أثار فوز ترامب عاصفة من التوقعات والتخوفات، واعتبر البعض ان فوزه مفاجأة في حين توقع آخرون ذلك، وبعيدا عن التهويل أو التهوين، ونظريات المؤامرة، سنحاول تقديم مقاربة شاملة تقرأ، وتتوقع عواقب فوز ترامب بالسُلطة.

 

كيف حدث ذلك؟

بعيدا عن الارقام والإحصاءات، فقد أدرك ترامب – رغم ما يبدو عليه من بلاهة – فلسفة العصر. ففي عصر مابعد الحداثة تصبح الشهرة وليس البطولة، ولا التضحية محل الإعجاب والتقدير، ولأن الشعب الأمريكي يعاني دوما من عقدة النقص، واستشعاره أنه قد تخلف عن الدول الأخرى، وأن عظمة أمريكا مهددة، لذلك فقد أحسن ترامب اختيار شعاره الانتخابي »جعل أمريكا عظيمة مجددا«

واستخدم ترامب خطابا شعبويا بسيطا وعاطفيا، عبارة عن جملة حب؛ تتبعها جملة كراهية. فأمريكا أم الدنيا وستبقى قد الدنيا، والأقليات هم الأشرار أعداء الدولة؛ هكذا ببساطة.

في عصر مابعد الحداثة تصبح العبرة للتسويق، فكلما تردد اسمك كثيرا حتى لو في مواضع سخرية وإساءة، فإن ذلك سيمنحك الشهرة وبعد فترة سيظل اسمك وستنسى الجماهير الغفيرة ما لحق بك من سخرية!

وتلك كانت فلسفة ترامب منذ بداية ظهوره في المجال العام!

 

في هذا العصر سنشهد الانتقال من الرئيس إلى المدير التنفيذي، ومن الحكومة إلى مجلس الإدارة، ومن الدولة إلى الشركة، ومن المواطن إلى المستهلك، ومن العقد الاجتماعي إلى عقد البيع والشراء، ومن العالم إلى السوق.

الشعب الأمريكي اراد كسر النسق التنظيمي، والبيروقراطي النخبوي. تماما مثلما فعل مع اوباما الذي كان شعاره »نعم نقدر على التغيير« ولكن النظام استوعبه ولم يقدر.

هنا قدم ترامب نفسه بحسبه المجنون الذي يمكن أن يتحدى النظام كله، ويقدر على تغييره. وسيصبح هذا هو السؤال؛ هل سيُغَير ترامب النظام أم سيغيره النظام؟!

ساهمت هيلاري في فوز ترامب أيضا، فهناك عدة دراسات وإحصاءات تؤكد أن الأمريكيين لا يقبلون تولي المرأة للقيادة، بل بعضهم ذهب أبعد من ذلك بانهم يفضلون الأطباء الذكور على النساء!

وهناك شعور عام يستند لأبحاث علمية واجتماعية، أن تهديد النظام الأسري في أمريكا قد كانت له عواقب وخيمة وسيئة على كل من الرجل والمرأة، وبالتالي هناك ميل عام لإبعاد المرأة عن المناصب القيادية، ومن يدقق في مناظرات ترامب مع هيلاري فقد كرر دائما الحديث عن ضعفها الصحي، وأنها غير قوية، فيما اعتبره البعض إشارة مبطنة لكونها إمرأة.

الهدوء الذي يسبق العاصفة.. أم العاصفة التي تسبق الهدوء؟!

ترامب لم يكن سابقة. فبعد استقرار النظام البريطاني كانت الانتخابات بالتناوب بين حزبي العمل والمحافظين، وقد انقسم حزب المحافظين حول ترشح »مارجرت تاتشر« لرئاسة الحزب، والتي كانت جديدة العهد بالسياسية.

واستفادت هي من ذلك الانقسام، وكان سلوكها الأكثر صدمة، فهي كانت متزمتة تواجه خصومها مباشرة وتهاجمهم، وفي عام 1979 ظلت على أسلوبها في الانتقاد، والهجوم الصارخ، وإثارة الرعب، وترهيب الناس منها ومن تصريحاتها ومواقفها النارية، وأظهرت استطلاعات الرأي حينها أن شعبيتها متدنية.

كان هدفها هو إبراز الفرق الحاد بين المواقف، والتسلل إلى عمق الفجوة والاستحواذ على الأصوات المترددة والشعبية وقد حققت انتصارا هائلا في الانتخابات!

وهي نفس استراتيجة ترامب.

توقع البعض أن فوز تاتشر مجرد صدفة، وأنها ستُهدأ الأمور وتُلطف الاجواء بعد فوزها، ولكن العكس هو الصحيح فقد استمرت في الصدام واتخاذ قرارات عنيفة وصادمة أدت إلى زيادة نسبة البطالة، حتى أن كبار الساسة في حزبها انتقدوها وكانت تصفهم بأنهم ضعاف ومترددون!

واستمرت على طريقتها تلك؛ حتى أعلنت حرب استعادة جزر  الفوكولاند من يد الطغمة العسكرية الأرجنيتنية، التي كانت تريد صرف الانتباه عن مجازر الداخل، وحشد المواطنين الشرفاء حول قضية وطنية وهمية حول الحق التاريخي للأرجنتين في هذه الجزر!

انتقد حزب العمال المنافس وكذلك كبار المحافظين قرار تاتشر ولكنها لم تبال؛ هنا رأى الشعب عنادها قوة وشجاعة منقطعة النظير!

وبعد استعادة الجزر تم نسيان كل مشكلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت فيها تاتشر، واستطاعت إحكام السيطرة على فترتين انتخابييتن متتاليتين سحقت فيها حزب العمال!

كانت استراتيجية تاتشر تعتمد على الغرابة، والصلابة، وزيادة عدد الخصوم، وخوض المعارك بإستمرار، وأن تنأى بنفسها عن مركز التسويات السياسية التي تلعب على رضا وحب الجماهير، فالحضور والهيمنة والقوة له جاذبية أكبر عند الناس من استرضائهم!

تلك الاستراتيجية تستخدم الأعداء لبناء السيطرة، في الوقت الذي يظن فيه الأعداء بحماقتهم منقطعة النظير أنهم يحطمون خصمهم، في حين أنهم يبنون له شعبية أكبر وسيطرة أقدر.

إنها العاصفة التي تسبق العاصفة!

 

ترامب السياسي

ركز ترامب على العامل الاقتصادي للأغلبية المطحونة في مواجهة النخبة، والتي ينتمي إليها ترامب أصلا!

فقضية التجارة الحرة التي استفادت منها الصين بما تمتلكه من إمكانات بشرية لازمة، وكذلك قضية المهاجرين الذين يتسببون في استنزاف الموارد داخليا، ذلك هو ما لعب عليه ترامب بوضوح ودون مواربة

يحاول ترامب منع الانتقال الحضاري من أمريكا إلى الصين اقتصاديا، وذلك هو التحدي الأهم لأمريكا.

فالانتقال الحضاري يحدث عندما ينتقل الثقل الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي العلمي، والحضور السياسي والتفوق العسكري، من دولة إلى أخرى، أو ينقسم بين دولتين أو أكثر؛ مثلما حدث إبان فترة الاتحاد السوفيتي، مما أدى لنشوء حرب باردة كان هدفها هو الاستحواذ على السبق في تلك المجالات، ومنع الخصم من تحقيق أدنى إنجاز فيها.

أما روسيا الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي، فهي دولة لا تمتلك سوى القدرة العسكرية حاليا بالمقارنة مع أمريكا، ومعاداتها ستؤذي أمريكا، فسياسية الاحتواء تعد هي الأفضل.

وفيما يخص قضايا الشرق الأوسط، فإلى حد بعيد لن تختلف سياسته عن سياسة »جورج بوش الابن« ولكن دون تدخل عسكري مباشر، إنما حرب بالوكالة عبر الطغمة العسكرية في بلادنا.

 

لأن الأمريكيين أصبحوا يضيقون ذرعا بالاهتمام الزائد بالعالم الخارجي على حساب الداخل الأمريكي، وأصبح هناك شعور بأن طبيعة الدور القيادي لابد وأن يختلف عما ذي قبل، فالريادة هي محاولة لإعادة تأسيس التفوق الأمريكي الذي شهد تراجعا على عدة مستويات بدلا من القيادة، ومن تلك الريادة تصبح القيادة أمرا طبيعيا بل إن الدول ستخضع لسلطان أمريكا بإرادتها.

 

ترامب بالعربي!

في السياسة كما في الحياة يخلق من الشبه أربعين وواحد من ضمن التسعة وثلاثين لترامب؛ هو الجنرال صاحب عقيده »منين وبكام« ووعود »مسافة السكة« التي سرعان ما تتبخر عند وجود تهديد حقيقي.

هكذا هو ترامب في تصريحاته، وفي أهدافه، وطموحاته، ولا عجب أنه أبدى اعجابا بالجنرال؛ فالطيور على أشكالها تقع.

فترامب رجل أعمال أيدولوجيته هي المال »منين وبكام« وبالتالي أنت تتعامل مع مرتزقة في السُلطة، أشبه بمرتزقة دول العالم الثالث، مع اختلاف أنه يعمل لصالح نفسه وبلاده، مع وجود رقابة ومجتمع مدني قوي.

ولكن الفرصة السانحة لترامب، أنه حاز أغلبية مجلسي النواب والشيوخ، وكذلك سيعين قضاة المحكمة العليا، وبالتالي فسيتمكن من تمرير كل مشروعاته التي تتوافق مع أجندة المحافظين الجدد.

وحال تعارضها سيحدث الصدام المحتمل. الذي سينتهي إما بشراء الولاء أو بحالات شغب وتمرد وربما اغتيال! فالانقسام الأمريكي بلغ حدا حرجا قد يُنهي بالديموقراطية ذاتها ويبدو أن طباخ السُم لابد وأن يذوقه في النهاية!

إن أي رئيس سيحكمه النظام حقيقة، ولكن ترامب سيتمتع بحرية حركة نسبية لأنه يمتلك الأموال اللازمة لشراء الولاء له داخل النظام بل شراء النظام نفسه!

 

 

ترامب وما هو قادم

شعبية ترامب مكنته من أن يستخرج أسوأ ما في الأمريكيين حين خاطب غرائزهم ودغدغ مشاعرهم، وحرك ما كان كامنا في الذاكرة والأعماق من شعور بالاستعلاء والعنصرية، مما سيؤثر على الجاليات العربية والإسلامية بالداخل

وتخلي ترامب عن أوروبا سيدفع الأوروبيين لانتخاب اليمين المتطرف، مما يعني أنه ينبغي علينا أن نُعد أنفسنا لمرحلة صعود اليمين المتطرف غربيا.

ويمين أو يسار؛ فقضايا الشرق الأوسط ليست محل خلاف شديد بل أحيانا يكون صعود اليمين أكثر نفعا لأن خطابه أكثر وضوحا!

 

بصفة عامة نحن نشهد مرحلة تاريخية لإعادة صياغة النظام العالمي من جديد في خلال العشر سنوات المقبلة، ربما تتم بشكل توافقي سلمي ولكن المرجح أننا على وشك حرب عالمية ثالثة مختلفة عن الحربيين العالميتين الأولى والثانية.

ويبقى السؤال فماذا نحن فاعلون؟! فإما أن نوجد لأنفسنا مقعد الفاعل، أو المتفرج في النظام الجديد.

فتولي ترامب للرئاسة يجعلنا نخرج من أطروحة »فوكوياما« ونهاية التاريخ، وصراع الاستبداد والديموقراطية؛ إلى اطروحة »هنتنجتون« وصدام الحضارات تحديدا الحضارة الاسلامية والصينية والتي يعتبرونها تهديدا للحضارة الغربية.

وبالتالي فإنه لابد من تجديد الخطاب الثوري، ليشمل البُعد الثقافي والحضاري، وليس السياسي والاجتماعي فحسب.

 

والله أعلم.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد