احتار المحللون في توقع سياسة أمريكا في ظل حكم ترامب، والذي تتسم سياسته بالعنصرية منذ إعلانه في أول يوم له بالحكم وعند توليه قائلًا: «أمريكا أولًا» وأن الأرض الأمريكية للأمريكان فقط، وبهذا ذهب المحللون إلى أن الرجل سيغلق كافة ملفات أمريكا الخارجية لصالح التنمية داخل المجتمع الأمريكي.

ولكن ما حدث فجر الجمعة الماضية من ضربة أمريكية لأهداف سورية، ردًا على ضرب خان شيخون بالسلاح الكيميائي وضع المحللين في حيرة شديدة، وأصبحت تصرفات وسلوك ترامب تجاه الخارج الأمريكي سلوكًا غير متوقع ولا يمكن وضع حدود وعلامات له. وبالنظر إلى المصالح والاستثمارات العائدة على ترامب من هذه الضربة دعونا أولًا نوصِّف الضربة من حيث السياسات الأمريكية.

هذه الضربة لم تأتٍ بناء على قرار مؤسساتي يخضع للكونجرس الأمريكي وصانعي القرار، بل من خارج البيت الأبيض وفقط، وربما يكون هذا من الصلاحيات الممنوحة للرئيس وفق الدستور الذي خوله بإطلاق الطائرات والصواريخ في الضربات المحدودة.

يظن البعض بأن الضربة تعتبر مخالفة للمادة الأولى من الدستور الأمريكي، الذي يعد الكونجرس هو المنوط بإصدار الموافقة النهائية لأي تدخل وتحرك عسكري خارجي، ولكن في الحقيقة إن قرارات الحرب من الصلاحيات المتنازع عليها بين الكونجرس والرئيس وفق الدستور الأمريكي، والذي أعطى للرئيس الحق في إعلان الحرب بعد تصديق الكونجرس على هذا.

وصفت الضربة بأنها محدودة الأثر، وأنها لا تتناسب مطلقًا مع الجرم السوري ولا تتناسب مع قوة البنتاجون رغم أنها كانت بمقدار تسعة وخمسين صاروخًا من نوع توماهوك، أطلقوا على مطار الشعيرات رابع مطار سوري من حيث الترتيب العسكري والذي يتمتع بأنظمة دفاع جوي متقدمة وصواريخ سام 6، ونظرًا لقوة المطار فإنه قد استقبل طائرتين حربيتين هبوطًا وإقلاعًا صباح اليوم التالي للضربة.

– تعتبر هذه أول ضربة حقيقية ومباشرة وأول تدخل أمريكي منذ ستة سنوات منذ الأزمة.

– لن يتبع هذه الضربة ضربات أخرى بل قد تكون الأولى والأخيرة.

 استثمارات ترامب بالتدخل في سوريا

لا شك أن ترامب أتى إلى الحكم وقد واجه اعتراضات داخلية وخارجية كثيرة، وأصبح موقفه غاية في التعقيد في ظل انقسام أمريكي حقيقي رأى الكافة تداعياته داخل الشارع الأمريكي ذاته.

وبالتالي فإن الرجل حريص على أن يخرج بأول مكاسبه بما يعود عليه من تصحيح الوضع لشخصه قبل الموقف الأمريكي، ويمكن رصد بعض هذه المكاسب مختصرة فيما يلي:

إظهار جانب القوة في شخصيته وأن يده غير مرتعشة كسابقه

لطالما ظل أوباما في نظر الأمريكيين شخصية سياسية محنكة تتعامل مع الأحداث بسياسة النفس الطويل المحسوبة خطواته رغم أنه ما تحرك قيد شبر نحو حل حقيقي لما تعانيه بعض الشعوب من جراء الحكم الجائر عليهم، وأبرز تلك القضايا (سوريا) والتي ما تحرك لها أوباما مطلقًا بل وصف «بالبطة العرجاء» حتى أن بشار استخدم تلك الأسلحة في أغسطس 2013 وقال أولاند نصًا «إننا وقتها انتظرنا أن تتكاتف أمريكا معنا صدًا لهذا التصرف الأخرق من بشار» .

وهنا ينطلق ترامب لاستثمار حدث كخان شيخون ليعطي للآخرين تلميحات بأنه يمتلك شخصية ذات قوة ضاربة تتناسب مع الحدث وأن غضبته غير متوقعة، عكس أوباما الذي جلس ثماني سنوات يراقب الموقف فحسب، وبذلك يكتسي ترامب بحلة القوي الذي فشل غيره في ارتدائها.

تصحيح الصورة الذهنية له

رسخت خطابات ترامب السابقة للفوز وحتى أول أيام له بالبيت الأبيض لدى الكافة أنه شخصية غير متزنة، وأنه عنصري ولا يفهم إلا لغة المال والأعمال والانتهازية في التعامل وأنه لا مجال للإنسانية عنده، وخاصة أنه أعلن أكثر من مرة أن من سبقوه قد أخطؤوا عندما تدخلوا عسكريًا خارج أمريكا، فظن البعض أنه سينكفئ على الداخل الأمريكي فحسب، ولكن أن يكون أول تصرف عسكري له خارج أمريكا ردًا على ضرب خان شيخون بالسلاح الكيميائي، وأن هذه الضربة فتحت آفاقًا جديدة للشأن السوري الذي فشلت فيه أنظمة سابقة لترامب، فقد ذكر هو بنفسه أنها «حماية للأمن القومي الأمريكي من انتشار السلاح الكيميائي بالمنطقة»، وبالتالي ضمن من خلال تصرفه هذا تصحيح صورته لدى الآخرين، وأن شخصيته تتسم بالقوة وأنه يستخدم هذه القوة في مناصرة القضايا الإنسانية.

كسب التأييد الخارجي وكشف الأوراق

ربما يظن الرجل أن القوى الدولية تجاه تصرفاته لم تكن على قدم المساواة من حيث الترحيب به أو الإيمان بقدرته على إدارة الملفات الخارجية، وبالتالي يريد الرجل أن يحظى بتأييد خارجي لتتكاتف القوى الدولية خلفه ليكون بحق قائدًا للعالم، وأنه يمتلك من المقومات ما تدعوا الآخرين إلى الاصطفاف خلفه وهذا ربما ظهر جليًا من خلال الترحيب الأوروبي.وأما عن الموقف العربي فإنه يتجه إلى نفس اتجاه أوروبا من حيث الترحيب.

ولكن بعضًا من الدول لم تظهر ترحيبًا عربيًا موسعًا كالعراق والجزائر ولبنان، وحتى مصر موقفها محير وغير واضح دبلوماسيًا كعادتها تجاه المواقف الموجهة إلى سوريا، وهذا يتضح من كلمة سفير مصر بمجلس الأمن.

عقد مصالحة داخلية

لا يظن البعض أن الوضع في أمريكا قد استقر للرجل وخاصة بعد اقترابه من المائة يوم من حكمه، بل ما زال بعض الأمريكيين في أذهانهم شخصية الرجل غير المتزنة مقارنة بسابقه في الحكم (أوباما)، خاصة أن بعضًا من مستشاريه في البيت الأبيض متورط في تخابر مع روسيا في فترة الانتخابات، وأن بوتين تدخل في الحسابات الأمريكية الأخيرة في اختيار رئيس أمريكا الجديد.

إن استغلالًا لحدث مثل هذا أتى في موقعه من حيث استثمار ترامب له لتصحيح الوضع الداخلي، وأنه يعمل لصالح أمريكا فقط، وأن شعار أمريكا أولا كان حقيقيًا، والدليل هو الانتقام من روسيا في صورتها المتمثلة في نظام بشار، وأن الرجل ومعاونيه لا يعقدون صفقات سرية مع أحد وأنهم «لأمريكا فقط».

هذه بعض من استثمارات ترامب في الملف السوري وخاصة بعد توجيه ضربة للنظام السوري.

والسؤال الأهم!

ما هي الرؤية العربية من الملفات المعقدة سواء في سوريا أو في غيرها؟

وهل نحن دائمًا ننتظر الفعل لنقف موقف المؤيد لقرار أو الرافض لتصرف فحسب؟، أم أن المطلوب من العرب أكثر من هذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد