يأتي شهر ربيع الأول حاملًا في ثناياه عطر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتزين الشوارع والطرقات بالزينات والسرادقات، وتمتلئ أيامنا بالبشر والسعادة والحبور.

وفي هذه الأيام أتذكر ما كان ونحن أطفال صغار، كنا إذا جاء المولد نقف مشدوهين أمام حصان المولد المصنوع من الحلوى، وفوقه الفارس تمشق حسامه ورفع سيفه، فنرسم بخيالنا الغض وتصوراتنا الطفولية صورة لهذا الفارس الذي يمتطى صهوته فهو: عنترة العبسي، أبو زيد الهلالي، الهلالي سلامة، أدهم الشرقاوي.

فارس والدنيا مش عاجباه

رافع سيفه

رافع راسه

وحصانه كمان مرفوع الراس..

كانت تلك الخيالات ترسمها عقولنا الغضة، وتغذيها حكايات أسطورية سمعناها في سهرات السمر في القرية، ولما توسعت مداركنا، وازدادت معارفنا، تخيلناه خالد ابن الوليد، سعد ابن أبي وقاص، قتيبة الباهلي، طارق بن زياد، عقبة بن نافع، محمد الفاتح، قطز، الظاهر بيبرس، صلاح الدين الأيوبي، … وغيره الكثير من فرسان وقادة المسلمين.

واليوم أقف أمام ذات الحصان فلا أراه إلا زيفا كبقية الزيف الذي نعيشه في كل جوانب حياتنا، فقد ترجل عنه فارسه، وأغمد سيفه، وبحث عن عشب أخضر يرعى فيه حصانه، وشجرة وارفة الأغصان يستظل تحتها، وصدق القائل :

طلع الحصان حلاوة

والفارس بيتاكل

حكوا باستفاضة

عن سيفه العادل

قالوا الهلالي سلامة

أبوه مقاتل كان ومناضل

طلع إنه حلاوة في الموسم

يتقرقش  يتاكل

سيـفـه أول حـتـه

تنكسر وتتـاكـل

والحصـان جــواه

خاو شكل ع الفـاضـي

دا يــا سـيـدنـا

السامع الـعـاقـل

طلع زيــه زي لقـمـة القـاضـي

لقد تبدلت المفاهيم وتغيرت التصورات، واختلطت الأمور وانقلبت الموازين، وسادت الغفلة أيامنا وسلبتها خيرها فأضعفت إيمان أبناء هذه الأمة، فقد تحول الحصان العربي الأشم إلى حصان خانع هزيل ذليل.

إيه راح يعمل فارس فوشيا

سكر مصبوب

واقف مرعوب

يمكن خايف قلبه يسيح

وبسيفه عاوز يحمينا

لكن مسجون جُوَّه ظروفه

عمره المحدود بزمان المولد راح ينفَضْ

والولد الشقي يمكن ينقض عليه

يتكسّر سيفه وحصانه

يصبح سُكَّر مبدور ع الأرض!

وصار زماننا كما وصفه فاروق جويدة:

زمان دميم .. أذل الخيول

فما كان مني .. وما كنت له

خيول تعرت .. فصارت نعاجا

فمن روج القبح .. من جمله؟

ومن علم الخيل أن النباح

وراء المرابين .. ما أجمله؟

هنا كان بالأمس صوت الخيول

على كل باغ .. له جلجلة

فكم أسقط الحق عرش الطغاة

وكم واجه الزيف .. كم زلزله

فكيف انتهى المجد للباكيات

ومن أخرس الحق .. من ضلله؟

ومن قال إن البكا كالصهيل

وعدو الفوارس كالهرولة؟

سلام على كل نسر جسور

يرى في سماء العلا منزله

ولكن النسر الجسور الذي أرسل له جويدة سلاما تبدل إلى طائر الحجل في وداعته، كما تعلم الليث الهصور جفلة الظبي الوديع كما قال إقبال شاعر الإسلام :

سلبوا السرو جميل الميــل .. وردوا الصقـر مثـل الحجـل

علموا الليث جفلة الظبي ومحوا .. قصص الأسد في الحديث القديم

فما أحوج هذه الأمة اليوم إلى فارس يمتطي صهوة الحصان فيرد إليه عافيته وعنفوانه، فتفر من أمامه جحافل الظلام وجيوش الأعداء، فلقد اشتاق الحصان لك يا خالد، لقد اشتاق الحصان لك يا صلاح الدين.

لقد اشتاقت الأمة لكم أيها الأسود، أما من عودة لها لتفكوا إسارها، وتعيدوا لها مجدها، وترفعوا عنها خسيستها في عصر قل فيه من يقول: ها أنذا؟! فإن الخيول الأصيلة لا تعرف الزيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد