هذا الرجل الذي تخرج في كلية بذل فيها مجهودًا عظيمًا لينجح، وإذا به يتخرج، وبعد عناء في البحث عن وظيفة للأسف إجبارية وليست اختيارية، فقط لكونه يريد أن يحصل على راتب أو بمعنى آخر «لقمة عيش» ليدبر أموره من زواج وغيره، وأخيرًا تزوج وأنجب، وما يؤسفنا جميعًا أن الراتب هذا الذي يتقاضاه لا يسمن ولا يغني من جوع!، فالرحمة الرحمة يا سادة.

وتمر به الأيام وإذا به وللأسف قد وقع تحت طائلة القانون، وقد تجاوز الستين عامًا، وقد لزم البيت أو بمعنى آخر «طلع على المعاش»، إلا من أعطاه الله الصحة ليعمل بعمل آخر، لكونه يريد أيضًا أن يزوج ابنه ويطعم أسرته ونفسه، إضافة إلى راتب المعاش الذي حددته له الحكومة، وللأسف إنه لبخس هين لا يضيف قيمة لثمن سلعة، هي للأسف غالية تمامًا، والسؤال هنا: كيف يعيش؟، وماذا يفعل؟، أيلعن الزمان على كونه قد التحق بكلية عريقة ليحمل لقب مهنتها مفتخرًا؟، وللأسف قد تفاجأ في النهاية أن الألقاب لا تحصد مالًا، بل «الواسطة» أو بمعنى آخر عدم المساواة هي التي تجلب المال، والأمثلة كثيرة، فهذا الذي ذاق المرار والعذاب في كلية الطب سبع سنوات وعمل طبيبًا حكوميًّا براتب لا يتعدى الخمسة آلاف جنيه، وهو راتب وسط ما بين المفيد وغير المفيد، وعندما أحيل للمعاش يحصل على راتب «١٢٠٠» جنيهًا، بينما هذا الذي تخرج في كلية التجارة ويعمل موظفًا محاسبًا في شركة ما أو بنك يتقاضى وظيفيًّا ما يقارب العشرين ألف جنيه، وإذا أحيل للمعاش يحصل على ما يعادل العشرة آلاف جنيه، فأين المساواة؟!

الأمر الذي جعل أحدهم – ممن حصل على كلية العلوم – يعمل على حفار بشركة مقاولات، لكونه لا يجد عملًا يكون منه مالًا ليتزوج، نعم نحن نعلم جميعًا أن اقتصادنا الله أعلم بحاله! ولا حاجة للإيضاح، ولكن أريد أن أقول أن هذا الذي يتقاضى العشرين ألف جنيه، وهذا الذي يتقاضى الخمسة آلاف جنيه، الفارق بينهما كبير في العلم، فأولهما ذو عقل وثانيهما ذو عقل أيضًا!، ولكن عقل يختلف عن عقل، فماذا يحدث يا سادتنا لو أخذ من نصيب الأول بمقدار على ألا نظلمه ونجور عليه، ونعطي هذا المقدار للثاني ليسود العدل؟!، الأمر هكذا كما أراه بمفهوم عقلي ومعتقدي، وأما عن صاحب العلوم، فأين المعامل ومراكز البحث الحكومية دون الخاصة التي تفرض عليه مبالغ إجبارية ليلتحق بها ليخرج علمه على واقع التجربة، وماذا لو تركنا العلوم بلا توظيف؟!، أرى أن التقدم سيقف!، وإن توقف فالله يعوض عنا وعن بلادنا.

والسؤال الذي يستلذه عقلي الذي هو عند بعض من قرأ «فاسد» وذو أفكار سلبية!، ولعلكم تفهمون ماذا أقصد، وأما فهو: فماذا كان سيحدث لو بقي «زويل» ومشروعه الذي أصبح عظيمًا في يوم من الأيام في مصر؟!، هل كان التبني والالتفاف حوله سيدعمه؟!، أرى أنه لا!، وهو خريج «علوم» فقط لأن العالم الغربي يرى أن المهندس يخطط للبناء فقط، والطبيب يعالج – بعد شفاء الله – ليعيش الناس فقط، والمدرس يخرج أمثالهما فقط، لكن صاحب «العلوم» لتقدم الدولة وبقائها ونموها والحفاظ على كيان مهندسها وطبيبها وتطور عقل مدرسها، إذًا فالموضوع عندهم ليس بالشهادة، ولكن بأحقية الاستفادة من كل منهم، فذو الاستفادة الأكبر تقديره كبير وراتبه أكبر، ولكن عندنا غير ذلك، فهل من مدرك؟!

الأمر الذي جعل «عم فؤاد» صاحب السبعين عامًا تقريبًا، بائع «فول وطعمية» بسيط جدًا على عربة يجرها بحي السيدة زينب بالقاهرة يظهر أسفه عندما توقفت عنده صدفة لكونه أدهشني عندما رأيته يقضي طلبات زبائنه من قسوة الجوع إلى شهوة الشبع، وعندما يفرغ من ذلك يجلس على رصيف أسفله ويفتح كتابًا يقرؤه، ثم يقوم عندما يطلبه أحد وهكذا، ولا بد لي أن أسأله لكوني أحب الاستطلاع، فأجابني جوابًا أذهلني بشدة بأنه تخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة في قسم الفلسفة، ثم ساعد والده في ورشة حديد صغيرة حتى جهز نفسه للزواج وها هو قد تزوج وأنجب أبناء كثيرين منهم طبيب ومهندس، وعندما ضاق به صدره عمل بعمله الحالي، معقبًا: «الأرزاق على الله»، فجزى الله بعض المسؤولين كل الخير، هؤلاء الذين يتقون الله في من هم أقل منهم لكونهم يحبون المساواة، وكفانا البعض الآخر الذين يغالون! والذين سيأتون بما غلوا يوم القيامة.

وأخيرا.. أحب أن أقول أن الأول – في مثالنا – ليس معجزة ليكافأ بمثل هذا الراتب، والثاني ليس غبيًا ليبحث هكذا، ولكنني أكتفي بتعقيب «عم فؤاد» بأن «الأرزاق على الله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات