«قررت أن أترك بلدي بعد العام 1967م، وأن أتجه إلى أوروبا مسافرًا مجانًا عن طريق إيقاف السيارات على مراحل، صارعت ضد أشياء كثيرة، مررت عبر عدد من البلدان منها ما يشتعل حربًا مجنونة، وذلك قبل أن ينتهي بي المطاف هنا، كانت مغامرة امتدت حتى الآن 20 عامًا، ولكنها ستمتد حتى نهاية حواري، إن الأسد حين يغدو وراء قطيع من الغزلان لا يستطيع أن يمسك إلا بواحدة، أحاول أن أكون مثله لا مثل الغربيين الذين ينخرطون بجنون في العمل، على الرغم من أحدًا لن يستطيع أن يأكل أكثر من خبزه اليومي».

وفي هذا السياق فإن الحركات الاجتماعية قد تؤدي دورًا مهما في السياسة الراديكالية،ليس فقط بالنظر إلى ما تحاول إنجازه، بل لأنها تُبرز على نحو مسرحي ما يمكن أن يمضي لولاها، من دون أن تلحظه؛ حيث لا يمكن لها أن تتطور في صورة فلسفية نسقية، ومن ثم فإن التعليق عليها وهي في صورتها هذه خطأ يقنيًا على الأقل حين نبحث في عملية إعادة توكيد للكيفية التي كانت عليها الأشياء. إن استمرار النظام الاجتماعي تضمنه المجتمعات الأخلاقية للأسرة والكنيسة والدولة.

ومن ذلك حالة الرفض أو القبول للأفكار التي تتحدث عن عقد اجتماعي وعن السيادة الشعبية أو نظام حكم نيابي. أما الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي ما زالت تتأرجح بين مبدأ الشورى، وفلسفة نظام ولاية الفقيه.

وذلك في إطار البحث عن فرص لإعادة ترتيب الساحة الوطنية وإرساء أيديولوجية جديدة للحكم في الغرب أو الشرق الأوسط. لكن «النار التي جمدت البيضة هي ذاتها التي أذابت الجليد»؛ بمعنى أنه من المحتمل أن هناك أوضاعًا ثقافية معولمة في شؤون العرف أو الدين أو الملبس أو الموسيقي. وأن يستحدث سياسة للفرص الثانية، وأن تبتكر سلسلة من المواثيق أو التسويات السياسية / الاجتماعية ليس بين الطبقات فحسب، بل وبين الجماعات أو الفئات الأخرى من السكان. لكونها لم تنشأ عن جانب لذاته / بذاته من مختلف جوانب الطيف السياسي. وإنما تؤلف جزءًا من عملية تشكيل الدولة التي لا تحددها الدولة وحدها، بل تحددها الصراعات والمعارك بين أجهزة الدولة والتنظيمات والجماعات الأخرى.

ففي كتابه «شخصيات غير قلقة في الإسلام» أوضح «هادي العلوي»: «وقامت حركةُ الشيعة اللاحقة تحت شعارات «يالثارات الحسين» حتّى نهاية العهد الأمويّ ومجيء العبّاسيين الذين اعتبروا أنفسهم آخذين بثأر الحسين من بني أمُيّة. وطوال العصور الإسلاميّة، كان المثال الحُسينيّ يلهم الحركات الشيعيّة المقاتلة ضدّ العباسيين وغيرهم، ويمارس حضوره باعتباره عنصر شدّ للمعنويات، لا سيّما في لحظات الحرج أو اليأس. ولا يزال لهذا المثال تأثيرٌ في الوقت الحاضر. وقد أعلنت ثورة العشرين العراقيّة ضدّ الاحتلال البريطانيّ عام 1920 في مؤتمر انعقد في كربلاء ردد فيه الخطيب كلمات الحسين. واستخدمت الثورة الإيرانيّة الأخيرة شعار «هيهات منا الذلة» الذي ردّ فيه الحسين على عرض الاستسلام. ويُلاحظ أنّ هذه الشعارات تُرفَع في الأحداث التي يتصادم فيها الشيعةُ مع القوى العاتية؛ فتعطي مفعولها بينما تفشل في تحقيق غرض ملموس عندما تحاول القيادات الدينيّة تسخيرها لغايات دينيّة بحتة. وهذه مفارقةٌ تجلّت لي في متابعتي الشخصيّة للنّشاط الشيعيّ المعاصر».

وفي ذات الاتجاه، لكن من منظور قد يبدو مغايرًا، في ظل «التجاذبات السياسية الإقليمية» أن العالم يفضّل أن تكون داعش على أن تكون عبد الناصر. بمعنى النظام العالميّ يفضل أن يحارب رديكاليّات زائفة، مثل داعش، لا شعبيّة لها، تمتلك رؤية عدميّة للأقربين قبل البعيدين، على أن يحارب راديكاليين حقيقيين، مثل الاتحاد السوفياتيّ (الذي جنّد في سبيل القضاء عليه ملايين الناس، وعشرات المفكرين، ونظريات كبرى تعمل على هدم الأسس الأيديولوجيّة له) وكعبد الناصر الذي لم تحبّه الإمبرياليّة يومًا ما، بل وتحالفت مع اليمين بأكمله لإجهاض المشروع الاشتراكيّ في مصر (رغم كلّ مساوئ عبد الناصر، لكنّي لن أتواطأ مع الليبراليين من شتى التيارات في النظر إلى تجربته وحقبته)، وما السادات و مبارك سوى امتداد لليمين هذا المدعوم عالميًّا للتخلّص من الإرث الناصريّ.

بيد أننا في الوقت ذاته محاصرون بمعضلات ومشكلات واتجاهات أساسية مضادة . وليس في ذلك ما يمكن أن يعطينا مؤشرًا إلى المستقبل .فقد كتب أليكسيس دو توكفيل :«بين الشعوب الديمقراطية، كل جيل هو شعب جديد».

وفي مواجهة تلك التحديات نجد أن الصراع ضدّ إسرائيل تقريبًا هو الصراع الوحيد عربيًا الذي لا كان ولم يكن ولا ليكون طائفيًا. أو، استئناسًا بمقولة مهدي عامل، كيف يكون الصراع طائفيًّا ومحوره محاربة إسرائيل؟ أما التطييف، لا الطائفيّة، فهو ناتجٌ عن حروب الذات، ثقافويّة كانت أم متخيّلة، ليصبح «شرقًا أوسط» طائفيًا، وهي الأسطورة التي فُنّدت بلا ريب، فهل يُمكن لنا أن نتساءل، هل تغير (القدس) وجهة (داعش)؟ إذا تردد أصداها حول العالم بدرجة كبيرة على الرغم مما بينها من تباينات كثيرة حسب السياق.

هذا النوع من الثنائية (داعش : المعنى) و(القدس: السياسة)، أو الغموض (الطائفية / التطييف) على مستوى (الشكل)، هو جوهري بالنسبة إلى الأيديولوجيا القومية، والتي قد ينظر إليها البعض بأن هناك (مماثلة : تضليل للرأي العام العالمي)، و(مناؤه : إثارة موجة جديدة ضد روسيا) في سياقات (الإسلام فوبيا والهجرات غير الشرعية)، مثل «حصان طروادة» من حيث السمات الإدراكية،التضمينات،المشاعر الإنسانية لأننا نعتقد أننا نرى المتعاكسات بدلًا من التحولات، لكونها تقدم في الوقت نفسه ترتيبًا ذا معنى بالنسبة إلى العالم،ووعدًا بالموارد.

إذ يبني التباين العرقي إذن على الموارد الاجتماعية، والثقافية،والسياسة التي تفترض مسبقًا تأسيسًا سابقًا للاتصالات «الاتصال اللغوي بين الجماعات وإدماجها في نظام منفرد في جوانب معينة.

فالعولمة ثنائية وتعمل،قد يقول قائل، من خلال النفي الديالكتيكي : إنها تقلص العالم من خلال تسهيل الاتصال السريع عبر الحدود السابقة، حيث يُشكل مثل هذا الاتصال حوارًا يصوغ السياسات والأنشطة،وتوسع العالم من خلال خلق وعي بالاختلاف،ليكون المغزى من ذلك التساؤل التركيز على صيرورة الهوية المستقرة نسبيا وتشكيلات الجماعة المفترضة مسبقا من قبل العرقية ..وبصورة ضمنية أن الدولة القومية «وعاء القوة المتفوق للحقبة الحديثة» إذا استخدمنا صياغة جيدنز. فعلى مستوى المجتمع المحلي، ومستوى الدولة، تشدد كل الدراسات العرقية،على أن الهويات العرقية بناءات، إنها ليست «طبيعية!».

أما الليبرالية الجديدة، فلديها قانون طبيعي أو قوة طبيعية مثل الجاذبية، ولا سبيل أمام البشر للفكاك منها، والتي وصفها فوكاياما بعبارة : نهاية التاريخ. وبناء على تلك السياقات الفكرية فقد أوضح جيجك بالقول: «لست معاديًا أو كارهًا للديمقراطية. وأرى أن السؤال الأهم سبق أن وضعه فوكوياما. فحين عمد إلى وصف الديمقراطية الليبرالية بأنها الأفق الأقصى للتاريخ، أسس بوصفه هذا طوبى جديدة. استهزأ به كل الناس، لكنهم بمن فيهم اليساريون قبلوا بما ذهب إليه بصمت. اليسار يقبل هذا عندما يتحدث عن الرأسمالية بوجه إنسانيّ».

وهنا تجدر الإشارة، إلى النظرية الاجتماعية الجديدة، ما بعد الماركسية وما بعد الدوركايمية. مع تشديدها على التغير،والمرونة والخيار، يمكن كذلك حركات أيديولوجية قوية تتنافس من أجل الحصول على دعم الشعوب – الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وعلى نحو متزايد، بعد حرب الخليج من أماكن أخرى من العالم الإسلامي.
من ضمنها الشتات في أوروبا،وحركات السكان الأصليين و«الأقلية العرقية» في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، أيديولوجيا «أبناء الأرض» في ماليزيا واحتفالات الثقافة ما قبل الكولومبية في المرتفعات البوليفية. يشترك عدد كبير في هذه الحركات في سمة حاسمة تجذب مشاعر الناس للروابط الأولية والأصالة الثقافية.

فالطريق من النزعة القومية إلى النشأة الكلية للأمة المقدسة. وأبعد من ذلك إلى النقاء والتطهير العرقي، مباشر نسبيًّا.

وهكذا، «فإن اﻷصلانيين المنتصرين سرعان ما أدركوا أنّهم بحاجة إلى الغرب، وأنّ فكرة اﻻستقلال الكليّ لم تكن سوى اختلاق قوميّ مصمم بالدرجة الأولى لمن يسميهم فانون «الطبقة الوسطى البرجوازيّة القوميّة» الذين غالبًا ما قاموا هم بدورهم بحكم البلدان الجديدة بطغيان فظّ عاتٍ، استغلاليّ، يذكّر باﻷسياد الراحلين» كما أشار إلى ذلك إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبرياليّة».

*للتأمل:
بعض من أكثر القوميين السيخ حماساهم أستراليون، كما أن أكثر الكرواتيين حماسا كنديون، وأكثرر القوميين الجزائريين حماسا فرنسيون، وبعض أكثر الصينيين القوميين أمريكيون.

بيندكت أندرسون (2001: 42)

 إذا كانت «مشكلة الهوية» الحديثة هي كيف نبني هوية ونحافظ عليها صلدة ومستقرة، فإن«مشكلة الهوية» ما بعد الحديثة هي بصورة رئيسية كيف نتفادى الثبات ونحافظ على الخيارات مفتوحة.
زيغمونت بومان (18:1996)

الجزء الثالث.. يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, سياسة, فكر

المصادر

" العرقية والقومية " ،تأليف : توماس هايلاند إريكسن ، ترجمة : د.لاهاي عبدالحسين ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، العدد(393) ، أكتوبر ،2012م.
" بعيدا عن اليسار واليمين " ، تأليف : أنطوني جيدنز ، ترجمة : شوقي جلال ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، العدد :(286) ، أكتوبر ، 2002م .
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد