب الله وحزب الشيطان (ألا إن حزب الله هم المفلحون) (21) وبين حزب الشيطان (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (22)

 

ومن هنا يرتد صدى حرف الراء في قافية كلمة «الصبر» إلى الكلمة السابقة «خسر» وندرك أهمية التواصي بالصبر في هذا النزاع المستمر مع الباطل حتى يصبح في خسر.

 

ولعلّ في تقديم الحق على الصبر فائدة هامة تتمثل في أن الخطوة الأولى في النزاع مع أهل الباطل هي جهادهم بدعوة الحق وفي تفسير القرطبي قول قتادة أن الحق هو القرآن(23) ويقول الله تعالى (وجاهدهم به جهادا كبيرًا) أي بالقرآن، ولذلك كانت خطوة البداية هي بيان تهافت مبدأ الباطل وتهاوي حججه وأفكاره التي انطلق منها وبعد ذلك جاءت كلمة الصبر الذي سيجعل الباطل في خسر.

 

ولا يجب على المؤمن أن ينبهر بأهل الباطل (لا يغرّنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد) ((24) بل عليه أن يدرك أنه إن كان مع إخوته متواصيًا ومتآلفًا معهم (ولكن الله ألف بين قلوبهم) (25)، فما يواجهه هو مجرّدُ أفرادٍ متفرقين فهو من (الذين) بصيغة الجمع والآخرون مجرد إنسان (بصيغة المفرد) ولن يهزم الفرد الجماعة.

 

وعليه أن يعرف أن تجمّع أفراد متفرقين (تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى) (26) لا يشكلون جماعة حقيقية أبدًا وما اجتمعوا في الظاهر إلا عداءً لأهل الحق أو لمصلحة وقتيّة زائلة.

 

ولأن الإنسان بلفظ المفرد كان في خسر فلم تكن جماعة الباطل خاسرة بشكلها الاعتباري فحسب، بل كان كلّ إنسان فيها هو خاسر وكان النزاع الدائم بين من هم في خسر ومن هم في ربح فتدبّر في أي الفريقين تكون.

 

تلك كانت إطلالة وجهد المقلّ على هذه السورة التي وعاها الصحابة الكرام فكان أحدهما لا يفارق صاحبه بعد لقائه إلا ويتلوانها على بعضهما(25) ويتذاكران منهج خطة الحياة هذه كما يوصي كل جندي رفيقه بخطة المعركة قبل الذهاب إلى التضحية والعمل.

 

_______________________________________

 

(1) (النحل -89)

 

(2) النحل-89

 

(3) الأنعام-79

 

(4) الأنعام-104

 

(5) ابن القيم-مفتاح دار السعادة-جـ1-ص56

 

(6) روائع البيان القرآني-موقع إلكتروني

 

(7) نظم الدرر-برهان البقاعي-جـ22-ص239

 

(8) (التفسير الكبير-الرازي-جـ32-ص85)

 

(9) (السجدة-24)

 

(10) (الترمذي-ابن ماجه)

 

(11) فصلت-51

 

(12) الحج-9

 

(13) الأحزاب-57

 

(14) لقمان-17

 

(15) (الجاثية-23)

 

(16) الزخرف-84

 

(17) الكهف-28

 

(18) القصص-35

 

(19) إبراهيم-1

 

(20) إبراهيم-13

 

(21) المجادلة-22

 

(22) المجادلة-19

 

(23) آل عمران-196

 

(24) تفسير القرطبي-جـ22-ص162

 

(25) الأنفال-63

 

(26) الحشر-14

 

(27) الطبراني من طريق حماد بن سلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد