كان رونالد ريجان في الولايات المتحدة ومارجريت تاتشر في بريطانيا أكبر زعيمين يعملان في تناسق على إنجاز سياسات الليبرالية الجديدة. وتعتمد هذه السياسات، كما صرحت تاتشر، على الداروينية الاجتماعية التي ترى الصراع محور ومبرر الوجود بين الأمم والمؤسسات والأفراد، وأن المنافسة تفرق بين الذئاب والخراف، وبين الرجال والعيال، وبين الصالح والطالح.المنافسة آليتنا لتدبير الموارد الطبيعية أو البشرية أو المالية مع أكبر قدر من الفعالية والكفاءة.

وتستطرد تاتشر، المتحدثة باسم الليبرالية الجديدة، فتقول: مهمتنا بلوغ المجد في سياق اللامساواة، وأن نرى كيف أن المواهب والقدرات تجد متنفسًا وتعبيرًا لها من أجل فائدة الجميع. لا نعبأ بالمتخلفين في ماراثون المنافسة. الناس غير متساوين بالطبيعة. وهذا خير، لا فضل للضعفاء ذوي الحظ السييء في التعليم، ومن ثم فإن ما يصيبهم يستحقونه؛ لأن الخطأ خطأهم، وليس خطأ المجتمع.

ولنتذكر هذه القيم الليبرالية الجديدة عن اللامساواة وعن المنافسة والفعالية والكفاءة لدى الأفراد… إلخ. ذلك أن جيديز حين نعرض لمقولاته نراه يؤكدها، ولكن في ثوب لغوي مغاير.

وبعد رونالد ريجان وجورج بوش جاء كلينتون رئيسًا للإدارة الأمريكية، وهو الذي قال في خطاب له: الزملاء الأمريكيون، لقد اهتدينا إلى طريق ثالث، وكان مستشاره هو أنطوني جيدنز. وبعد حزب المحافظين برئاسة مارجريت تاتشر، ثم جون ميجور جاء توني بلير رئيسا لوزراء بريطانيا بصحبة معلمه الروحي أنطوني جيدنز. وهكذا، وكأن القدر ألقى على أنطوني جيدنز مهمة اكتشاف مخرج في ضوء لا بديل عن الرأسمالية وصيغة الليبرالية الجديدة وسقوط النظم الحاكمة باسم الاشتراكية. وتهيأت بذلك فرص صنعت من جيدنز نجمًا ساطعًا في سماء الفكر العالمي، دعمته أجهزة الإعلام، بحيث طبقت شهرته الآفاق دون سواه. ويرى البعض أن جيدنز هو الرابع بين مؤسسي علم الاجتماع السياسي بعد ماركس ودور كايم وفيبر. وأثار ما كتبه حوارات ساخنة داخل الغرب ولا تزال، وتباينت الآراء بحدة في تطرفها يمينًا ويسارًا، كأن فكره مناسبًا لترسخ اليمين واليسار من خلال الحوار.

ولكن خلال الربع الأخير من القرن العشرين، أي خلال الفصل أو المشهد لواقع حال العالم، تزايد السخط داخل حزب العمال، وقال جيمس كالان عبارته المشهورة: لم يعد بالإمكان التزام النهج القديم. وشهدت بريطانيا أحداث شتاء السخط أو الغضب عام 1979. وصعدت التاتشرية وسياسة الليبرالية الجديدة مقترنة بالعصا الغليظة ضد العمال، وسحقت إضراباتهم وفككت نقاباتهم.

واشتدت معاناة الحركة العمالية البريطانية بعد أن منيت بالهزيمة عام 1981-1982، حين حاول توني إضفاء طابع ديمقراطي وراديكالي على الحزب عن طريق منح القواعد سلطات أكثر. وتولى زعامة الحزب من بعد نيل كينوك Neil Kinnock، الذي أعاد الحزب إلى وضع غير منحاز إلى اليسار. ومهد كينوك بذلك الأرض لزعامة توني بلير ولأمركة حزب العمال الجديد. ويقول عنه دانييل سنجر:

أصبح بلير في حاجة إلى تسويق النموذج الأمريكي داخل الحزب وداخل بريطانيا تحت اسم الطريق الثالث أو لا يمين ولا يسار. ويضيف وكما عبر معلمه الروحي أنطوني جيدنز بقوله زلزلت التاتشرية أركان المجتمع البريطاني، ولكن مع استعادة الحوار السياسي، ومع المزيد من التفكير الحر، يمكن أن تغدو بريطانيا الشرارة التي تنطلق منها عملية إبداعية بين الولايات المتحدة والقارة الأوروبية.

وهكذا تغير حزب العمال فكرًا مثلما تغير اسمًا وبنية؛ إذ أصبح مع توني بلير حزب العمال الجديد، ليؤكد التمايز عن تاريخه.
لقد حان لتأسيس توافق (طريق ثالث) جديد ينبذ نظرة الليبرالية الجديدة التي انبثقت عن توافق واشنطن، ويعمل من أجل نظرة متوازنة بين السوق والحكم، ولا يخلط بين الوسيلة (الخصخصة والتحرير) والغايات.

ويصف أنطوني جيدنز هذا العالم فيقول: نحن نعيش في عالم مخرب مدمر بشكل جذري ويحتاج بالتالي إلى أدوية وعلاجات جذرية راديكالية. ويقول في إحدى محاضراته:

نحن في مستهل زلزلة للمجتمع العالمي من أساسه، ونحن لا نعرف حقيقة إلى أين سيمضي بنا. ويمكن أن ننظر إلى هذا الواقع نظرة شك؛ إن الحديث عن الترتيبات اللازمة لانعقاد حوار استثنائي قد تتطلب إعداد نماذج معده مسبقًا للمخارج العملية المتوقعة من ذلك الحوار كنوع من الشواهد التي تؤكد بأن ذلك التوجه يمكن أن يضفي نوع من الجدية للحوار والنتائج المترتبة عليه، كون المرحلة الراهنة، قد تكون أقرب الى فهم حركة التاريخ الموجهة إلى غاية عبر محرك داخلي ينقل التاريخ من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر، غير أن طبيعة المرحلة الانتقالية قد تقترح علينا نموذجًا تفسيريًا لذلك من كونها تقع في نهاية نمط إنتاج وبداية آخر وفق سيرورات سوسيولوجية، وديناميات سيطرة كامنة وظاهرة من خلال تبني مقاربة عابرة للتخصصات، لذلك يتبلور خطاب سياسي اجتماعي قد يؤطر الخلافات الناجمة عن تلك الديناميات ضمن مفاهيم تثير تصرفات ومخاوف تفسر على أنها ذات دوافع طائفية أو جهوية أو فئوية لتظهر حينها صورة الفراغ الجيوسياسي، وبذلك يصبح التنافس بين عناصر الهوية يشكل توترًا وصراعًا مزمنًا بسبب تعقيدات سياسات الجغرافيا الطارئة.

لذلك ينبغي أن نناقش التحولات الأساسية التي طرأت على أسلوب عالمنا واستبيان حقيقتها. إن هذه التحولات لا تتضمن فقط تحولات في هياكل العالم، بل أيضًا تحولات في وعينا الباطني وفي هويتنا. والحاجة إلى إعادة بحث القيم التي وفدت من خلال انتقادات طرحتها قناعات سياسية مغايرة تمامًا.

ومن هنا يُمكن أن نُقدم لمحة عن الصراعات التعاونية التي أشار إليها المفكر الهندي أمارتيا سنّ وتبنتها كمنهجية (منظمة اليونيسيف)..وبمناسبة السنة الهجرية الجديدة، في مقاربة مع بعض الحركات والتيارات الفكرية كجماعة الاخوان المسلمين – السلفيين – حركة أنصار الله؛ كتوضيح الاختلافات والتشابهات بين أوضاعها من حيث الثقافة والحقوق والمواطنة والتغير الثقافي، وهي على امتداد خطوط (مماثلة) مناوئة مع التيارات الفكرية الأخرى. عندما ثبت أن السياسة لا يمكن أن تكون ذرائعية في ظروف المنافسة المتواصلة والمتغيرة الموارد والتهديدات ضد الحدود، حيث يعتمد ذلك على الخصائص النمائية لدى المجتمعات المستهدفة بحسب مراحل النمو للأفراد والجماعات وتصنيفاتها العمرية، وإذا ما كانوا قد تمثلوا القيم والاتجاهات الأساسية لثقافتهم الفرعية، أم أنهم غير مهيئين نفسيًا وعمليًا لتحقيق استفادة كاملة من الظروف المتغيرة أو من الفرص المتزايدة التي يمكن أن تطرأ في حياتهم في الوقت الراهن ضمن سمات ثقافات الفقر لتشكل تلك السياسات واقعًا حيويًا لأي برنامج سياسي في إطار فكري جديد. ذلك أن الطابع المتحول للدولة وواقع جميع السكان بدرجة أو بأخرى، يعيشون في الفضاء المتحول نفسه باعتبارهم أدوات الدولة والحكم، كل هذا يولد معضلات وتناقضات سياسية جديدة.

إذ إن الحركات السياسية التي تقوم على الهوية الثقافية هي قوية في مجتمعات تمر بالتحديث، على الرغم من هذا لا يفسر تحول هذه الحركات إلى حركات قومية.

وهذا ليس مما يدعو إلى العجب، فمن يدفع للزمار يسمع اللحن الذي يُريد؛ إذ تبنى الدولة القومية جانبًا مهمًا من شرعيتها السياسية من خلال إقناع الجماهير الشعبية بأنها تمثلهم حقيقة كوحدة ثقافية، ماثلة في التصورات التالية:

أما في البيئات ذات الموارد المحدودة، فإن التنافس يزداد على الحصول على المياه والمراعي والموارد الطبيعية الأخرى المحدودة؛ مما يؤدي إلى تزايد الاشتباكات الطائفية ونشوء التوترات عبر الحدود. علاوة على ذلك من المرجح أن تزداد حدة الصراعات القائمة، وأن تنشأ صراعات جديدة من خلال تصعيد الخلافات حول الحدود الساحلية، والأمن الغذائي، وتوافر مياه الشرب المأمونة، وتوزيع السكان.

وغالبًا ما يتفاقم خطر نشوء صراعات في البلدان والمجتمعات التي تواجه قيودًا طويلة الأجل على الموارد نتيجة المخاطر الاجتماعية والاقتصادية السياسية والتفاوت فيما بينها.

وتم تعريف عملية التكيف بأنها تشكل أولوية عالمية ورد في اتفاق كوبنهاغن في ديسمبر (كانون) 2009، مع مراعاة بعض الاعتبارات من أجل إجراءات التكيف الرامية إلى الحد من الضعف وبناء القدرة على المرونة… ولا سيما في البلدان التي تتعرض للمخاطر بوجه خاص. وكنهج أساسي للعمل الإنساني، تلتزم اليونيسف بتطوير القدرات الوطنية لتقليل المخاطر وتعزيز القدرة على التكيف.

*للتأمل:

(من) جانبهم لدى الهنود القليل أو لا شيء على الإطلاق ليضعوه بمكان الإدارة الحكومية: لا وجود لمناهج هندية بصورة نموذجية لإدارة مستشفى ولا وجود لطريقة هندية بصورة نموذجية لحفظ السجلات أو الآلات الطابعة.
يوجين إي. روسنز (72:1989).

نورمان أيزن (قيصر الأخلاق) السابق للرئيس أوباما، يقول إنه ينبغي لنا أن ننظر إلى أعمال الكاتب المجهول لصحيفة نيويورك تايمز من خلال عدسة العصيان المدني.

الجزء الثاني.. يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, سياسة, فكر

المصادر

" العرقية والقومية " ، تأليف : توماس هايلاند إريكسن ، ترجمة : د.لاهاي عبدالحسين ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ،(393) ،أكتوبر ، 2012م.
" بعيدا عن اليسار واليمين " ، تأليف : أنطوني جيدنز ، ترجمة : شوقي جلال ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، العدد:(268)، أكتوبر ، 2002م .
عرض التعليقات
تحميل المزيد