الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

للفظ الفتنة عدة معان تدور حول فلك الاختبار أو الامتحان أو الابتلاء وأهل الحكمة ينصحون الناس باجتنابها خوفًا على تأثر قناعاتهم واقتدائهم بما هو حق، ولكن يظل الواقع هو سيد الموقف وهو أن الفتنة جزء من حياتنا شئنا أم أبينا، وسيظل جزءًا من رسالة كل واحد أن يعمل على شق طريقه عبرها لينجو بنفسه وما يؤمن به، هذا بالطبع حديث نظري يحتاج إلى أن يتم إسقاطه على المحل المناسب وهنا يقع الخلاف، والخلاف في التطبيق أمر مفهوم، ويمكن إعذار من يخطئ فيه لكن ما لا يمكن الإعذار فيه هو تعمّد تسمية الأمور بغير أسمائها والضحك على الناس ليركنوا إلى حالٍ يتطلب تحركًا جادًّا لتغييره.

بعد خروج المستعمر حدثت الكثير من التغيرات والأحداث المفصلية في منطقتنا العربية، والتي لم يصل الكثير منها إلى المتلقي المعاصر بشكلها الصحيح أو لنقل إنه تم بعض القص والتحريف في روايتها وكذلك الأمر بالنسبة لنقل أحداث معاصرة، وذلك لخلق حالة معينة للمجتمع تناسب متطلبات الأنظمة والحكّام، عندما نتحدث عن رواية أو نقل الحدث فنحن نتحدث عن الإعلام والذي حرصت الأنظمة على السيطرة عليه وتوجيهه ليخدم أجندتهم ومصالحهم..

وقع الحدث الذي خلخل هذه العلاقة والهدف الذي تخدمه وهو تأسيس قناة الجزيرة والتي تم لها استقطاب العديد من إعلاميي محطة BBC لتحدث نقلة نوعية في الممارسة الإعلامية في العالم العربي، جاءت هذه التجربة القطرية بالتزامن مع التجارب السعودية والإماراتية في الإعلام وبمسار مختلف بالكلية، الملفت للنظر هو أن تأسيس قناة الجزيرة جاء في نفس العام الذي حدثت فيه المحاولة الانقلابية على أمير دولة قطر حينها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، هذا التوقيت يدعم الرأي الذي يفيد بأن المحاولة الانقلابية كانت سببًا في أن تأخذ قطر مسارًا تستقل فيه بنفسها عن محيطها والسياسات المتّبعة فيه وتأسيس قناة الجزيرة كانت جزءًا من هذا المسار والذي كان السعي فيه شاقًا للغاية، وكان ثمنًا له العديد من المشاكل كما صرّح الشيخ حمد بن جاسم نفسه في لقائه الشهير في تلفزيون قطر عندما قال إن قناة الجزيرة سببت لهم الكثير من «الصداع»، واللافت للنظر أن هذا قبل عام الثورات والأحداث المفصلية في تونس ومصر وليبيا وسوريا، وهي الفترة التي كانت هادئة مقارنةً بما وقع عام 2011.

التغطية التي أدّتها قناة الجزيرة لأحداث الثورات العربية جعلتها بطبيعة الحال جزءًا من الصراع الذي تلا هذه الأحداث، والذي كانت له عدة تجليات في عدة دول ما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة، وكان تفاعل الجمهور العربي مع هذه التغطية والطرح الذي ظلت الجزيرة تقدمه إلى الآن كان متباينًا ما بين مؤيد بالكلية ومؤيد جزئيًا ومعارض، المشكلة ليست في التأييد أو المعارضة ولكن المشكلة في نسج الخرافات التي لا يكاد يعرف أحد مصدرها، وأبرزها أن قناة الجزيرة قناة «تثير الفتنة».

مستصحبين ما قدّمنا به للمقال عن الفتنة يمكن القول إن الذين يروجون لهذا القول منقسمون إلى قسمين: الأول هو قسم الذين لا يفهمون ما الذي يجب أن تقدمه قناة الجزيرة أو أي قناة إخبارية أو لا يعلمون ما هي الفتنة أصلًا أو كل ما سبق، أما القسم الثاني فهو قسم الذين يعلمون تمامًا أن هذا القول ليس له أي منطق يؤيده ولكن يصرّون على الترويج له لأسباب تتعلق بالحالة التي تحدثنا عنها في بداية المقال والتي تريد الأنظمة أن تكون عليها المجتمعات.

أهل القسم الأول ليس لديهم تصور عن كيفية درء القناة التلفزيونية للفتنة أو عدم الوقوع في شبهة إثارتها للمشاهد، ولنكن دقيقين ونقل أنهم لم يحرصوا على معرفة ذلك، لأن رد الفعل على ما تقدمه الجزيرة كان مُخرجًا آليات دفاعية تشكلت عند هؤلاء مع طول أمد التعايش مع الأنظمة السابقة كنظام مبارك والقذافي وتكيّفهم مع عصر حكمهم برغم ما فيه من طوام وكوارث، وربما تلك الآليات قد ترجمت الكثير من ممارسات الفساد على أنها ممارسات لصالح الشعوب والتي ستجني ثمارها على المدى البعيد، وهي ذاتها التي هيأت أصحابها لتصديق وعود الزعماء بمشاريع قومية ستدر الخير على الشعوب وأنهم على درب التنمية والتطوير بالرغم من أنه لا ملامح له أصلًا، ولذلك كان هذا الادعاء أحد الحلول المناسبة لمقاومة التعامل مع الذي كان مستورًا لسنوات، ولن تؤثر في ذلك الحقيقة البسيطة، وهي أن قناة الجزيرة لم تكن فاعلًا بل كانت مجرد ناقل للحدث من الميدان إلى المشاهد الأمر الذي تفعله كل القنوات الإعلامية في العالم.

هذا بالطبع كان في فترة الثورات وما بعدها ثم استمر الترويج لهذا القول بعد الثورات المضادة بالتزامن مع البروباغندا ضد جماعة الإخوان المسلمين، وقد تم توسيع نطاق هذا المسمى بشكل غير مقبول لا أكاديميًا ولا أخلاقيًا، فأصبح كل من يعارض الوضع الحالي من الإخوان حتى تحول الإخوان من جماعة إلى كتلة من الشر الخالص، وتم اشتقاق بعض الأوصاف ذات الصلة مثل «الميول الإخوانية» والتي تم تسخير آلة إعلامية ضخمة وجهود جبارة تفوق من ورائها على وقفة «دقيقتي الكراهية» في رواية جورج أورويل 1984.

استحضار مقولة «قناة تثير الفتنة» يأتي الآن في سياق تشويه صورة أحداث 2011 والتي خلقت أجواء حرة للنقاش والعمل السياسي غير المقيّد والمنافسة المفتوحة، وكون أن الجزيرة لم يكن لها دور في كل هذا سوى نقل الحدث وتغطيته فهذا كان كافيًا تمامًا لأن تكون ظهيرًا لكل من يعارض الوضع الحالي فضلًا عن أن يسعى لتغييره الأمر الذي يتطلب حملة تشويه منظمة ضد الجزيرة والدولة التي تأسست عليها وهي قطر، ولذلك كان شرط إغلاق الجزيرة متصدرًا لقائمة المطالب.

يحضر الكثير سؤال (لماذا لا تنتقدون الجزيرة؟) وكذلك السؤال عن الإخوان أو قطر أو تركيا وغيرهم الكثير، والذي يسأل هذا السؤال هو في الغالب يريد مجرد اختبار عدالة المسؤول وليس لأنه يريد نقدًا حقيقيًا للجزيرة، والحقيقة هي أن المشكلة التي تحتاج للاهتمام بمعالجتها أكبر وأخطر من عدالة الناقد أو ازدواجيته، فنحن نعيش في أجواء تم شحنها عمدًا بالأكاذيب والدعاية الباطلة، نرى ونسمع كل يوم عن عبارات ومصطلحات ليس لها أي دلالة واضحة يتم استخدامها ضد من يحاول أن يقول أي كلام فيه رائحة العقلانية والمنطق أو يقف أمام نفير مكافحة الإرهاب الذي يتصدره أشخاص مثل أحمد موسى وعمرو أديب، فأنت غير مرضي عنك طالما أنك في غير اتجاه هذا النفير أو تستحيي أن تصرخ بالكلام عن محاربة «الفكر الإخواني» أو أن تفتري الكذب على القطريين أو الأتراك أو أن تشتم أردوغان وكل من يقول كلمة حق فيه.

هؤلاء الذين يصفون قناة الجزيرة بأنها «قناة تثير الفتنة» ومن يقف خلفهم يريدون أن تكون المشاهدة لنموذج لجعجعة عمرو أديب وردح أحمد موسى الذين لن تميز معهما حقًا أو باطلًا، هذه هي البيئة التي نعيش فيها الآن وهي بيئة غير صالحة للنقد والتحليل الموضوعي المنصف والذي هو بغرض التقويم والإصلاح، فالجزيرة بكل عيوبها هي القناة صاحبة التأثير الأكبر والمتفوقة على كل أقرانها في المنطقة والسبب قبل كل شيء آخر هو أن القدر الحالي لها من الاحترافية يكفي تمامًا ليلجأ المشاهد لها وسط هذا الكم من الأبواق الإعلامية، أما الآخرون فتسميتهم «أقران» هي تسمية إجرائية لا تعبر عن واقعهم السيئ نظرًا لكونها أظهرت سقوطًا أخلاقيًا ومهنيًا أوصلها إلى القاع طوال مسيرتها، ولذلك لا تعجب أن يأتي أحد الذين امتهنوا الكتابة في الصحافة السعودية محمد آل الشيخ ليقترح أن تتم رشوة قناة BBC لتكون «بوقًا» لهم يستثمروه ضد قطر وتركيا على الرغم من القنوات الموجودة والتي تكاد تتحول إلى بائعات هوى في قارعة الطريق تبيع خدماتها لمن يدفع، وهذا وحده يعطي تصورًا لعقلية هؤلاء الذين يسترزقون من الدعاية الكاذبة ولا يريدون من الإعلام إلا أن يكون «بوقًا» لهم يسبّح بحمدهم بكرةً وأصيلا.

دعاية (إثارة الفتنة) ليست ضد الجزيرة (والتي ستليها BBC قريبًا) ولكن هي ضد فكرة النقد البنّاء والمناصحة بغرض التقويم والإصلاح، كما أنها لبنة في مشروع إعادة العهد البائد عهد الصوت الواحد والخطابات الحنجورية التي كانت تطبّل لجمال عبد الناصر وتصفه بالزعيم والملهم وهو حينها مستوفٍ لكل متطلبات القهر والمهانة بعد هزيمة 67 الساحقة الماحقة التي تعاني منها أمتنا إلى هذه اللحظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام, رأي, نقد
عرض التعليقات