القلق الدولي من الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب أكبر من قرارات الهجرة، والتي لا تزيد عن كونها فقاعات صغيرة تسبق غليانًا كبيرًا في حالة أن يمضي ترامب في مخططه المزعج لحلفائه وخصومه معًا.

ربما وجدت الدول القلقة من مخططات ترامب في قرارات الهجرة فرصة للنيل المبكر منه، وأن تصله رسالة مفادها أن العالم لن يقف مكتوف الأيدي تجاه مخططاته، ولهذا بدأت الحملة الإعلامية والسياسية ضده مبكرًا، لكن كل طرف لديه جانب مختلف يزعجه من ترامب، فأوروبا لديها مخاوف جدية بشأن تصريحات ترامب حول حلف الناتو، والذي قال عنه إن الزمن قد تجاوزه، وأن على دول أوروبا أن تتحمل نفقات حمايتها، وهي نفس الرسالة التي وجهها إلى دول الخليج.

تأني ألمانيا في مقدمة الدول الأوروبية المنزعجة من ترامب، الذي يطمع في الفائض الكبير لدى أكبر اقتصاد في أوروبا، والذي يبلغ 217 مليار يورو، منها 74 مليار دولار فائض التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، وتعد الشريك التجاري الأول لأمريكا في الاتحاد الأوروبي، ومبعث القلق الألماني أن ترامب يريد نسف قواعد التجارة الحرة، وهو ما سيربك الاستقرار العالمي، وربما يتسبب في كوارث اقتصادية.

أما الصين فهي صاحبة أكبر فائض تجاري مع الولايات المتحدة، بفارق بلغ نحو 366 مليار دولار سنويا، وهو عجز هائل يبلغ أكثر من نصف العجز التجاري الأمريكي مع العالم، والذي يصل إلى نحو 700 مليار دولار سنويًا، وفقًا لتقرير مكتب الإحصاءات الأمريكي الذي ذكر أن حجم صادرات الولايات المتحدة خلال 2015 أكثر من 1.5 تريليون دولار، بينما تجاوزت وارداتها 2.2 تريليون دولار.

الخطير أن ترامب لا ينوي خفض الإنفاق العسكري الأمريكي، البالغ نحو 600 مليار دولار سنويًا، ويشكل أكثر من ثلث الإنفاق العسكري لجميع دول العالم مجتمعة، بل دعا إلى تطوير وتحديث المجمع العسكري الأمريكي، وهو ما يعني تكاليف إضافية، تزيد من حجم الديون الهائلة على الاقتصاد الأمريكي، والتي بلغت نحو 20 ترليون دولار، لكن ترامب يريد استخدام المطرقة العسكرية في تحقيق أهداف اقتصادية، ليعيد العالم إلى الصراع على الأسواق، وعصر الاستعمار المباشر بدرجة كبيرة، وأن يعقد الصفقات التجارية تحت تهديد القواعد العسكرية وحاملات الطائرات، لكن العالم لا يحتمل اشتعال معارك تجارية قد تفجر صراعات بمثل هذه الخطورة، فالصين وألمانيا واليابان لن تصمت إزاء هذه المخططات الجديدة، فالصين أعلنت أنه إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن حماية الأمن والاستقرار الدولي فإن الصين مستعدة للقيام بهذا الدور، في رسالة واضحة بأن الصين تمتلك مقومات قيادة العالم، وأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب تتخبط.

ليس صحيحًا أن ترامب معزول داخل الولايات المتحدة، والنظر فقط إلى مظاهرات عدة ولايات ضد قرارات الهجرة، فترامب يعبر عن رؤية قطاع من الرأسمالية الأمريكية، التي تدرك حجم أزمتها، وتبحث عن حلول، ولم ينجح بوش أو أوباما في إيجاد مخرج لها، لهذا ظهر ترامب ومشروعه الخطير، الذي يهدد به العالم، وكأنه شمشون الذي سيهدم المعبد على رؤوس الجميع.

إن ترامب يتلاعب في القواعد الراسخة للدول الأسمالية منذ نهاية الحب العالمية الثانية، ويهدد العالم بأنه سوف يثير عواصف أشد عنفا إذا لم يساعدوا أمريكا على تجاوز محنتها الاقتصادية، لكن ترامب اختار أكثر الوسائل عنفًا وإرباكًا؛ ما قد يجر العالم إلى حروب اقتصادية يتبعها عادة حروب عسكرية، في عصر بلغت فيه الأسلحة مدى غير مسبوق في الفتك والدمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد