تقاس الأحداث في تاريخ الأمم بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة في سيرورة هذا التاريخ. فموت الملكة كليوباترا السابعة مثلًا لم يكن إيذانًا بنهاية أسرة البطالمة المقدونيين الذين حكموا مصر ثلاثة قرون فحسب، بل كان موتها علامة فاصلة في تاريخ الإنسانية حيث انتهت الحضارة الفرعونية القديمة بكل ما حملته من إرث إنساني هائل.

كذلك في الجزائر كانت مجازر الثامن من مايو (أيار) 1945 حدثًا فارقًا في تاريخ الأمة، رغم كونه يأتي في خضم وقائع أخرى في تلك الفترة. إلا أن التأثير العميق الذي أحدثته تلك المذابح في المخيال الجماعي للجزائريين أدى في نهاية المطاف الى ثورة الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

فترسب الممارسات القمعية الجماعية الممنهجة لنظام استعماري أو لدولة مستبدة لا يمكن أن ينتج إلا ثورة على الواقع قد يطول وقت انطلاقها، لكن وقوعها مؤكد. وفي حقيقة الأمر فإن الثورة تبدأ حينما يبدأ القمع، فقانون الطبيعة يقتضي أن لكل فعل رد فعل.

وضمن نفس السياق التاريخي جاءت أحداث 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 في الجزائر كردة فعل على وضع قائم اتسم بالجمود والركود الاقتصادي والتسلط في القرار، إضافة إلى التضييق على الحركات الإسلامية والأمازيغية والعمالية في ذلك الوقت، مع التذكير بأن تلك الأحداث استرجعت سريعًا من طرف جناح في السلطة آنذاك، وهذا ليس غريبًا على الثورات والحركات التحررية، إذ إن التاريخ يحفل بأمثلة كثيرة لثورات كان هدفها كسر قيود الظلم والإجحاف وتأمين مستقبل أفضل، ثم ما تلبث أن يتم استرجاعها من السياسيين للصعود إلى الحكم وبدء شوط جديد من لعبة الحاكم المتسلط ومحكوميه.

لقد كان مجيئي عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999 إيذانًا بنهاية حرب أهلية دامت 10 سنوات، وتلك هي مدة كافية لإرهاق طرفي الحرب في ذلك الوقت. فكان تقديم رجل في هيئة مدنية على أنه واجهة الحكم في الجزائر كفيلا بأن يسرع بفرز خيوط أزمة بالغة التعقيد عصفت بالبلد ورمت بالشعب الجزائري في أتون صراع مرير ستبقى أثاره راسخة لسنوات.

عبد العزيز بوتفليقة كان يتنقل بين جنيف وبعض إمارات الخليج؛ مما جعله بعيدا عن أعين الحكام الفعليين آنذاك، ثم إن الذين عرفوه وخبروه عن قرب لم يكونوا في مواقع تسمح لهم بالتأثير والبعض منهم قد ماتوا أو قتلوا مثل قاصدي مرباح 1993 وعبد الحميد بوصوف 1980؛ لأن ما حدث في شتاء 1979 قد غيره للأبد، فقد أحس بوتفليقة بأن رفاق الأمس خانوه وأبعدوه عن حقه الشرعي في خلافة بومدين.

هذا الموقف لم يكن ليخفى على قيادات عملت معه في فترة الرئيس هواري بومدين أو حتى قبل ذلك مثل علي كافي، لكن الظروف التي أحاطت بمجيئه في 1999 لم تسمح لضباط الجيش أو للقيادة عمومًا داخل النظام الجزائري بأن يقدروا الخطر الذي يمثله بوتفليقة بنرجسيته الفائقة وحقده الدفين على الجيش الوطني الشعبي، وليس أشد تبيانًا لهذا ما صرح به بوتفليقة نفسه بعد اعتلاءه الرئاسة عندما قال: «لا أريد أن أكون ثلاثة أرباع رئيس».

كان واضحًا منذ 2004 مع ما حدث للفريق العماري أن النظام الجزائري بقيادة عبد العزيز بوتفليقة يتحول شيئًا فشيئًا من نظام شمولي إلى سلطوية جد متطرفة تقدس الفرد وتلغي دونه كل الوطن.

وقد تفطن قادة الجيش لذلك، لكنهم لم يكونوا حقيقة معترضين على شخص بوتفليقة بقدر اعتراضهم على محاولته تغيير نظام الحكم وجعله في يد شخص واحد، ما كان يمثل خطرًا وجوديًا على ديمومة النظام حسبهم، واعتمادًا على ذلك تمت محاولات حثيثة لزعزعة حكمه وإرخاء يده بدءًا بقضية الخليفة، ثم سوناطراك وصولًا إلى قضية الطريق السيار، هذه القضايا وغيرها كان يتم العمل والتحقيق فيها داخل أروقة المخابرات الجزائرية وبرعاية شخصية من كبار الضباط.

بعد الجلطة الدماغية التي ألمت ببوتفليقة استشعر أركان النظام الجزائري الخطر، فالسياسة التي طبقت حتى ذلك الوقت قزمت بشكل مبالغ فيه الأوجه التي يمكن التعويل عليها في خلافة الرئيس والطريقة التي أديرت بها أحزاب ومنظمات السلطة كان فيها الكثير من التفريغ المتعمد من القيادات والوجوه البارزة، وأكبر مثال على ذلك هو إبعاد أحمد أويحيى من قيادة الأرندي في يناير 2013 وسحب الثقة من عبد العزيز بلخادم في قيادة الأفلان في نفس الشهر، كان هذا دليلًا واضحًا على اختراق كبير وغير معهود بذلك الشكل لعمل الأحزاب في الجزائر وكان دليلًا أيضًا على علامة جديدة في العمل السياسي الجزائري تحمل بصمة شقيق رئيس الجمهورية، المسمى سعيد بوتفليقة.

هذا الرجل لم يكن ينتهج قواعد العمل السياسي المحترف في محاولة توجيه قرارات الأحزاب كما هو متبع في أغلب دول العالم حتى الديمقراطية منها، لافتقاده للخلفية المهنية البحتة في هذا المجال. وبدلًا عن ذلك فقد اعتمد طرقًا عنيفة سببت هزات وارتدادات في العمل السياسي الجزائري عمومًا، مثل تزكية سعداني كأمين عام للأفلان، السماح لبعض الانتهازيين والسفهاء أحيانًا بتصدر مشاهد مساندة الرئيس. ثم ما تبع ذلك من سطحية للخطاب وشبه قطيعة بين قيادة أحزاب الموالاة وباقي طبقات المجتمع من شباب ونخب.

في 2015 وبعد تمرير عهدة رابعة للرئيس رغم مرضه الشديد الذي حال حتى دون إكماله للقسم الدستوري، في سبتمبر من هذا العام تمت تنحية الفريق مدين كإيذان على نهاية حقبة طويلة من حكم الجزائر كانت تتخذ فيها القرارات مناصفة حول طاولة واحدة. ولا شك أن رحيله بتلك السهولة فيه الكثير من الدهاء، حيث قدر أن استمرار النظام بهذه المكونات شبه مستحيل.

في ظل هذا التصحر المتعمد في العمل السياسي كانت فئات كثيرة من المجتمع تعيش حياتها الخاصة بعيدًا عن معترك السياسة، لكن التطور التكنولوجي وامتلاك جميع الجزائريين تقريبًا لوسائل تمكنهم من الولوج لوسائط التواصل الاجتماعي، كان بمثابة ثورة خفية تتحضر للانفجار في أي وقت.

لقد كانت متابعة فيديوهات المعارضين السياسيين في الخارج مثلًا أو قراءة تحليلات للسياسيين أو نقاشات لرجال فكر حول الوضع العام في البلد، كل ذلك كان متاحًا بسهولة لملايين الجزائريين، وخاصة الشباب، وهذه الطبقات الواسعة من الشعب التي اتفق اصطلاحًا على تسميتها بالطبقة الصامتة كان مشاركتها السياسية سلبية، حيث تمتنع عن الإدلاء بأصواتها في الانتخابات المحلية أو التشريعية أين كانت نسب المقاطعة عالية جدًا في العهدتين السابقتين، ولم يكن ينقص كل تلك الشرائح من المجتمع غير التحفيز الكافي للانخراط بإيجابية في الشأن العام واسماع صوتها المغيب طويلًا.

هذا التحفيز الكافي وجد في قضية عياش محجوبي، فقد كانت قصة موت هذا الشاب المسكين بمثابة شعلة فجرت لدى الجزائريين شعورًا موحدًا وجعلتهم يكتشفون فجأة أنهم سواسية جميعًا أمام نظام حكم لا يأبه بحياتهم. حيث إن تجاوب السلطات المحلية والمركزية مع هذه القضية كان سيئًا لدرجة أن الشعب الجزائري، وخاصة الشباب منه أصبح يشعر بأنه مهدد في بلده حتى في سلامته الشخصية، وأن نظام الحكم الذي يفترض أن يحمي الوطن والمواطن، هذا النظام غائب تمامًا ولا يحمي سوى المحظيين من المسؤولين وعائلاتهم.

لقد خلفت حادثة عياش محجوبي ألمًا عميقًا لدى الجزائريين، ولم يكن من رد سوى حراك الـ22 فبراير 2019.

ففي العاشر من فبراير 2019 نشرت رسالة منسوبة إلى الرئيس يعلن فيها ترشحه، وكانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس فقد بدأت مباشرة الدعوات إلى مسيرات سلمية في الـ15 من الشهر، لكن نجاحها لم يكن كبيرًا لضيق وقت الدعوة ولعدم معرفة غالبية الشعب الجزائري لمحتوى الدعوات، لكن الاستجابة كانت هائلة في الجمعة التي تلتها في الـ22 فبراير، وبدأت بذلك صفحة جديدة من تاريخ الجزائر تختلف جذريًا عن سابقاتها من حيث وعي الجزائري وحبه لبلده وحرصه على مستقبل الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد