يعم الجهل بمدى خطورة الأمراض النفسية في مجتمعاتنا العربية؛ فلا يجري الاهتمام بالمريض النفسي واحترام حالته، بل يُنصح بالصبر و التحمل والتقرب إلى الله فقط في الكثير من الأحيان، و هو بالطبع أمر خاطئ؛ فخطورة الأمراض النفسية كخطورة الأمراض العضوية، وقد تسببها أحيانًا كما أن للمرض النفسي جانبًا عضويًّا يعالَج بالعقاقير التي تختلف من حالة لأخرى، و من مرض لآخر.

منذ 10 سنوات وأكثر، وأنا أعاني من «اضطراب ثنائي القطب»، لم أكن أدرك طبيعة مرضي، ظننت أنه اكتئاب، كما نصحني الكثيرين بالتقرب من الله، كما أشرت في السابق، ولكن دون فائدة. لم أرد اللجوء إلى الطبيب النفسي حتى لا أوصف بالجنون، محاولات انتحار فاشلة، ومحاولات لإيذاء نفسي، ولكنها كانت تقابل دومًا من الجميع بأني «إيماني ضعيف» لم يدرك أحد قدر المعاناة التي لطالما شعرت بها وأنا في خضم معركتي ضد نوبات الاكتئاب المتكررة، والتي تهدم الكثير.

لنرى تلك المعاناة بوضوح ولو قليلًا، يجب أن نستفهم عن ماهية هذا المرض أولًا، الوصف المختصر له هو أنه مرض يتميز بنوبات متكررة من اضطراب المزاج واختلاف مستوى النشاط الشخصي للمريض، عن طريق نوبات الهوس ونوبات الاكتئاب، يطلق عليه أيضًا ذهان الهوس الاكتئابي، ومرض الهوس الاكتئابي واضطراب الوجداني ثنائي القطب، وإن كان التعريف شاملًا للغاية، فإنه يجب الأخذ في الاعتبار أنه يوجد نوعان من اضطراب ثنائي القطب:

اضطراب ثنائي القطب 1

على الأقل يمر المريض في هذا النوع بنوبة هوس واحدة، وقد تتبعها أو يسبقها نوبة «ما تحت الهوس» (الهوس الخفيف) أو نوبة اكتئاب كبير.

اضطراب ثنائي القطب 2

غالبًا ما تكون النوبة الأولى نوبة اكتئاب، ولذلك يجري الخلط بينه وبين الاكتئاب الكبير في التشخيص في كثر من الأحيان؛ فهو يكون نوبات اكتئاب كبيرة متكررة، مع نوبات هوس خفيف تستمر لأربعة أيام فقط.

أهم سمات هذا المرض هما نوبتا الاكتئاب والهوس، ولكن هل يستطيع الشخص أن يتعرف إلى النوبة قبل أن تبدأ؟ حسنًا، الأمر ليس بالمحال، خصوصًا على الشخص المريض منذ وقت طويل، ولكن الأمر ليس سهلًا أيضًا فالنوبات عادةً تكون شديدة ومفاجِئة، وبالأخص نوبات الهوس، ولكن لنسرد بعض أعراضهم (والتي قد تختلط مع أعراض أمراض أخرى، لذلك ينصح دائمًا باستشارة الطبيب حينما يشعر المريض ببداية انتكاسة).

أعراض نوبة الاكتئاب

مزاج اكتئابي.

• انعدام الرغبة.

• عدم التركيز.

• الأرق أو الزيادة في النوم.

• تعب وضياع الطاقة.

• شعور بالذنب وانعدام قيمة الذات.

• أفكار انتحارية.

أعراض نوبة الهوس

• حب الذات بشكل ملحوظ.

• انخفاض الحاجة للنوم (بسبب زيادة مادة الأدرينالين في الجسم).

• الرغبة المستمرة في الكلام، وبشكل سريع، حتى إنه في بعض الأحيان لا يُفهم معظمه.

• التشتت إلى المؤثرات الخارجية بكل سهولة.

• زيادة النشاط (الحركي– الجنسي– الاجتماعي)

• تسارع الأفكار، وانعدام القدرة على التركيز على فكرة بعينها؛ مما يسبب إرهاقًا فكريًّا.

• ممارسة نشاطات وأفعال مضرة (كشرب الكحول بإفراط- سلوك جنسي طائش- صفقات تجارية بلا هدف)

وبما يعد الهوس السمة الأخطر؛ فيجب أن نعرف أنه ينقسم إلى ثلاث مراحل حسب حدته:

أولًا: الهوس أقل من الحاد «تحت الهوس»: و عادة لا يتم كشفه؛ لأن المريض يتصرف في هذه الحالة كالشخص السوي، ويبدأ ظهور المرض عندما يهمل واجباته ومسؤولياته، فهنا يستجيب المريض لمرضه أكثر من استجابته للواقع.

ثانيًا: الهوس الحاد: وهي نوبات مفاجِئة وعنيفة من الهذيان، يعبر فيها المريض عن سعادته بشكل شديد، ويصبح شديد الشرود.

ثالثًا: الهوس فوق الحاد «فوق الهوس»: يكون فيها الشخص شديد الخطر على نفسه وعلى غيره، ويجب أن يعزل في مصحة نفسية مختصة، ويبقى تحت الملاحظة حتى يعود لحالته الطبيعية.

ولكن كم تستمر تلك النوبات؟ في الواقع، نوبات الهوس عادةً ما تبدأ بشكل مفاجئ، وتستمر من أسبوعين إلى أربعة أو خمسة شهور، أما نوبات الاكتئاب فهي تستمر لمدة أطول من نوبات الهوس، متوسط مدتها يكون ستة أشهر، وقد تستمر إلى سنة ولكن في حالات نادرة، غالبًا ما تكون لكبار السن.

لاضطراب ثنائي القطب تاريخ طويل وقديم، فقد وُصِف في كتابات قديمة، مثل الهندية، والمصرية، والإغريقية، والصينية. كان يوصف بحالات حزن القلب الشديد، ورغبات في إنهاء الحياة، وأيضًا نوبات مرح وهياج شديد، وقد مثل 10 – 15% من مجموع الاضطرابات النفسية، ويحدث في السن بين 30– 60 سنة، وهو نادر الحدوث قبل سن البلوغ، وقد قدرت منظمة الصحة العالمية مصابين به بـ65 مليون حول العالم، سواء في الدول المتقدمة الغنية، أو الدول النامية، ولكنه ينتشر بين المثقفين والطبقات العليا، وقليل الحدوث في المجتمعات البدائية.

وجد العلماء صعوبة في التوصل إلى مسببات اضطراب ثنائي القطب رغم الدراسات العديدة التي أجريت، والتي تناولت عدة جوانب، مثل الجوانب البيولوجية، وهي تعد أهم وأخطر الأسباب في العديد من الأمراض النفسية والجوانب النفسية والاجتماعية.

العوامل البيولوجية

1. الجينات الوراثية.

2. الأمينات الحيوية.

3. اختلال النشاط الهرموني.

4. اختلال الأملاح.

مراحل العمر

الشيخوخة: فبسبب كثرة الأمراض لدى الشخص، والانعزال، والوحدة قد يقع تحت وطأة المرض.

منتصف العمر: في هذه المرحلة ينظر الشخص إلى ما مضى من عمره وما تبقى؛ فيشعر بأنه لم يحقق ما كان قد توقعه أو حلم به، ويكون عرضه للعديد من الأمراض النفسية، أخطرهم الاكتئاب أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وعادة ما يطلق على هذه الفترة أزمة منتصف العمر.

المراهقة: يقع المراهق تحت وطأة الصراعات النفسية؛ إذ إن شخصيته قيد التكوين والضغوطات المحيطة، وتكون هي أخطر فترات الإصابة باضطراب ثنائي القطب؛ لإقدام المراهقين على الانتحار وتكراره في حال الفشل.

لم يكن اضطراب ثنائي القطب مرضًا مستقلًّا عن الاكتئاب من قبل، بل كان يُصنَّف نوعًا من الاكتئاب، ولكن استقلاله عنه أتاح للعلماء فهم ماهية المرض، والتوصل لعلاج فعال في كثير من الحالات، ولكن كما هو الحال مع أي مرض نفسي آخر، لا يجب أن ينقطع المريض عن العلاج حينما يشعر بالتحسن، بل يجب أن يستمر على العلاج، ويتبع تعليمات الطبيب المعالج.

ولكن في النهاية أود إخبار كل شخص يخشى الذهاب للطبيب النفسي، أو يخشى من مواجهة المجتمع، أو يلجأ إلى أي طريق بديل، الحل الأمثل هو اللجوء لمختص، لا تترك نفسك للمعاناة والألم، يجب أن تعلم أن المرض النفسي كأي مرض عضوي آخر، كما ذكرت مسبقًا، يستدعي تدخلًا طبيًّا، وقد يكون أثرها أخطر على الشخص من أمراض عضوية كثيرة.

أتمنى أن يزيد الوعي بالأمراض النفسية في المجتمع، وأن تتاح فرص العلاج؛ فالعلاج النفسي من جانب آخر يشكل عبئًا ماديًّا ثقيلًا في كثير من الأحيان، وهذا الجانب يجعله يبدو رفاهية للكثيرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد