· التوجه الراديكالي الذي بدأ به رونالد ترامب عهده سيدخل بالعالم في نفق مظلم، عنوانه عنصرية الغابة حيث يتحكم الوحش بقانون القوة الباغية في كل من تاهوا وضلوا الطريق، أو قادهم ضعفهم وحظهم التعيس أن يجاوروه ويتعاملوا معه.

· فهم إما أن يخضعوا لمراده وهواه، وإما أن تشملهم قوائم تصدر كل عام من جهة واحدة: الخارجية الأمريكية، فهي التي تحدد أماكن وحجم واختراق حقوق الإنسان، بل هي التي تحدد أي إنسان هذا الذي يحظى بالحقوق أصلًا، إنسان الشمال أم إنسان الجنوب؟ الإنسان في رواندا والصومال وأفغانستان والعراق وفلسطين والروهينجا ومعتقل جوانتانمو وسجن أبو غريب؟ أم الإنسان في واشنطن ونيويورك ولندن وباريس ولكسمبورج؟ ثم قوائم أخرى تصنف من «ليس معنا» ضمن قوائم الدول التي ترعى الإرهاب، ومن ثم يفرض عليها الحصار، وتسن قوانين تنفذ من خلال المنظمات والمؤسسات الدولية بالحصار والعزلة والتجويع.

وهكذا يبدأ العالم مع ترامب رحلة جديدة من المعاناة، تمارس فيها الولايات المتحدة الأمريكية دورها مع العالم بتطبيق رؤيتها لأفلام رعاة البقر، فهي وحدها التي تمدهم بآلات الحرب، وترعى لهم السلام والأمن، وتستنزف خيراتهم وتنضح ثرواتهم متى شاءت، وتحتل أرضهم متى شاءت، أو تصادرها متى شاءت، وتحلبهم متى شاءت، وتذبح منهم أيضًا متى شاءت، وعصاها دائمًا جاهزة لمعاقبة الدول المخالفة وتأديب كل بقرة شاردة أو ثور يتمرد.

وإذا كانت قوى اليمين والعنصرية ومعها بعض مراكز القرار في الغرب تنهج هذا النهج، وتتبنى رؤية عنصرية ضد الإسلام تنطلق من الخوف من حجم قدرته على التحدي، وتحاول أن تستنزف قواه وتفتت وحدته وتجعل منه ـ وبشكل دائم ـ مصدرًا للخطر على الغرب شعوبًا وأنظمة، فإن الغالبية من مراكز القرار ومعها كل شعوب الغرب بدأت تدرك خطورة هذا التوجه على السلام العالمي، وبدأ الوعي والإدراك ينمو في ظل ثورة الاتصالات وأدوات التواصل الاجتماعي، لذلك ظهرت مواقف مضادة لتوجهات دعاة الكراهية والعنصرية، والمبالغين في دعوى الخطر والتوجس من الإسلام، وأدعياء تفوق العرق وأصحاب نظرية تفوق الجنس لا تفوق الحضارات.

وقد أشرنا في مقالات سابقة أن ظاهرة رونالد ترامب وفريقه الرئاسي ليست جديدة، وإنما هي أثر وصدى يكشف ويجدد ما تركته مدرسة برنارد لويس وتلامذته الذين يرون الإسلام حضارة مجروحة، والنزعة الإسلامية في كل أشكالها مرضًا وتهديدًا كامنًا للغرب.

برنارد لويس في تبريره لرؤيته هذه أشار إلى ثلاث مراحل متعاقبة من الهزيمة – للإسلام في نظره – على أيدي الغرب على مدى القرون الثلاثة السابقة.
فأولًا: خسر الإسلام أمام القوة المتزايدة التقدم لروسيا والغرب.
وثانيًا: أتى تقويض سلطته في بلده هو من خلال غزو الأفكار والقوانين وطرق الحياة الأجنبية وأحيانًا حتى الحكام أو المستوطنين الأجانب ومنح حق الاقتراع للعناصر غير المسلمة:
والثالث: -القشة الأخيرة- كان تحدى سيادته في بيته الخاص من جانب النساء المتحررات والأطفال المتمردين. كان هذا يفوق قدرته على التحمل، وكان انفجار الغضب ضد هذه القوى الغربية الكافرة المبهمة التي دمرت سيادته، وأخيرًا انتهكت حرمة بيته محتمًا.
لقد أنتجت العوامل الثلاثة السابقة شعورًا بالإذلال، وولدت وعيًا متزايدًا بين ورثة حضارة قديمة فخورة سادت زمنًا طويلًا بأنهم قد سبق وهزموا وسحقوا على أيدي هؤلاء الذين اعتبروهم أدنى منهم. وفي النهاية أصبح هذا الغضب موجهًا بالدرجة الأولى ضد الولايات المتحدة، وبهذا أصر برنارد لويس على أن كراهية العالم الإسلامي لأمريكا لا صلة لها بدعم الولايات المتحدة لنظم قمعية في العالم الإسلامي، أو لإسرائيل، أو الاستعمار الأمريكي، أو بأي شيء آخر فعلته أو تفعله الولايات المتحدة. [1]

يعلق زكارى لوكمان على مقالة برنارد لويس المذكورة، والتي نشرت قبيل استعداد القوات المسلحة الأمريكية وحلفائها للحملة التي تشن على العراق في حرب الخليج الثانية قائلًا. قدمت مثل هذه المقالات للأمريكيين تفسيرًا سهلًا ومريحًا لوجود هذا القدر الكبير من الغضب والاشمئزاز تجاه الولايات المتحدة بين العرب والمسلمين – فلويس ومدرسته يرون النـزعة الإسلامية شمولية وتولد الإرهاب، بهذا الوضوح وهذه البساطة ليس هناك إسلاميون معتدلون، أو قابلون لأن يكونوا ديمقراطيين يستحقون جهد الكلام عنهم[2]، وفي هذه الحالة، فهذا الغضب ـ وفقًا للويس ـ لا يرجع في العمق إلى أي شيء قد فعلناه، نحن، في الغرب أو نفعله، ولا حتى بسبب إدراك الآخرين الخاطئ لأفعالنا وسياساتنا، وإنما يعود أساسًا أو حتى فقط إلى عيب عميق في الحضارة الإسلامية، يرجع إلى جرح ظل مفتوحًا، ويبدو أنه لن يندمل حقًا، إلا إذا كف المسلمون عن أن يكونوا مسلمين[3].

زكارى لوكمان أصاب كبد الحقيقة بعبارته التي كشفت خبيئة برنارد لويس وهي الرغبة الجامحة في أن يكف المسلمون عن أن يكونوا مسلمين، وهيهات، أمنية طائشة، وسعي خائب غير مشكور ، فالمسلمون كلما اشتدت عليهم المحن ازدادوا ثقة بدينهم، وتجددت رغبتهم في الصمود، ولويس ومدرسته يتجاهلون حقيقة فطرية في النفس البشرية، وهي أن العقيدة هي الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه المرء عند الشدائد، وإذا كان السيد لويس يريد ويجرب أن يجرف حقائق التاريخ بتجريد العرب والمسلمين من أية ميزة لهم، وأن يسلبهم حقهم التاريخي في البناء الحضاري قديمًا، غير أنه ينسى أن ذاكرة التاريخ من الصعوبة أن تمحى، وأن ما يفعله من تجريف للحقائق ومحاولة فرض ذاكرة مزيفة على الناس تجاه رصيد العرب والمسلمين الثقافي والحضاري، إلا أن كثيرًا من الباحثين ومن أبناء الغرب ذاته يرفضون هذا التوجه الذي يعبث بالحقائق ويصرون على حق العرب والمسلمين في إثبات وجودهم الحضاري ثقافة وتاريخًا، ويعترفون بأنهم في يوم من الأيام كانوا هم العالم الأول، وأن ثقافتهم الإسلامية قدمت للدنيا مزيدًا من العلم ومزيدًا من النهوض.

وإذا كان برنارد لويس وأتباعه يتحدثون عن حضارة مجروحة ويعيروننا بأن جيوشهم كانت قد احتلت بلادنا أيام الحروب الصليبية مدة قرنين من الزمان، ثم عادت مرة أخرى، وهي الآن تتمركز في قواعد لها هنا في أرضنا، فقد نسي أن الأيام دول، وأن جيوش العرب من قبل كانت في أرضه. وأن ثقافتنا هي التي حركت في الغرب ركوده وأيقظت نهضته وأعادت إليه وعيه من خلال وجودها في صقلية التي حكمها المسلمون مدة قرنين من الزمان (850-1093).

وكذلك الأندلس التي حكمها المسلمون ثمانية قرون وكانت قرطبة وإشبيلية وطليطلة وقرطاجنة عواصم الثقافة والعلم في ذلك الوقت، حيث بدأ الغرب نهضته تلميذًا على علماء المسلمين في القرون 12- 14 وقد كان المثقف وطالب العلم الأوروبي يتعلم العربية ويسافر ليدرس في الجامعات الإسلامية الرائدة التي تحمل مشعل العلم والحضارة والنور في كل من قرطبة وطليطلة والقيروان والزيتون والأزهر ودمشق وبغداد وبخاري وسمرقند وقد كتب روجر بيكون الذى يعتبر تلميذًا من تلاميذ المنهج العلمي الإسلامي، قائلًا: إنه لا يتصور مشتغلًا بالبحث العلمي لا يعرف اللغة العربية.

· السيد برنارد لويس وأتباعه تعمدوا تشويه الحقائق وتقديم المسلمين والعرب في أكثر الصور بشاعة وهمجية وتخلفًا بقصد استباحتهم أرضًا وثروة وتاريخًا وحضارة، فإن فريقًا من الباحثين، ومن أبناء الغرب ذاته يردون عليه عبثه ويقطعون عليه طريق الغواية الثقافية التي يتعمدها السيد لويس بتجاهله لحقائق التاريخ ورصيد العرب الثقافي والإنساني في بناء حضارته الإنسانية ليصدق قول الشاعر:

إن الذي خلق الحقيقة علقمًا ……. لم يخل من أهل الحقيقة جيلًا

المستشرقة الألمانية المعروفة زيغريد هونكه ترد على السيد برنارد لويس في عبثه بالحقائق وتكشف تحامله وعنصريته وتحيزه ومن معه ضد العرب والمسلمين فتقول:

«لعل من أهم عوامل انتصارات العرب هو ما فوجئت به الشعوب من سماحتهم، وحتى إن الملك الفارس كيروس نفسه قال: إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين».

وترد هونكة فرية اتهام العرب بالتعصب والوحشية، فتقول «أما فيما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية، إنْ هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم ومعاملاتهم للشعوب المغلوبة»، وتقارن هونكة بين معاملة العرب لخصومهم والمختلفين معهم دينًا وثقافة، فتؤكد «إن التاريخ لم يقدم لنا في صفحاته الطوال، إلا عددًا ضئيلًا من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب، وكان لمسلكهم هذ أطيب الأثر؛ مما أتاح للحضارة العربية أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف، ولا الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إرادتها بالقوة»[4].

فهل ما يفعله ترامب تجديد في الراديكالية أم إعادة تعليب وتصدير لها؟

بقيت إشارة وتذكرة، أما الإشارة فليس لي فيها إلا شرف نقلها لقرائنا الأعزاء من كلام العلامة الملهم العالم الرباني الإمام الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه يقول: إن الحديث عن أمجاد الآباء يكون لغوًا لا معنى له إذا كان اعتذارًا عن تقصير.

أما التذكرة فنحن نذكر مجتمعاتنا وأمتنا فنقول: ذلكم هو التاريخ والمجد الذي ضيعناه فضاعت كرامتنا، ونفضنا أيدينا منه فلفظتنا ميادين الحياة وعشنا على فضلات حضارة الآخرين كما تعيش الكلاب والقطط الضالة.

فهل سنظل نلوم الغير إذا تنكر لنا أو رمانا بكل نقيصة بعدما تحولنا لشماعة تمسح فيها أخطاء الآخرين وحقل لتجاربهم وكأننا حيوانات المعامل؟

وهل نلوم السيد برنارد لويس والسيد ترامب المتأثر به، إذا كال كل منهما لنا بالمكيال الناقص، أو رأى أحدهما فينا رأيًا لا يسرنا ولا يشرفنا؟

يقول معن بن أوس:

ورثنا المجد عن آباء صدق .. أســــــــــــــــــــــــــــأنا في ديـارهم الصـنيعا

إذا المـجد القـديم تـوارثـته .. بناة السوء أوشك أن يضيعا

المفتي العام للقارة الأسترالية

 

 

 

[1] – تاريخ الإستشراق وسياساته، زكاري لوكمان، ترجمة شريف يونس، ص 346-348 بتصرف ط 1 دار الشروق 2007[1]
[2] – تاريخ الإستشراق وسياساته، زكاري لوكمان، ترجمة شريف يونس، ص 348 بتصرف ط 1 دار الشروق 2007
[3] – المرجع السابق ص 348 بتصرف.
[4] – شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه ص 357 ترجمة فاروق بيضون، كمال دسوقي دار الآفاق الجديدة ط8 1986 م بيروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بين ترامب وبرنارد لويس
عرض التعليقات
تحميل المزيد